النووي يعود إلى قلب الجيوسياسة: كيف يعيد العالم اكتشاف أسلحة الردع في عصر الفوضى الاستراتيجية

-- دقائق
سياسة عالمية

تقرير آيكان يكشف قفزة قياسية في الإنفاق النووي، بينما يتسارع انهيار إطار ضبط الأسلحة ويُدخل الذكاء الاصطناعي متغيراً جديداً في حسابات الدمار الشامل

النووي يعود إلى قلب الجيوسياسة: كيف يعيد العالم اكتشاف أسلحة الردع في عصر الفوضى الاستراتيجيةالزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ يتفقد مصنعاً للمكونات النووية (الثالث من يونيو 2026) — صورة تعبيرية

لم تكن الزيادة بنسبة 19% في الإنفاق النووي العالمي عام 2025 مجرد رقم إحصائي؛ كانت إعلاناً ضمنياً بأن عصر نزع السلاح النووي قد ولى، وأن القوى العظمى تستثمر في مستقبل يمتد لما بعد عام 2100. وفق تقرير الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية (آيكان)، أنفقت الدول التسع المالكة للترسانات النووية نحو 119 مليار دولار العام الماضي، بزيادة 17 ملياراً عن عام 2024. لكن الأرقام، مهما بلغت، لا تُفسّر وحها التحول الجوهري: العالم يتخلّى تدريجياً من فكرة "الردع المستقر" نحو "الردع المُتسابق"، في ظل انهيار الاتفاقيات الدولية ودخول تقنيات الذكاء الاصطناعي على خط حسابات الدمار الشامل.

119 مليار دولار إنفاق نووي عالمي (2025)
+19% نسبة الزيادة السنوية في الإنفاق
32 عاماً من ميزانية الأمم المتحدة يغطيها الإنفاق السنوي
12,187 رأساً حربياً نووياً في العالم (تقديرات سيبري)

لماذا تُنفق القوى النووية الآن بوتيرة لم تشهدها منذ الحرب الباردة؟

لعقود، اعتمد النظام الدولي على توازن الرعب (Mutual Assured Destruction) كضمانة ضد الحرب النووية الشاملة. لكن معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الجديدة (نيو ستارت) تتداعى، وآليات التفتيش الدولي تتراجع، بينما تُخرج القوى النووية أسلحتها من المخازن وتُعيد نشرها على منصات الإطلاق. في هذا المشهد، لم يعد النووي مجرد رادع ساكن، بل أداة سياسة نشطة تُستخدم في التلويح والضغط والمفاوضات غير المباشرة.

الإجابة لا تكمن في التهديد العسكري المباشر فحسب، بل في إعادة تشكيل الهوية الاستراتيجية. الولايات المتحدة، التي تُجسّد وحدها 58% من الإنفاق العالمي (69.2 مليار دولار)، لا تُجدّد ترسانتها فقط، بل تُعيد تعريف دورها في نظام دولي متعدد الأقطاب. صواريخ "سنتينل" البالستية العابرة للقارات، المزمع دخولها الخدمة قريباً، ليست مجرد أسلحة؛ هي رسالة بأن واشنطن تستعد لمواجهة استراتيجية تمتد لقرن.

⚠️

تحذير: الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة القيادة النووية

حذّرت سوزي سنايدر من آيكان من أن دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة الإنذار المبكر واتخاذ القرار العسكري قد يُقلّص الزمن الفاصل بين التحذير والرد إلى ثوانٍ، مما يُضعف دور التدخل البشري ويزيد من احتمالية الحوادث غير المقصودة.

من جهتها، توسّع الصين ترسانتها أسرع من أي دولة أخرى. وبينما يبلغ مخزونها الحالي 620 رأساً حربياً وفق تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، يتوقع المعهد أن تُضاهي بكين مخزوني الولايات المتحدة وروسيا من الصواريخ البالستية العابرة للقارات بحلول 2030. هذا التحول لا يعني بالضرورة رغبة صينية في صراع نووي، بل يعكس حاجة بكين لـ"ردع موثوق" في مواجهة ما تراه تطويقاً استراتيجياً أمريكياً.

توزيع الإنفاق النووي العالمي عام 2025 (بمليارات الدولارات)

المصدر: تقرير آيكان (يونيو 2026) — التقديرات تعتمد على البيانات المُعلنة من الدول التسع

كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي كتابة قواعد الردع النووي؟

التحول الأكثر إثارة للقلق ليس في الأرقام، بل في التقاطع بين النووي والذكاء الاصطناعي. في السابق، اعتمد الردع على "السلسلة البشرية" من القيادة إلى الميدان؛ اليوم، الخوارزميات قد تُصبح وسيطاً بين التهديد والرد. هذا لا يُغيّر طبيعة السلاح فحسب، بل يُعيد تعريف مفهوم "السيطرة" على الترسانة.

ليس الذكاء الاصطناعي خطراً بذاته، بل طريقة دمجه في أنظمة الإنذار المبكر. عندما تُصبح سرعة الرد أسرع من سرعة التحقق البشري، يتراجع دور التشكيك والتدقيق، ويصعد احتمال "الرد العكسي" (False Flag) أو الحوادث غير المقصودة. العالم يقترب من نقطة يكون فيها الردع النووي معتمداً على خوارزمية لا تملك القدرة على التمييز بين التمرين العسكري والهجوم الحقيقي.

🇨🇳 الصين: التوسع الأسرع عالمياً

  • أنفقت 13.5 مليار دولار (2025)
  • 620 رأساً حربياً حالياً، تستهدف معادلة المخزونين الأمريكي والروسي بحلول 2030
  • استراتيجية "ردع موثوق" في مواجهة التطويق الاستراتيجي
  • لا تزال ترفض الكشف الكامل عن حجم ترسانتها

🇺🇸 الولايات المتحدة: الإنفاق الأعلى تاريخياً

  • أنفقت 69.2 مليار دولار (2025)، بزيادة 12.4 مليار عن 2024
  • تمتلك أكثر من 5,000 رأس نووي (نصفها تقريباً نشرت)
  • تطوير صواريخ "سنتينل" بعمر افتراضي يمتد لما بعد 2100
  • إنتاج نوى ذرية للبلوتونيوم تضمن صلاحية حتى 2120
"أنا مرعوبة. ما أنفقته هذه الدول عام 2025 كان يمكن أن يغطي 32 عاماً من ميزانية تشغيل الأمم المتحدة، ويوم واحد من هذا الإنفاق كان يمكن أن يوفر الأمن الغذائي لأكثر من مليوني شخص." — سوزي سنايدر، مسؤولة في آيكان

أين تتقاطع ميزانية الأمم المتحدة مع صواريخ تبقى في الخدمة حتى 2100؟

المنظمة التي فازت بجائزة نوبل للسلام عام 2017 قدّمت مقارنة صادمة: الإنفاق النووي لعام 2025 وحده يكفي لتمويل 32 عاماً من ميزانية تشغيل الأمم المتحدة. ويوم واحد من هذا الإنفاق كان يمكن أن يؤمن الأمن الغذائي لأكثر من مليوني شخص. لكن المقارنة المالية تكشف عن انقسام أعمق: في الوقت الذي تُخفّض فيه المؤسسات الإنسانية الدولية ميزانياتها، تستثمر القوى النووية في أنظمة بعمر افتراضي يمتد إلى عام 2120.

هذا يعني أن جيلاً من البشر سيولد ويموت تحت ظل ترسانات صُمّمت لحروب لن يشهدها، وأن القرارات التي تُتخذ اليوم ستُرسم خريطة الأمن الدولي لما بعد 2075. التفكيك، الذي كان اتجاهاً سائداً بعد انتهاء الحرب الباردة، يتباطأ اليوم بشكل ملحوظ، بينما يتسارع نشر أسلحة نووية جديدة.

الإنفاق النووي العالمي: مقارنة بين عامي 2024 و2025

المصدر: آيكان — تقديرات الإنفاق الإجمالي (2024: 102 مليار تقريباً / 2025: 119 مليار)

ما الذي يعنيه هذا السباق للعالم خارج نادي القوى النووية التسع؟

للدول غير النووية، وللمدنيين في كل مكان، يعني هذا السباق عودة "الخطأ النووي" إلى قائمة المخاطر الوجودية. معهد سيبري يحذّر من أن انهيار أنظمة ضبط الأسلحة الاستراتيجية، مثل الاتفاقيات الدولية والتنافس بين القوى الكبرى، يُعيد إحياء احتمالية "الحرب بالخطأ" (Inadvertent War). رغم تراجع كميّات الأسلحة النووية إجمالاً، فإن مستوى المخاطر النووية والتهديدات يتزايد.

كما يُعيد السباق النووي تبرير "المنطق الاستراتيجي" للتسلح: إذا كانت القوى الكبرى تُوسّع ترساناتها، فلماذا لا يحق لدول أخرى السعي للحصول على القدرة النووية؟ هذا المنطق، إذا انتشر، يُهدد بإنهاء نظام عدم الانتشار النووي الذي حمى العالم من سباق تسلح شامل لأكثر من نصف قرن. القوى النووية التسع تستثمر في ترسانة "تعلم هي نفسها أنها لا تستطيع استخدامها دون ارتكاب جريمة حرب"، لكنها في الوقت ذاته تُرسّخ فكرة أن النووي هو العملة الصعبة الوحيدة في النظام الدولي.

روسيا + الولايات المتحدة (المجموع) 83%
الصين 5%
باقي الدول النووية (فرنسا، بريطانيا، الهند، إسرائيل، باكستان، كوريا الشمالية) 12%

ثلاثة سيناريوهات للمشهد النووي المقبل

السيناريوالشرطالنتيجة المتوقعة
الأرجح: تسلح مُتسابق طويل الأمداستمرار التوترات الجيوسياسية وتباطؤ التفكيكإدخال أنظمة جديدة بعمر افتراضي يمتد لقرن، واتفاقيات شكلية أو مُعلّقة
الأخطر: انهيار آليات الضبطحادث تقني مرتبط بالذكاء الاصطناعي أو دخول دول جديدة في السباقعودة احتمالية "الحرب بالخطأ" وانهيار نظام عدم الانتشار
البديل: ضغط دولي مدنيتغيّر في الحسابات السياسية الداخلية للقوى النوويةإعادة إطلاق مفاوضات جادة، لكنه أقل احتمالاً في المدى القريب

النووي لم يعد مجرد ترسانة مخبأة في صوامع بعيدة؛ أصبح فصلاً نشطاً في حكاية السياسة العالمية. والسؤال الذي يواجه جيلنا ليس "هل سنشهد حرباً نووية؟"، بل "هل نستطيع، في عصر الذكاء الاصطناعي والتنافس الجيوسياسي، أن نُبقي السلاح النووي في خانة الردع دون أن يتحول إلى أداة سياسة يومية؟". الجواب على هذا السؤال لن يُكتب في مختبرات الأسلحة، بل في قاعات المؤتمرات التي تتخاذل اليوم عن وضع قواعد جديدة للعبة خطرة يُعيد الجميع اكتشافها.

المصادر:

  1. الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية (آيكان) — التاسع من يونيو 2026 — أولي (تقرير رسمي)
  2. معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) — الثامن من يونيو 2026 — أولي (بيانات وباحثون)
  3. دويتشه فيله (DW) — التاسع من يونيو 2026 — ثانوي (تغطية إعلامية)

الوسوم

الإنفاق النووي | سباق التسلح | آيكان | سيبري | الذكاء الاصطناعي النووي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

20 تريليون دولار في عقد واحد: حين يصبح الطقس المتطرف أكبر فاتورة يدفعها الاقتصاد العالمي

125 ألف إسرائيلي في طريق العودة إلى الشتات: حين تهزم الهجرة العكسية عقيدة الاستجلاب

عندما يُصبح الجوعُ سلاحاً جيوسياسياً: كيف يُعيد صراع الشرق الأوسط كتابة خريطة الأمن الغذائي العالمي