حين تُموِّل وول ستريت نهاية العالم: 709 مليارات دولار في خزائن صانعي القنبلة النووية

-- دقائق

كيف تحوّل سباق التسلح النووي إلى فرصة استثمارية تتسابق عليها أكبر صناديق المال في العالم؟

حين تُموِّل وول ستريت نهاية العالم: 709 مليارات دولار في خزائن صانعي القنبلة النووية

صناديق الاستثمار العملاقة تضخ مئات المليارات في شركات تصنيع الأسلحة النووية — حيث يتقاطع منطق الربح مع حسابات الحرب والسلام

الأرقام التي لا تكذب: ربع تريليون دولار زيادةً في عامين

تجاوزت قيمة الأسهم والسندات التي يمتلكها المستثمرون في 25 شركة منتجة للأسلحة النووية حاجز 709 مليارات دولار، بارتفاع يتخطى 195 مليار دولار مقارنة بالفترة السابقة، فيما قُدِّم ما يقارب 300 مليار دولار إضافية في صورة قروض وضمانات لنفس المصنّعين، بزيادة 30 مليار دولار عن التقرير الأخير. Al-Ahbar

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات مالية باردة. إنها تكشف عن تحوّل جذري في طريقة تعامل المؤسسات المالية الكبرى مع صناعة الموت النووي — من تجنّبها أخلاقياً إلى احتضانها استراتيجياً. فهل نحن أمام بداية حقبة جديدة من سباق التسلح تموّلها هذه المرة صناديق التقاعد والبنوك العملاقة بدلاً من الحكومات وحدها؟

من الخوف الأخلاقي إلى الشهية الاستثمارية: لماذا الآن تحديداً؟

لفهم هذا التحوّل، لا بد من استيعاب السياق الذي أنتجه. انتهت صلاحية معاهدة "نيو ستارت" بين روسيا والولايات المتحدة في فبراير الماضي، وكانت آخر اتفاقية نووية ثنائية بين القوتين الكبريين تهدف إلى الحد من الترسانات النووية، مما أسهم في ارتفاع حاد في القيمة السوقية لعدد من شركات الأسلحة الكبرى. Al-Ahbar

لكن الأمر لا يتوقف عند انهيار البنية التنظيمية. تضغط الحكومات الأوروبية على المستثمرين لرفع القيود الأخلاقية التي تقيّد استثماراتهم في شركات الأسلحة، بل إن بعضها كبريطانيا وصل إلى حد اعتبار هذه الاستثمارات واجبًا أخلاقيًا في مواجهة التهديد الروسي. Arab 48

هذه المعادلة تعكس تناقضاً صارخاً: الدول ذاتها التي وقّعت على معاهدات عدم الانتشار النووي تحثّ اليوم المستثمرين على تمويل توسيع هذه الترسانات.

خريطة المال النووي: من يربح؟

تطور الاستثمارات في شركات الأسلحة النووية
(مليار دولار)
الفترة الزمنية — تقرير ICAN وباكس، أبريل 2026
800 700 600 500 400 300 200 100 0
709
300
514
270
تقرير 2026 التقرير
السابق
أسهم وسندات
قروض وضمانات
المصدر: تقرير "لا تراهنوا على القنبلة" — ICAN وباكس، أبريل 2026

الرسم البياني أعلاه يُظهر القفزة الكبيرة في حجم الاستثمارات النووية خلال الفترة الأخيرة.

تتصدّر المشهد ثلاث شركات تُعدّ أكبر المنتجين للأسلحة النووية دون احتساب التكتلات والمشاريع المشتركة: "هانيويل إنترناشونال"، و"جنرال دايناميكس"، و"نورثروب غرومان"، إلى جانب "بي إيه إي سيستمز" و"بيكتل" و"لوكهيد مارتن". Arab 48

أما على جانب التمويل، فالصورة لا تقلّ إثارةً للدهشة. يتصدر قائمة أكبر ثلاثة مستثمرين في هذه الشركات الصناديق الأمريكية "فانغارد" و"بلاك روك" و"كابيتال غروب". CNN Business Arabic

والأهم أن هذه الصناديق الثلاثة ليست مجرد مستثمرين ماليين — إنها تدير مدخرات الملايين من المتقاعدين والعائلات العادية حول العالم. بمعنى آخر، ملايين المواطنين يموّلون صناعة الأسلحة النووية دون أن يعلموا بذلك.

وعلى صعيد الإقراض، يتصدّر قائمة المقرضين الرئيسيين ثلاثة بنوك أمريكية كبرى هي "بنك أوف أمريكا" و"جاي بي مورغان تشيس" و"سيتي غروب". Arab 48

انعكاسات التوترات الجيوسياسية على دفاتر الحسابات

أكبر المستثمرين في شركات الأسلحة النووية الـ25
(تقديرية نسبية)
% من إجمالي الاستثمار — تقرير ICAN وباكس، أبريل 2026
50 45 40 35 30 25 20 15 10 5 0
45%
16%
20%
22%
بقية
المستثمرين
كابيتال
غروب
بلاك
روك
فانغارد
حصة الاستثمار (%)
المصدر: تقرير "لا تراهنوا على القنبلة" — ICAN وباكس، أبريل 2026

الرسم البياني الثاني يُظهر توزيع الحصص الاستثمارية بين أكبر اللاعبين الماليين.

أفضت الصراعات في الشرق الأوسط والحرب المطوّلة بين روسيا وأوكرانيا إلى تصاعد ملحوظ في الطلب على الأسلحة وارتفاع مبيعات شركات التعاقد الدفاعي، في مقدمتها لوكهيد مارتن التي توقّعت أن تبلغ إيراداتها عام 2026 نحو 80 مليار دولار، متجاوزةً تقديرات المحللين. Aajeg

هذا الارتباط الوثيق بين التوترات الجيوسياسية وعوائد صناعة السلاح يطرح تساؤلاً استراتيجياً حرجاً: هل باتت المؤسسات المالية الكبرى ذات مصلحة اقتصادية مباشرة في استمرار التوترات الدولية وتصاعدها؟

يشير التقرير إلى أن عدد المستثمرين في هذا القطاع ارتفع بنسبة 15% مقارنة بالعام السابق، بعد سنوات من التراجع، وهو ما وصفته مديرة برنامج "الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية" سوزي سنايدر بأنه ظاهرة جديدة لم تُشهد منذ سنوات طويلة. Arab 48

التوقيت ليس مصادفة: مؤتمر نووي في الظل

صدر التقرير قبيل أيام قليلة من انطلاق مؤتمر الدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في نيويورك، وأكدت منظمات غير حكومية تحذيراتها من تدفق استثمارات غير مسبوقة إلى صناعة الأسلحة النووية. Arab 48

هذا التزامن يحمل دلالة سياسية واضحة: فبينما يتفاوض الدبلوماسيون على أوراق التحكم في التسلح النووي، يضخّ المستثمرون المليارات في توسيع قدرات الدول التسع الحائزة لهذه الأسلحة. يعرب كثير من الخبراء عن قلقهم إزاء احتمال اندلاع سباق تسلح نووي جديد، في ظل انخراط دول نووية في صراعات متعددة عبر أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، مع تراجع الزخم الدولي نحو نزع السلاح. Al-Ahbar

من يدفع الثمن؟ ومن يجني الأرباح؟

المستفيدون واضحون: شركات الأسلحة وحاملو أسهمها والبنوك المُقرضة لها. أما المتضرر فهو أكثر تعقيداً.

المواطن العادي يخسر على مستويين: الأول مباشر، حين تُحوَّل الموارد العامة نحو الإنفاق العسكري النووي بدلاً من الصحة والتعليم والبنية التحتية. والثاني وجودي، إذ تتراجع الضمانات الدولية التي كانت تحكم هذه الأسلحة وتقيّد استخدامها.

حذّرت سوزي سنايدر من أن الاستثمار في سباق التسلح النووي "استراتيجية قصيرة الأجل محفوفة بالمخاطر تسهم في تصعيد خطير"، مؤكدةً أنه "من المستحيل الربح من سباق التسلح دون تأجيجه". Al-Ahbar

ثلاثة سيناريوهات لمشهد يتشكّل أمامنا

السيناريو الأرجح: استمرار تدفق الاستثمارات النووية في ظل غياب إطار دولي جديد للتحكم في التسلح. ومع استحالة إعادة إحياء معاهدة "نيو ستارت" في المدى المنظور، لا شيء يمنع هذه الاستثمارات من التصاعد مزيداً خلال السنوات القليلة المقبلة.

السيناريو الأخطر: أن يُفضي الربط المالي المتعمّق بين صناديق الاستثمار الكبرى وصناعة الأسلحة النووية إلى خلق ضغوط لوبية منظّمة داخل العواصم الغربية لصالح تخفيف القيود التنظيمية على التسلح — وهو ما تشير إليه بعض التحركات الأوروبية بالفعل.

السيناريو البديل (الأقل احتمالاً لكن الأهم): أن يؤدي تراكم الضغط المدني والنقاش الأخلاقي — الذي يتجسّد جزئياً في إصدار تقرير كـ"لا تراهنوا على القنبلة" — إلى دفع بعض الصناديق الكبرى نحو مراجعة سياساتها الاستثمارية، على غرار ما حدث في بعض المحافظ المتعلقة بالوقود الأحفوري.

ماذا يعني هذا للقارئ والمدخّر العادي؟

إذا كنت تدّخر في صندوق تقاعد أو تستثمر في محافظ مرتبطة بصناديق عالمية كفانغارد أو بلاك روك، فأنت على الأرجح تموّل جزءاً من هذه الصناعة دون أن تختار ذلك. هذا ليس اتهاماً، بل واقع هيكلي يستدعي وعياً أكبر بمعايير الاستثمار المسؤول (ESG) وما تشمله فعلاً — أو لا تشمله — من قطاعات حساسة.

على المستوى السياسي الأشمل، باتت الفجوة بين خطاب نزع السلاح النووي في المحافل الدولية وبين تدفق المليارات نحو توسيع هذه الترسانات أكثر اتساعاً من أي وقت مضى.

عندما تُصبح القنبلة أداةً مالية

الرسالة التي يحملها تقرير "لا تراهنوا على القنبلة" لا تتعلق بالأخلاق وحدها — بل بطبيعة النظام الدولي الناشئ. حين تتشابك مصالح أضخم الصناديق المالية في العالم مع مسار التسلح النووي، يصبح نزع السلاح معادلة اقتصادية قبل أن يكون رهاناً سياسياً. والأسئلة الجوهرية التي تتخلف عن هذا التقرير لا تتعلق بمقدار الاستثمار النووي بقدر ما تتعلق بالبنية التي تجعل مثل هذه الاستثمارات ممكنة ومربحة — وربما ضرورية في نظر من يديرونها.

المصادر

  1. تقرير "لا تراهنوا على القنبلة" — تغطية الجزيرة نت
  2. تحليل الشرق الأوسط — الاستثمارات العسكرية وسط التوترات الدولية
  3. توقعات لوكهيد مارتن لعام 2026 — صعود شركات التسلح

الوسوم

الاستثمار النووي | سباق التسلح | شركات الأسلحة | وول ستريت | نزع السلاح

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران