تريليونات في مهب الريح.. كيف يتحول "النينيو" من ظاهرة مناخية إلى أزمة اقتصادية عالمية؟
تحذيرات أميركية من أن ظاهرة مناخية متكررة قد تضرب النمو والتجارة وسلاسل الغذاء، بينما تكشف دراسات حديثة عن خسائر اقتصادية بلغت تريليونات الدولارات بعد موجات نينيو سابقة
النينيو يفرض ضغوطاً على التجارة والزراعة وسلاسل الإمداد العالمية (تعبيرية)
لم تعد ظاهرة "النينيو" حكراً على أروقة علماء المناخ، بعدما تحولت إلى ملف يهم الاقتصاديين وصناع القرار في قطاعات التجارة والملاحة والطاقة والزراعة. فالتغيرات الحادة في درجات حرارة مياه المحيط الهادئ لا تتوقف آثارها عند الطقس، بل يمكن أن تنتقل عبر المحاصيل والطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد إلى اقتصادات تبعد آلاف الكيلومترات عن مصدر الظاهرة.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية أكبر مع عودة "النينيو" بقوة، في وقت أصبحت فيه المحيطات أكثر دفئاً بسبب تغير المناخ. وتحذر التغطية الأميركية من أن اجتماع ظاهرة مناخية دورية مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية قد يزيد من صعوبة تقدير التكلفة الاقتصادية للصدمة المقبلة، خصوصاً في الاقتصادات الاستوائية التي تعتمد بدرجة أكبر على الزراعة والموارد الطبيعية.
ما الذي يجعل "النينيو" مختلفاً هذه المرة؟
"النينيو" ظاهرة مناخية طبيعية متكررة تنشأ عندما ترتفع درجات حرارة سطح المياه في المناطق الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي عن مستوياتها المعتادة. وترتبط الظاهرة بتغيرات في الرياح والتيارات المحيطية، ما يؤدي إلى أنماط متباينة من الجفاف والأمطار والحرارة في مناطق مختلفة من العالم. وتأتي "لا نينيا" في الطرف المقابل من الدورة المناخية، عندما تنخفض درجات حرارة المياه في المنطقة نفسها.
تشير دراسة اقتصادية شارك في إعدادها كريستوفر كالاهان إلى أن آثار "النينيو" قد تمتد لسنوات بعد انتهاء الظاهرة نفسها، وأن الصدمة لا تظهر فقط في خسائر الإنتاج المباشرة، بل في تباطؤ النمو والدخل على مدى سنوات لاحقة، مع تعرض الاقتصادات الاستوائية لأكبر قدر من المخاطر.
تريليونات الدولارات.. الفاتورة التي لا تنتهي بانتهاء الظاهرة
تكشف دراسة منشورة في مجلة Science أن التأثير الاقتصادي للنينيو قد يستمر لفترة طويلة بعد انتهاء الحدث المناخي. وقدرت الدراسة خسائر الدخل العالمي المرتبطة بحدثي "النينيو" في 1982-1983 و1997-1998 بنحو 4.1 تريليون دولار و5.7 تريليون دولار على التوالي خلال السنوات التالية للحدثين.
ولا تتوقف الدراسة عند قياس خسائر الأحداث السابقة، إذ قدرت أن استمرار ظاهرة "النينيو" في عالم أكثر دفئاً قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية ضخمة خلال القرن الحالي. وفي أحد سيناريوهات الانبعاثات، قدرت الخسائر المحتملة خلال القرن الحادي والعشرين بنحو 84 تريليون دولار، وهي نتيجة نموذجية مشروطة بمسار تغير المناخ وليست توقعاً مؤكداً لحجم خسائر العالم.
أبرز المؤشرات الاقتصادية:
| المؤشر | القيمة |
|---|---|
| خسائر حدث نينيو 1982-1983 | نحو 4.1 تريليون دولار |
| خسائر حدث نينيو 1997-1998 | نحو 5.7 تريليون دولار |
| تقدير مشروط لخسائر القرن الحالي | نحو 84 تريليون دولار |
| الفئة الأكثر تعرضاً للخطر | الاقتصادات الاستوائية |
قناة بنما.. حين يتحول الجفاف إلى أزمة ملاحة
العبور عبر قناة بنما: الرسم المعتاد مقابل أولوية العبور بالمزاد
اعتيادي
العبور
مقارنة توضيحية بين الرسم الاعتيادي وتكلفة أولوية العبور بالمزاد، وليست مقارنة بين رسمين إلزاميين لجميع السفن
لا يبقى أثر "النينيو" في الأسواق الزراعية فقط. فالجفاف المرتبط بالظاهرة يمكن أن يضغط على قناة بنما، أحد الممرات الرئيسية للتجارة البحرية العالمية، بسبب انخفاض منسوب المياه في بحيرة غاتون التي تعتمد عليها القناة في عمليات العبور.
وعندما يتراجع عدد الفتحات المتاحة للسفن، يصبح الحصول على أولوية العبور أكثر قيمة لشركات الشحن التي تريد تفادي الانتظار. ولهذا ظهرت مزايدات مرتفعة على حقوق العبور ذات الأولوية، وصلت في بعض الحالات إلى ملايين الدولارات. والرقم البالغ نحو 2.5 مليون دولار يمثل تكلفة مرتبطة بأولوية العبور في المزاد، وليس ارتفاعاً عاماً في الرسم الأساسي الذي تفرضه القناة على جميع السفن.
كيف تنتقل الصدمة إلى الاقتصاد العالمي؟
| القطاع | قناة التأثير |
|---|---|
| الملاحة | انخفاض عدد العبور وارتفاع قيمة أولوية المرور |
| الزراعة | تراجع الإنتاج في مناطق وارتفاع المخاطر في مناطق أخرى |
| الغذاء | ارتفاع احتمالات تقلب أسعار المحاصيل الأساسية |
| التأمين والشحن | ارتفاع تكلفة تسعير المخاطر وتأخير الرحلات |
النينيو أصبح أقوى.. لكن ماذا يعني رقم 40%؟
وجدت دراسة حديثة من جامعة ميشيغان نُشرت في مجلة Science أن أحداث "النينيو" خلال العقود الأربعة الأخيرة أصبحت أقوى بنحو 40% مقارنة بعصر ما قبل التصنيع. كما أظهرت سجلات من الشعاب المرجانية أن شدة هذه الأحداث تجاوزت ما ظهر في أي فترة مماثلة تقريباً خلال الألف عام السابقة.
ولا تعني هذه النسبة أن الظاهرة ترتفع قوتها بمعدل 40% كل عام أو أنها زادت 40% منذ بداية القرن الحالي. الرقم يعكس فارقاً في شدة الأحداث بين الفترتين محل المقارنة، بينما تختلف قوة كل دورة من دورات "النينيو" وفق الظروف المحيطية والجوية المصاحبة لها.
ولماذا يهم هذا الملف الشرق الأوسط تحديداً؟
تكتسب أزمة قناة بنما بعداً إضافياً حين تُقرأ في سياق إقليمي. فقناة السويس تمر بدورها باضطرابات جيوسياسية أثرت في حركة الملاحة العالمية، ما يعني أن تعرض أحد الممرين الرئيسيين لضغوط مناخية في الوقت الذي يواجه فيه الآخر ضغوطاً أمنية يمكن أن يرفع تكلفة النقل والتأمين ويزيد الحاجة إلى مسارات بديلة.
ولا يتوقف التأثير عند شركات الشحن. فارتفاع تكاليف النقل أو اضطراب إنتاج المحاصيل يمكن أن ينتقل إلى أسعار السلع الغذائية، خصوصاً في الدول التي تعتمد على الاستيراد لتأمين جزء كبير من احتياجاتها. وتشمل السلع المعرضة لتقلبات مرتبطة بأنماط الطقس محاصيل مثل الأرز والقهوة والكاكاو والسكر والزيوت النباتية.
وبالنسبة إلى الاقتصادات العربية، فإن أهمية الملف لا تأتي من وجود "النينيو" داخل المنطقة، بل من موقعها داخل شبكة تجارة عالمية تعتمد على الممرات البحرية والأسواق الزراعية الدولية. وكلما ارتفع مستوى عدم اليقين في الإنتاج أو النقل، أصبحت تكلفة إدارة مخاطر الغذاء والطاقة والشحن أعلى.
| السيناريو | الوصف |
|---|---|
| تراجع الظاهرة | انحسار تدريجي لحدة النينيو، ما يسمح بتحسن ظروف الملاحة والزراعة وتراجع بعض ضغوط الأسعار |
| استمرار الاضطرابات | تكرار اضطرابات الطقس بصورة متقطعة، مع استمرار ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وتسعير المخاطر |
| تصاعد المخاطر | تزامن موجات قوية من النينيو مع ارتفاع حرارة العالم، ما يزيد الضغط على المحاصيل والممرات المائية والاقتصادات الأكثر تعرضاً |
هذه السيناريوهات تحليلية وليست توقعات مؤكدة. ويتوقف مسارها على تطور النينيو نفسه، وعلى حالة المحيطات، واتجاهات درجات الحرارة العالمية، وقدرة الدول والشركات على التكيف مع الصدمات المناخية وسلاسل الإمداد.
خلاصة: "النينيو" لم يعد ملفاً مناخياً منفصلاً عن الاقتصاد. فقد أظهرت الأحداث السابقة أن تأثيره يمكن أن يمتد إلى النمو والدخل والزراعة والتجارة لسنوات بعد انتهاء الظاهرة. ومع وصول الخسائر المقدرة لبعض الأحداث السابقة إلى 4.1 و5.7 تريليون دولار، ووجود تقديرات مشروطة بخسائر أكبر خلال القرن الحالي، يصبح النينيو متغيراً اقتصادياً يستحق المتابعة إلى جانب التضخم والطاقة وأسعار الغذاء وحركة التجارة العالمية.
المصادر:
1. Wall Street Journal — تقرير عن التأثيرات الاقتصادية للنينيو
2. Science — دراسة Christopher Callahan وJustin Mankin حول الآثار الاقتصادية للنينيو
3. University of Michigan — دراسة شدة أحداث النينيو خلال العقود الأربعة الأخيرة
4. Panama Canal Authority — بيانات الملاحة وتأثير الجفاف على عمليات القناة
الوسوم
النينيو | الاقتصاد العالمي | قناة بنما | الأمن الغذائي | التغير المناخي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار