هدنة بلا أفق: لماذا يمدد ترامب وقف النار ولا أحد في طهران يرد؟
الصمت الإيراني ليس ضعفاً — بل هو انعكاس لأزمة قيادة تُعقّد أي اتفاق نووي
حين تنتظر واشنطن رداً لا يأتي
أرسلت الولايات المتحدة إلى إيران قائمة ببنود اتفاق عامة تطلب الموافقة عليها قبل الجولة التالية من المفاوضات. مرّت أيام كاملة دون أي رد. CNN
هذا الصمت لم يكن خطأً بروتوكولياً. وهو ليس رسالة رفض صريحة. هو بالضبط ما وصفه مسؤولون أمريكيون بـ"انقسام داخلي حاد" في قلب القيادة الإيرانية — انقسام يُحوّل كل خطوة نحو الاتفاق إلى مغامرة سياسية داخلية قبل أن تكون مفاوضة دولية. فهل يملك ترامب ما يكفي من الوقت والضغط لانتزاع جواب؟
أزمة القيادة في طهران: من يمتلك صلاحية "نعم"؟
يعتقد كبار مساعدي ترامب أن السبب الرئيسي لعدم تلقي أي رد يكمن في وجود انقسامات داخل القيادة الإيرانية، مستندين جزئياً إلى تقارير الوسطاء الباكستانيين. CNN
النقطة الأكثر حساسية ليست التخصيب ولا العقوبات — بل هي سؤال بنيوي: من يمتلك صلاحية قول "نعم" في طهران؟
ترى الولايات المتحدة أن أحد عوامل التعقيد يكمن في ما إذا كان المرشد الجديد مجتبى خامنئي يُصدر توجيهات واضحة لمرؤوسيه، أم أنهم يضطرون إلى التخمين بشأن ما يريده دون تعليمات محددة. CNN
هذا يعني أن المفاوض الإيراني يجلس على طاولة المفاوضات دون تفويض كافٍ. وهو لا يستطيع الموافقة خشية تجاوز السلطة، ولا يستطيع الرفض خشية تحمّل مسؤولية إفشال أي اتفاق.
طهران ترد: "الخاسر لا يملي الشروط"
قلّل مستشار رئيس البرلمان الإيراني مهدي محمدي من أهمية تمديد وقف إطلاق النار، مؤكداً أن الطرف الخاسر لا يمكنه إملاء الشروط، ووصف استمرار الحصار الأمريكي لمضيق هرمز بأنه لا يختلف عن القصف ويجب الرد عليه عسكرياً. CNN
هذا الموقف يكشف عن طبقتين متناقضتين في الخطاب الإيراني الرسمي: طبقة المفاوض (قاليباف) الذي يجلس على الطاولة، وطبقة المشكّك (محمدي ومن ورائه) الذي يُقوّض أي إشارة للمرونة من الداخل.
اتّهم محمدي ترامب بأن التمديد ليس سوى حيلة لكسب الوقت لشن ضربة مفاجئة، مضيفاً أن الوقت قد حان لكي تأخذ إيران زمام المبادرة. CNN
هذا ليس موقفاً تفاوضياً — بل هو ضغط داخلي على القيادة لعدم الرضوخ. والفارق جوهري.
مضيق هرمز: النقطة التي لا يتنازل عنها أحد
أصرّت إيران علنياً على أن يرفع ترامب الحصار عن السفن المارة بمضيق هرمز قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض من جديد. CNN
في المقابل، رفض ترامب هذا المطلب صراحةً، مؤكداً أنه لن يُفتح المضيق حتى التوصل إلى اتفاق نهائي. CNN
هذا التعارض ليس خلافاً تقنياً على ترتيب الخطوات — بل هو صراع حول من يتحمل كُلفة المبادرة الأولى. طهران تقرأ فتح هرمز قبل الاتفاق باعتباره اعترافاً ضمنياً بالهزيمة. وواشنطن تقرأ فتحه دون اتفاق باعتباره تفريطاً في أوراق الضغط.
والنتيجة: جمود تام في النقطة الأكثر اقتصادية في هذا الملف.
التمديد بلا موعد نهائي: ورقة ضغط أم إقرار بالعجز؟
اختار ترامب تمديد وقف إطلاق النار دون تحديد موعد انتهاء جديد، في خطوة وصفها بأنها تمنح إيران مزيداً من الوقت للتوصل إلى موقف موحد. CNN
غير أن مستشاريه الأقرب يرون الأمر بعين مختلفة: حذّر مستشارو ترامب في أحاديثهم الخاصة من أن تخفيف الضغوط قد يتيح لإيران المماطلة في المفاوضات. CNN
وهنا يبرز تناقض في الحسابات الأمريكية: ترامب يريد اتفاقاً يثبت أنه "أفضل من أوباما"، لكنه في الوقت ذاته يتهاون في أدوات الضغط التي تُجبر الطرف الآخر على التحرك.
من الناحية النظرية، قد يتيح هذا التمديد لإيران مزيداً من الوقت للتوصل إلى موقف موحد بموافقة خامنئي — إلا أن المسؤولين أكدوا أن ذلك ليس مضموناً. CNN
من يدفع ثمن إغلاق هرمز؟
من المتوقع أن تتكبد كلتا الدولتين خسائر اقتصادية طالما بقي المضيق مغلقاً فعلياً، مما يدفع بعض المسؤولين في المنطقة إلى التفاؤل بأن لدى الطرفين دافعاً قوياً للتوصل إلى حل عاجل. CNN
لكن المستفيد الفوري الأوضح من الغموض الراهن هو أسواق الطاقة العالمية المضطربة، وكذلك الدول المنتجة للنفط خارج منطقة الخليج. فكلما طال الإغلاق، ارتفعت أسعار الخام، وتوسعت هوامش الربح لمنتجين بديلين.
أما المتضررون الأكثر صمتاً فهم الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد بشكل رئيسي على نفط الخليج عبر هرمز — وفي مقدمتها الصين والهند.
ثلاثة سيناريوهات لما بعد اليوم
الأرجح: استمرار حالة "لا حرب لا سلم" أسابيع إضافية، مع مفاوضات متقطعة تُديرها إسلام آباد وسيطاً. طهران تستخدم الوقت لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية دون موقف موحد مُعلن.
الأخطر: انهيار الهدنة نتيجة حادثة بحرية في هرمز أو ضربة مفاجئة، خصوصاً أن مسؤولين أمريكيين أشاروا إلى أن إيران تقوم باستخراج بعض منظومات الصواريخ التي كانت دفنتها تحت الأرض خلال فترة الحرب CNN — وهو ما يُقرأ كاستعداد أو كورقة ضغط.
البديل غير المتوقع: تدخل باكستاني مباشر ينتزع من إيران تفويضاً للجلوس، مقابل ضمانات اقتصادية تُخفف وطأة الحصار تدريجياً. احتمال ضعيف، لكنه الوحيد الذي يُكسر به الجمود الراهن دون خسارة وجه لأي طرف.
ماذا يعني ذلك لمنطقتنا؟
كل يوم إضافي تظل فيه هرمز تحت الحصار يعني ارتفاع أسعار الوقود والشحن في الأسواق الإقليمية. دول الخليج تعيش ضغطاً مزدوجاً: هي مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط، لكنها قلقة من عدم الاستقرار الأمني على أبوابها. والاقتصادات الأكثر ضعفاً في المنطقة — كالأردن ومصر — تتحمل فاتورة الاضطراب دون أن تكون جزءاً من أي معادلة تفاوضية.
حين لا تكفي الهدنة لصنع السلام
المشهد الراهن يُجسّد معضلة كلاسيكية في الدبلوماسية: وقف إطلاق النار يوقف النزيف لكنه لا يُعالج الجرح. لا يزال عدد من النقاط الجوهرية عالقة ودون حل: قدرة إيران المستقبلية على تخصيب اليورانيوم، ومصير مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، ونوعية العقوبات التي سيتم رفعها. CNN
ترامب يريد اتفاقاً تاريخياً يتجاوز "خطة أوباما". وإيران تريد الاعتراف بأنها لم تُهزم. وبين هاتين الحاجتين النفسيتين المتعارضتين — لا هندسةً للهدنة، ولا طريقاً واضحاً نحو السلام.
السؤال الحقيقي ليس متى تنتهي الهدنة — بل من في طهران يملك الجرأة على قول "نعم"، ومن في واشنطن يملك الصبر لانتظار ذلك اليوم.
المصادر
الوسوم
هدنة أمريكية إيرانية | مفاوضات نووية إيران | مضيق هرمز الحصار | ترامب وقف إطلاق النار | الأزمة الإيرانية الأمريكية 2026

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار