بين بحر البلطيق وضفاف الناتو: لماذا يُعيد التلويح الروسي بضرب أوروبا رسم خريطة المواجهة؟
وزارة الخارجية الروسية تتبنى لهجة كانت حكراً على وزارة الدفاع، بينما تتزامن مع زيارة سرية لمدير CIA إلى موسكو. فهل نحن أمام رسالة ردع أمامية، أم اختبار لحدود الحلف الأطلسي؟
منظر بانورامي للساحة الحمراء في موسكو يظهر أسوار الكرملين وبرج سباسكايا وكاتدرائية القديس باسيل — ناشيونال جيوغرافيك
لم يعد التلويح بضرب أهداف أوروبية مجرد هامش في الخطاب العسكري الروسي. فعندما تصدر وزارة الخارجية في موسكو — لا وزارة الدفاع — تحذيراً صريحاً من إمكانية استهداف مواقع في دول أوروبية خارج الأراضي الأوكرانية، يتحول الحدث من تهديد تكتيكي إلى إشارة استراتيجية تستحق التوقف عندها. التوقيت ليس عبثياً: يتزامن مع زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى العاصمة الروسية، في لقاء يحمل، وفق تسريبات دبلوماسية، رسالة مزدوجة: تحذير من اختبار الناتو، ورفض لأي توسع في دائرة الحرب.
السؤال إذن لا يتعلق بما إذا كانت موسكو جادة في تهديدها، بل لماذا تختار الآن — وبعد أربع سنوات ونصف من القتال — أن ترفع مستوى التحذير من خلال قناة دبلوماسية لا عسكرية. وما الذي تغير في حسابات الكرملين ليجعل بريطانيا تحديداً في قلب هذه اللهجة الجديدة؟
لماذا تتحدث الخارجية بلغة كانت حكراً على الدفاع؟
منذ بداية الحرب في فبراير 2022، رسمت موسكو "خطوطاً حمراء" متعددة: عدم انضمام أوكرانيا للناتو، وعدم نشر أسلحة هجومية على حدودها، وعدم تزويد كييف بأنظمة صاروخية بعيدة المدى. لكن هذه الخطوط تآكلت تباعاً. فبعدما كانت أوروبا تقتصر على دعم لوجستي ومالي، تدرجت بريطانيا وفرنسا وألمانيا نحو تزويد كييف بصواريخ متوسطة المدى ومسيرات قادرة على ضرب العمق الروسي.
ويرى أستاذ العلوم السياسية نزار بوش أن لندن، إلى جانب باريس وبرلين، تجاوزت عدداً من هذه الخطوط، ولم تعد تكتفي بدعم أوكرانيا بالمال والسلاح، بل أصبحت — بحسب تقديره — مشاركة مباشرة في الحرب ضد روسيا، وإن ضمن حدود معينة. ويضيف أن بريطانيا "تمادت أكثر بكثير" مقارنة بمواقفها السابقة، ما جعلها في قلب التحذير الروسي الأخير.
نقطة تحول لغوية
التحذير الروسي الأخير صدر عن وزارة الخارجية، وليس عن جهة عسكرية. هذا يعني أن موسكو لا تزال تمنح الحل الدبلوماسي والمفاوضات أولوية قبل الانتقال إلى الخيار العسكري.
لكن الجديد — وفق بوش — هو التلويح بإمكان استهداف مواقع بريطانية خارج أوكرانيا. وبينما استبعد توجيه ضربة إلى الأراضي البريطانية حالياً، رجح أن تطال أهدافاً في البحار والمحيطات أو قواعد عسكرية تشارك في العمليات ضد العمق الروسي، بما في ذلك مواقع قرب بحر البلطيق أو في بولندا. هذا التوسع الجغرافي في دائرة "الرد المشروع" يعني أن روسيا تُعيد رسم حدود المواجهة بشكل صريح.
كيف يختبر التصعيد مادة الناتو الخامسة؟
من جهته، يرى الباحث السياسي مصطفى طوسة أن تهديد روسيا باستهداف عناصر أو جنود أجانب داخل أوكرانيا ليس جديداً، لكن التلويح بضرب أهداف في دول أوروبية يمثل تحولاً قد يفتح "حقبة جديدة"، خصوصاً إذا شمل دولة عضواً في الناتو. فاستهداف إحدى دول الحلف قد يؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاقه، بما يلزم بقية الأعضاء بمساندتها عسكرياً.
⚠️ رؤية نزار بوش
- بريطانيا باتت "رأس الحربة" ومشاركة مباشرة في الحرب ضد روسيا
- واشنطن "الرابح الأكبر" من استمرار القتال عبر مبيعات الأسلحة والضغط على أوروبا
- تجاوز الخطوط الحمراء قد يقود إلى رد روسي مباشر خلال وقت قصير
- الحرب تتصل بالدفاع عن "وجود روسيا"، ما يجعل جميع الخيارات مطروحة
✅ رؤية مصطفى طوسة
- بوتين لا يسعى لاستفزاز الناتو وجره إلى حرب مباشرة بعد فشل إخضاع أوكرانيا
- السلاح النووي خيار محرم دولياً ومرفوض من الصين والداعمين الاقتصاديين لروسيا
- التصعيد محاولة لـ"دق ناقوس الخطر" ودفع الحل الدبلوماسي
- الحرب الهجينة (سبرانية وانتخابية) أداة أقوى من المواجهة العسكرية المباشرة
لكن طوسة يستبعد أن يسعى بوتين إلى استفزاز الناتو، متسائلاً عن قدرة موسكو على مواجهة الحلف بعدما لم تتمكن آلتها العسكرية من إخضاع أوكرانيا بعد سنوات من القتال. ويرى أن المعادلة قد تختلف عند اللجوء إلى السلاح النووي، لكنه يصفه بأنه خيار محرم دولياً ومرفوض من الصين والدول الداعمة لروسيا اقتصادياً.
"ضرب مدن روسية سيقابل برد، بغض النظر عن الموقف الغربي." — ناريشكين، رئيس الاستخبارات الروسية (نقلاً عن نزار بوش)
ما الذي حملته زيارة راتكليف إلى موسكو؟
في الوقت الذي تتصاعد فيه التحذيرات الروسية، تبرز زيارة مدير CIA إلى موسكو كحدث استخباراتي-دبلوماسي مزدوج. فوفق قراءات خبراء أميركيين وأوروبيين، تحمل الزيارة رسالة واضحة: واشنطن لا تريد حرباً مع روسيا، وأن ترامب لا يسعى إلى مواجهة مع بوتين. لكن الرسالة تضمنت أيضاً تحذيراً صارماً من استهداف أي دولة أوروبية عضو في الناتو، لأن ذلك قد يفرض على الولايات المتحدة التدخل بموجب التضامن الأطلسي.
هذه المعادلة تكشف عن توتر داخلي في الموقف الأميركي: من ناحية، يرغب ترامب في تجنب الانجرار إلى صراع مباشر مع موسكو؛ ومن ناحية أخرى، لا يمكنه التنصل من التزامات الناتو دون أن يهز أركان الحلف. ويقرأ طوسة التصعيد الروسي باعتباره محاولة لدفع واشنطن والاتحاد الأوروبي إلى التعامل بجدية مع الحل الدبلوماسي والضغط على أوكرانيا لتقديم التنازلات التي تريدها موسكو.
الحرب الهجينة: الجبهة التي لا ترى بالعين المجردة
بعيداً عن التهديدات الصريحة، تواجه الدول الأوروبية بالفعل ما وصفها طوسة بـ"حرب روسية هجينة مستمرة". هذه الحرب تشمل الهجمات السيبرانية وتعطيل البنية التحتية، والتدخل في الانتخابات ومحاولات التأثير النفسي في المجتمعات والمسارات السياسية. ويستشهد بالمشهد الانتخابي في فرنسا، معتبراً أن وصول أصوات مناهضة للاتحاد الأوروبي أو متشددة قد يصب في مصلحة بوتين.
لكن طوسة يُحذر من الخلط بين هذه الأدوات والمواجهة العسكرية المباشرة. فالحرب الهجينة أداة ناعمة تستهدف إضعاف التماسك الأوروبي من الداخل، بينما يبقى التلويح بضرب أوروبا أداة ردع خشنة تهدف إلى رسم خطوط حمراء جديدة من الخارج. الفصل بينهما ضروري لفهم استراتيجية موسكو الحالية.
أين تتقاطع المصالح وتبدأ الخلافات؟
يعتبر بوش أن التفاؤل بوقف الحرب، عقب لقاء ترامب وبوتين في ألاسكا، تبدد بعد صمت ترامب، مرجحاً أن يكون ذلك نتيجة ضغوط داخلية أميركية. وفي المقابل، يرى أن واشنطن تبقى "الرابح الأكبر" من استمرار القتال، في ظل شراء دول أوروبية الأسلحة الأميركية وتقديمها إلى أوكرانيا بمليارات الدولارات. هذه القراءة تضع علامة استفهام حول طبيعة الدور الأميركي: هل هو وسيط محايد، أم طرف يستفيد من استمرار المواجهة دون الانجرار إليها؟
منطق الردع الروسي
"رد متناسب"أي هجوم على العمق الروسي سيُقابل باستهداف مصادر الدعم، حتى وإن كانت خارج أوكرانيا
منطق الناتو الدفاعي
"المادة 5"أي هجوم على عضو واحد هو هجوم على الجميع، ما يجعل الرد جماعياً وشاملاً
هل يقود التصعيد إلى المفاوضات أم إلى الاحتكاك المباشر؟
يبقى السؤال المركزي مفتوحاً: هل يقود التصعيد الحالي إلى طاولة مفاوضات، أم يختبر حدود المواجهة المباشرة بين روسيا والناتو؟ الإجابة تتوقف على ثلاثة متغيرات: الأول، مدى جدية بريطانيا في تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى؛ الثاني، طبيعة الرد الأميركي على أي عمل عسكري روسي محدود ضد هدف أوروبي؛ الثالث، قدرة الناتو على الرد بصوت واحد دون أن تتشظى إرادته السياسية.
ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
| السيناريو | الشرط المطلوب | النتيجة المحتملة |
|---|---|---|
| الأرجح — غموض مقصود | استمرار التهديد الروسي دون ترجمة عسكرية فعلية | مفاوضات من وراء الكواليس مع ضغط على كييف للتنازلات |
| الأخطر — رد محدود | تزويد كييف بصواريخ تطال موسكو | استهداف روسي لموقع عسكري في البلطيق أو بولندا لاختبار رد الناتو |
| البديل — تجميد طويل | فشل المبادرات الدبلوماسية وتراجع الدعم الغربي | تحول الصراع إلى حرب استنزاف منخفضة الكثافة على طول الجبهة |
لا يكمن الخطر في أن تضرب روسيا لندن غداً، بل في أن تتحول لغة التهديد من أداة ردع إلى أداة تسوية. فعندما تصبح وزارة الخارجية — لا الدفاع — مصدر التحذير العسكري، فإن ذلك يعني أن الباب الدبلوماسي لم يُغلق بعد. لكنه أيضاً يعني أن موسكو تُعيد رسم حدود ما تقبله: ليس فقط في أوكرانيا، بل على امتداد ضفاف الناتو من بحر البلطيق إلى البحر الأسود. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل يملك الحلف الأطلسي — بعد أربع سنوات ونصف من إعادة اكتشاف دوره — رداً واحداً موحداً على هذا التحول؟
المصادر:
- سكاي نيوز عربية — روسيا تهدد أوروبا.. هل تشتعل مواجهة مع الناتو؟ (28 أغسطس 2026)
- تصريحات نزار بوش (أستاذ العلوم السياسية) ومصطفى طوسة (باحث سياسي) لبرنامج "رادار" — سكاي نيوز عربية (28 أغسطس 2026)
- حلف شمال الأطلسي (الناتو) — المادة الخامسة من ميثاق واشنطن
- رويترز — تغطية مستمرة للحرب الروسية الأوكرانية والعلاقات الأطلسية
الوسوم
روسيا | الناتو | أوكرانيا | المادة الخامسة | الحرب الهجينة

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار