بين تهديد رضائي وعقوبات أمريكية «غير مسبوقة»: اقتصاد إيران يترنح بتضخم يقترب من 90% في الشهر السادس من الحرب
أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يصف أي دولة تنضم للضغط الأمريكي بـ«العدو»، فيما يستعد وزير الخزانة الأمريكي للإعلان غداً عن آلية جديدة لتشديد العقوبات، وسط زيارة يقودها قائد الجيش الباكستاني إلى طهران لبحث إنهاء الحرب
أرشيف — دراجات نارية تمر قرب لوحة إعلانية تحمل صورة للمرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي، طهران، 6 مايو 2026 (أسوشيتد برس)
عندما يقول مسؤول أمني رفيع إن أي دولة تنضم إلى معسكر الضغط الاقتصادي على بلاده تُعدّ «عدواً»، فإن اللهجة غالباً ما تكشف عن إحساس بالحصار أكثر مما تعكس موقف قوة. هذا ما فعله أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي (Mohsen Rezaei)، الأحد، حين دعا كل الدول المجاورة ودول العالم إلى عدم الانضمام إلى ما وصفه بـ«الحرب الاقتصادية» التي تشنها الولايات المتحدة على طهران.
التصريح جاء عقب إعلان واشنطن تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران، ويسبق مؤتمراً صحفياً يعقده وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت (Scott Bessent) غداً الاثنين، يكشف خلاله عن الآلية التي تراهن عليها الإدارة الأمريكية لتضييق الخناق على طهران بعد نحو ستة أشهر على اندلاع الحرب التي أشعلتها ضربات إسرائيلية-أمريكية في 28 فبراير 2026.
رضائي يهدد.. وبكين ترفض منطق العقوبات
لم يكتفِ رضائي بالتحذير اللفظي، بل لوّح بأن طهران قد تستهدف المصالح الاقتصادية للدول المشاركة في الحصار، موضحاً أن إيران لم تهاجم بعد أي مصلحة اقتصادية أمريكية واقتصرت ضرباتها حتى الآن على القواعد العسكرية. في المقابل، دعت واشنطن حلفاءها والصين إلى الانضمام إلى حملة واسعة لعزل إيران اقتصادياً، لكن بكين -الشريك التجاري الاستراتيجي لطهران- اعتبرت أن حل الأزمة في الشرق الأوسط لا يكمن في مزيد من العقوبات والضغوط الأمريكية.
"لا تنضموا إلى الحرب الاقتصادية التي تشنها الولايات المتحدة." — محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني
الأرقام التي تفسر لهجة التصعيد
بعيداً عن الخطاب السياسي، تكشف البيانات الرسمية والتقديرات الدولية حجم الضغط الذي يواجهه الاقتصاد الإيراني بعد ستة أشهر من الحرب:
الرقمان الأول والثاني صادران عن مركز الإحصاء الإيراني الرسمي ووكالة بلومبيرج (Bloomberg)، بينما يبقى تقدير الأضرار البالغ 270 مليار دولار رقماً حكومياً إيرانياً لم يخضع لتدقيق مستقل. والملاحظ أن التضخم الفعلي تجاوز بالفعل التوقع الذي وضعه صندوق النقد الدولي (IMF) في أبريل بأن يبلغ «مستوى قياسياً» عند 70% بحلول نهاية العام — وهو ما تحقق قبل أشهر من الموعد المتوقع.
من الشاي إلى البيض: تضخم يطال المائدة اليومية
جولة ميدانية أجرتها وكالة أسوشيتد برس (AP) على متاجر المواد الغذائية في طهران رصدت قفزات حادة في الأسعار منذ اندلاع الحرب في فبراير، طالت سلعاً أساسية يعتمد عليها الإيرانيون يومياً:
ارتفاع أسعار سلع أساسية في طهران منذ فبراير 2026
المصدر: مسح ميداني لوكالة أسوشيتد برس، مايو 2026
النتيجة المباشرة لهذه القفزات هي تحوّل غير مسبوق في عادات الإنفاق؛ إذ باتت خطط «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» -التي كانت تقليدياً محصورة في سلع معمرة كالأثاث والأجهزة المنزلية- تمتد الآن إلى الخبز والبقالة الأسبوعية، وفق تجار تجزئة تحدثوا لوكالة بلومبيرج شريطة عدم الكشف عن هوياتهم.
منحنى تضخم لا يهدأ
مسار التضخم السنوي الرسمي الصادر عن مركز الإحصاء الإيراني يوضح وتيرة التسارع: من 53.7% في منتصف أبريل، إلى 88.6% خلال الفترة الممتدة بين 22 مايو و21 يونيو، ليقترب من 90% بحلول نهاية يوليو وفق تقديرات بلومبيرج.
التضخم السنوي في إيران — 2026
المصدر: مركز الإحصاء الإيراني عبر الجزيرة نت وبلومبيرج
أكثر من نصف السكان تحت ضغط معيشي مباشر
يقدّر الباحث الاقتصادي الإيراني هادي كحل زاده (Hadi Kahalzadeh)، الزميل غير المقيم في معهد كوينسي (Quincy Institute) بواشنطن، أن نحو 70% من الإيرانيين باتوا فقراء أو معرضين لخطر الفقر. ويرى أن إيران قادرة على تفادي انهيار اقتصادي شامل بفضل خبرتها الممتدة في التكيف مع العقوبات، لكن ثمن ذلك يُدفع محلياً عبر تضخم أعلى وضعف في الخدمات وحياة يومية أكثر قسوة. كانت الطبقة الوسطى الإيرانية، التي تشكل تقليدياً عماد الاستقرار الاجتماعي، قد تراجعت بالفعل إلى نحو 55% من السكان بحلول 2019 وفق تقدير أستاذ اقتصاد الشرق الأوسط محمد رضا فرزانيغان (Mohammad Reza Farzanegan)، قبل أن تتفاقم هذه الخسارة مع الحرب الأخيرة.
الحصار البحري كعامل ضغط إضافي
يقدّر فرزانيغان أن أكثر من 90% من التجارة الإيرانية، وعلى رأسها صادرات النفط، تمر عبر الموانئ الجنوبية التي يقيّدها حصار بحري أمريكي مستمر منذ أشهر — ما يجعل أي تصعيد إضافي في هذا الملف أكثر إيلاماً من الضربات العسكرية نفسها، وفق تقديره.
وكان انهيار الريال قد دفع، قبل اندلاع الحرب بأسابيع، إلى احتجاجات عنيفة عمّت البلاد في يناير 2026 وشكّلت تحدياً كبيراً للسلطات. ومنذ ذلك الحين، تحاول القيادة الإيرانية الجديدة موازنة الخطاب بين تعزيز الجبهة الداخلية وحث المواطنين على تحمّل الألم الاقتصادي لصالح المجهود الحربي.
ما الذي تراقبه الأسواق هذا الأسبوع؟
ثلاث نقاط تتقاطع الاثنين
| الحدث | الطرف | الدلالة |
|---|---|---|
| مؤتمر صحفي | وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت | الكشف عن آلية عقوبات جديدة يصفها بـ«غير المسبوقة» |
| زيارة إلى طهران | قائد الجيش الباكستاني عاصم منير | استمرار الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران |
| موقف معلن | الصين | رفض منطق «العقوبات والضغوط» كحل للأزمة الإقليمية |
بين تهديد رضائي وتوعّد بيسنت، يبدو أن الطرفين يراهنان على معادلة الصبر: واشنطن تراهن على أن يفرض التضخم والحصار كلفة تفوق كلفة التفاوض، بينما تراهن طهران على قدرتها التاريخية على تحمّل العقوبات حتى تُنهك جدوى الحصار عند الطرف الآخر. لكن الفارق هذه المرة أن كلفة هذا الرهان تُقاس بلغة يومية بسيطة: كوب شاي ارتفع سعره بالنصف، وأسرة باتت تشتري خبزها بالتقسيط.
المصادر:
الوسوم
إيران | العقوبات الأمريكية | محسن رضائي | سكوت بيسنت | عاصم منير

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار