حين يُشخّص الحليف الجرح: ميرتس وورطة واشنطن في إيران
متى تصبح الحرب بلا خطة خروج أخطر من الحرب ذاتها؟
دخول بلا بوصلة: كيف وصلنا إلى هنا؟
قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين 27 أبريل 2026، إن الولايات المتحدة تفتقر — على ما يبدو — إلى استراتيجية واضحة للخروج من حرب إيران، منتقداً إياها بأنها دخلت هذا النزاع "من دون أي استراتيجية على الإطلاق"، وهو ما يجعل إنهاءه أكثر صعوبة، "لا سيما وأن الإيرانيين يتفاوضون بمهارة كبيرة — أو يمتنعون عن التفاوض بمهارة".
هذا التشخيص لم يصدر عن خصم أو محلل معارض، بل عن مستشار ألمانيا، أحد أقرب حلفاء واشنطن الغربيين. وفي لغة الدبلوماسية، حين يقول الحليف ما يقوله ميرتس، فالمعنى الضمني أعمق مما تحمله الكلمات.[1]
مشهد الحرب الذي أعاد رسم المعادلات
حرب إيران 2026 هي حرب شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران بدأت بضربات جوية واسعة النطاق في صباح يوم السبت 28 فبراير 2026.[2] بلغت الضربات قرابة 900 في أول 12 ساعة فيما سمّته الولايات المتحدة "عملية الغضب الملحمي"، واستهدفت مواقع الصواريخ والدفاعات الجوية والبنية العسكرية والقيادة الإيرانية.[3]
قدّمت إدارة ترامب مبررات متعددة ومتضاربة لشنّ الحرب: منع الانتقام الإيراني بعد هجوم إسرائيلي متوقع، ووقف تهديد إيراني وشيك، وتدمير قدراتها الصاروخية، ومنعها من امتلاك سلاح نووي. هذا التشتّت في المبررات هو أولى علامات غياب الاستراتيجية التي تحدث عنها ميرتس.[4]
وصف المحللون العسكريون إيران بأنها أثبتت صموداً أكبر مما توقعه أحد في مواجهة الضربات الأمريكية الإسرائيلية، وأشاروا إلى عواقب غير متوقعة على المصالح الأمريكية العالمية.[5]
إيران الأقوى: ما الذي أخطأت التقديرات في قراءته؟
قال ميرتس لطلاب مدرسة كارولوس ماجنوس في مارسبرغ: "الإيرانيون أقوى بوضوح مما كان يُعتقد، والأمريكيون لا يملكون بوضوح أي استراتيجية مقنعة حقاً في المفاوضات".
ما الذي أضفى إيران هذا الصمود؟ يكشف تدقيق المشهد عن ثلاثة عوامل:[6]
أولاً — مرونة القيادة رغم الضربات: تحركت الحكومة الإيرانية بسرعة لمنع فراغ السلطة، وكانت سرعة استبدال القيادات التي سقطت في النزاع دليلاً على متانة النظام وتصميم المتشددين في مواجهة الضغوط. وكان علي لاريجاني، المسؤول الكبير الذي كان يشغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، يُعتقد أنه تولّى القيادة الفعلية في الأيام الأولى التالية للحرب.[7]
ثانياً — ورقة مضيق هرمز: أعلنت ألمانيا استعدادها لإيفاد سفن كاسحات ألغام لمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقت إيران الملاحة فيه أمام الشحن الدولي. وهذا الإغلاق يمثّل أحدّ أوراق الضغط الاستراتيجية التي تملكها طهران، نظراً لأن هرمز مصرّ حيوي لحركة النفط العالمي.[8]
ثالثاً — القدرة التفاوضية أو رفضها: لا يرى ميرتس أي مخرج استراتيجي واضح تختاره أمريكا، "لا سيما وأن الإيرانيين يتفاوضون بمهارة واضحة — أو بدقة أكبر: يرفضون التفاوض بمهارة، ويجعلون الأمريكيين يُسافرون إلى إسلام آباد ليعودوا خالي الوفاض".[9]
الفخ الأفغاني يتكرر: هل التاريخ يُعيد نفسه؟
أضاف ميرتس: "المشكلة في مثل هذه النزاعات هي أنه لا يكفي الدخول فيها فحسب، بل يجب أيضاً الخروج منها — لقد رأينا ذلك بشكل مؤلم للغاية في أفغانستان على مدار 20 عاماً".[10]
المقارنة ليست عاطفية بل تشخيصية: أفغانستان والعراق أثبتتا أن القوة العسكرية الهائلة لا تكفي حين تغيب استراتيجية الخروج. وأشار محللون إلى أن التراجع المتعمّد في القدرات الاستخباراتية الأمريكية في الفترة السابقة للنزاع أوجد قيوداً هيكلية على الفاعلية التشغيلية.[11]
في السياق ذاته، أعلن الرئيس ترامب يوم السبت الماضي إلغاء رحلة المبعوثين الخاصين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى إسلام آباد للتفاوض على وقف إطلاق النار مع المسؤولين الإيرانيين، بعد أن انتهت المحادثات السابقة دون التوصل إلى اتفاق. وهذا التراجع المفاجئ يُجسّد بدقة مأزق الاستراتيجية المتذبذبة التي يصفها ميرتس.[12]
ألمانيا بين المطرقة والسندان: الثمن الاقتصادي للحرب
حذّر ميرتس من التداعيات الاقتصادية المباشرة للحرب على ألمانيا، مؤكداً أن النزاع "يكلّفنا الكثير من الأموال وله تأثيرات مباشرة على أدائنا الاقتصادي".[13]
هذا البُعد الاقتصادي ليس هامشياً؛ فإغلاق مضيق هرمز يُعطّل تدفق النفط الذي يُغذّي اقتصادات أوروبا. أفادت تقارير بأن إغلاق مضيق هرمز والحرب في إيران قد يضرّان بالمصالح الصينية في الدول التي تعتمد على نفط الخليج. والتأثير الأوروبي لا يختلف كثيراً عن نظيره الصيني في هذا الملف.[14]
أكد ميرتس تمسّك بلاده بعرضها للمساهمة في تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز عبر نشر كاسحات ألغام، مشيراً إلى أن هذا الدور يبقى مشروطاً بوقف القتال مسبقاً. هذا الموقف يعكس حسابات ألمانيا الدقيقة: الانخراط دون الانجرار.
من يكسب ومن يخسر؟ خريطة التأثيرات
المتضررون الفوريون: اقتصادات أوروبا المرتبطة بطاقة الخليج، وسلاسل التوريد العالمية المرهونة بهرمز، فضلاً عن المدنيين الإيرانيين في قلب الصراع.[15]
المستفيدون الهيكليون: أفاد الخبراء بأن التدخل الأمريكي في إيران صبّ في خطاب الصين الذي يُقدّم نفسها "ركيزةً للاستقرار في مواجهة أمريكا غير المتوقعة". أما روسيا،[16] فقد أعلن وزير الخارجية الإيراني عراقجي أن العلاقات بين روسيا وإيران تمثّل شراكة استراتيجية ستُعزَّز في الأيام المقبلة.[17]
الأثر النووي الأعمق: رأى محللون أن الضربات عزّزت حسابات الردع النووي لدى كوريا الشمالية، إذ تُفسّر بيونغ يانغ العملية العسكرية ضد إيران غير النووية تحقّقاً استراتيجياً لضرورة امتلاك أسلحة نووية لضمان بقاء النظام.[18]
السيناريوهات المستقبلية: ثلاثة مسارات محتملة
السيناريو الأرجح — تجميد دبلوماسي مع استمرار الاشتباكات: تستمر إيران في رفضها التفاوض بشروط أمريكية صارمة، في ظل تصريح وزير الخارجية الإيراني عراقجي بأنهم يتفاوضون من أجل اتفاق أفضل من اتفاق أوباما النووي، مؤكداً أن الصواريخ ليست موضوعاً للتفاوض. هذا الموقف الصلب يُرجّح إطالة أمد الأزمة.[19]
السيناريو الأخطر — التدحرج نحو مواجهة موسّعة: ردّت إيران بإطلاق مئات من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية على إسرائيل وعلى القواعد العسكرية الأمريكية في دول عربية مجاورة تشمل البحرين والأردن والكويت وقطر والسعودية والإمارات. أي تصعيد إضافي في هذا المسار يهدد بجرّ المنطقة بأسرها.[20]
السيناريو البديل — صفقة جزئية بوساطة خليجية أو أوروبية: أوضح لاريجاني أنه عند التوصل إلى اتفاق أولي يمكن توسيعه لاحقاً، وصرّح الرئيس الإيراني بأن المحادثات للتوصل إلى اتفاق ستُحسم سريعاً خلال الشهر المقبل. هذا المسار ممكن لكنه يستلزم تنازلات لم تُظهر واشنطن استعداداً علنياً لها بعد.
ماذا يعني هذا لك وللاقتصاد العالمي؟
تداعيات هذا النزاع ليست حكراً على صانعي القرار؛ فارتفاع أسعار النفط الناجم عن إغلاق هرمز يُترجَم مباشرةً إلى فواتير طاقة أعلى وتضخم أعمق في كل اقتصاد يعتمد على واردات النفط. كما أن عدم اليقين الجيوسياسي يُحجّم الاستثمارات ويرفع أقساط التأمين في الشحن الدولي، مما يُقلّص الكفاءة في سلاسل التوريد العالمية. المستثمر الذي يُراقب السوق اليوم ويُهمل هذا الملف يُقامر على فرضية الاستقرار في أكثر المناطق اشتعالاً.
ما وراء التصريح: هل كلام ميرتس نقد أم رسالة؟
تصريح المستشار الألماني يحمل أكثر من قراءة سياسية: هو رسالة مزدوجة موجّهة في آنٍ واحد إلى واشنطن وإلى الرأي العام الألماني. فمن جهة، يُقدّم ميرتس نفسه حليفاً أوروبياً صريحاً يملك تقييماً مستقلاً، لا تابعاً لإملاءات البيت الأبيض. ومن جهة أخرى، يُهيّئ الرأي العام لدور ألماني أكبر في إدارة مرحلة "اليوم التالي" — لو حدث وقف إطلاق نار — عبر البوابة البحرية لهرمز.
السؤال الذي يبقى معلّقاً ليس هل ستنتهي الحرب، بل كيف ستنتهي — ومن سيدفع فاتورة غياب الاستراتيجية في بداياتها. تاريخ أفغانستان والعراق يُخبرنا أن هذه الفاتورة لا تُقدَّم عادةً في الوقت المناسب.
المصادر
-
وكالة DW عربية — ميرتس: إيران تُذل أمريكا والأخيرة بلا استراتيجية خروج من الحرب
-
وكالة سبوتنيك عربي — ميرتس: إيران أقوى مما كان يعتقد وأمريكا تفتقر لخطة خروج من النزاع
-
ويكيبيديا — تحليل حرب إيران 2026
الوسوم
ميرتس | حرب إيران 2026 | استراتيجية الخروج | مضيق هرمز | المفاوضات النووية

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار