عندما يصبح عقل القائد الأعلى ملفاً عسكرياً: ما وراء انفجار هيجسيث في الكونجرس
جلسة استماع كانت مخصصة لميزانية البنتاجون تحوّلت إلى استفتاء على اللياقة الذهنية لترامب — في يومٍ لا يحتمل فيه البيت الأبيض ترفَ التشكيك
في اليوم الستين لحرب إيران، لم يكن السؤال الذي وجّهته النائبة الديمقراطية سارة جايكوبس لوزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث سؤالاً عابراً، بل كان اختباراً سياسياً مصمَّماً بدقة: هل الرئيس دونالد ترامب "مستقرٌّ ذهنياً بما يكفي ليكون القائد الأعلى للقوات المسلحة؟" جايكوبس، التي تمثّل دائرة سان دييجو حيث تتمركز قاعدة الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ، قالت إن سؤالها نابع من قلق ناخبيها على حياة أبنائهم في الجبهة[1]. الردّ الذي خرج به هيجسيث — والذي أصبح فيروسياً خلال ساعات — لم يُجب على السؤال، بل كشف عمقاً أخطر: لماذا تتحول اللياقة الذهنية للرئيس إلى ملفٍّ مفتوح داخل المعسكر الجمهوري نفسه، في لحظةٍ تخوض فيها واشنطن حرباً غير شعبية؟
مشهدٌ صُمِّم ليكون فخاً لا حواراً
الجلسة لم تكن مجرّد مساءلة روتينية. عُقدت أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب لمناقشة مقترح ميزانية الدفاع لعام 2027، الذي يرفع الإنفاق العسكري إلى مستوى تاريخي قدره 1.5 تريليون دولار[2]. لكنّ جايكوبس جاءت مسلَّحة بمنشورات ترامب على "تروث سوشال" مطبوعةً ومجهَّزة للعرض، من بينها صورة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها الرئيس بهيئة المسيح[3]، لتحوِّل النقاش من الأرقام إلى السلوك.
ردّ هيجسيث جاء انفعالياً لا تقنياً. "هل سألتِ السؤال نفسه عن جو بايدن طوال أربع سنوات؟" ردّ الوزير، قبل أن يضيف: "لن أنخرط في هذا المستوى من التحقير الذي تمارسينه ضد القائد الأعلى"[4]. ثم ذهب أبعد، واصفاً ترامب بأنه "الأذكى والأكثر بصيرة بين كل القادة الأعلين منذ أجيال"[5].
لماذا أربك السؤال البنتاجون أكثر من البيت الأبيض؟
الإجابة تتجاوز الجلسة. هيجسيث كان أمام معضلة بنيوية: لا يستطيع أن يقول "نعم" بثقةٍ كاملة دون أن يتورّط شخصياً في تبعات أي قرار رئاسي مستقبلي مثير للجدل، ولا يستطيع أن يُبدي تردُّداً دون أن يُفسَّر ذلك بوصفه خيانة داخل الدائرة الضيقة لترامب.
الأخطر أن جايكوبس قدّمت لائحةً من الأسماء داخل المعسكر المحافظ نفسه. أشارت إلى أن مارجوري تايلور جرين قالت إن ترامب "خرج عن السيطرة وفقد عقله"، وأن كانديس أوينز طالبت بتفعيل التعديل الخامس والعشرين، إضافةً إلى ميغان كيلي وتاكر كارلسون — الذي عمل معه هيجسيث سابقاً — وأليكس جونز وستيفاني جريشام[6]. هذه ليست قائمة معارضين ديمقراطيين، بل خريطة لتصدُّعٍ داخل قاعدة "ماغا" ذاتها.
الحرب التي تكشف معدن الإدارة
السياق الزمني هنا ليس تفصيلاً. شهادة هيجسيث كانت الأولى منذ بدء الحرب في 28 فبراير، وقد أسفر النزاع عن مقتل 13 جندياً أمريكياً وأعداد كبيرة من الإيرانيين، وأطلق أزمة طاقة عالمية ورفع أسعار الوقود على المستهلكين[7]. وحتى لحظة الجلسة، كان حصار مضيق هرمز لا يزال يخنق أحد أهم ممرّات النفط في العالم[8].
في هذا السياق، يصبح كل منشور غير منضبط للرئيس مسألة أمن قومي لا مجرد جدل سياسي. جايكوبس استشهدت تحديداً بمنشورات ترامب على تروث سوشال خلال عيد الفصح، قائلةً إنها تتلقى رسائل من عائلات عسكرية قلقة بشأن لياقة الرئيس الذهنية وأهليته للقيادة في وقت يُرسِل فيه أبناءها إلى الخطر[9].
هيجسيث وميراث "المُشجِّع الأول"
ثمّة طبقة أعمق تفسّر حدّة دفاع الوزير. تحقيق سابق لـCNN في 31 مارس كشف أن هيجسيث لم يكن مجرد منفِّذ، بل كان أبرز المتحمسين للحرب من اللحظة الأولى. وفقاً لثلاثة مصادر، صادق وزير الدفاع على فكرة الرئيس بالمضي قُدُماً في الضربات وقلّل من المخاطر الكامنة لانفلات النزاع، ولم يُؤكِّد أحدٌ في تلك القاعة الحاسمة على المخاطر المحتملة لبدء الحرب[10].
هذا يضع هيجسيث في موقعٍ لا يسمح بالحياد: أيُّ تشكيكٍ في الحالة الذهنية لترامب يعني — ضمنياً — تشكيكاً في القرار الذي شجّع عليه هو شخصياً. ومن هنا تأتي حدّة الردّ، لا من الثقة بل من الضرورة.
معركة "التعديل الخامس والعشرين" تتحرّك من الهامش إلى المتن
ما حدث في اللجنة لم يبقَ داخلها. جايكوبس نشرت مقطعاً من المواجهة على منصة إكس، وكتبت: "سألتُ الوزير هيغسيث سؤالاً مباشراً نعم أو لا: هل ترامب مستقرٌّ ذهنياً بما يكفي ليكون القائد الأعلى؟ لم يقل نعم. وهذا في حدّ ذاته يقول الكثير"[11]. هذه الصياغة هندسية: تحوّل صمت الوزير إلى دليلٍ بنفسها، بصرف النظر عن نيّاته.
في موازاة ذلك، يشير المراقبون إلى نمط متكرر منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، حيث يطرح الديمقراطيون باستمرار تساؤلات حول استقرار الرئيس وخطابه[12]، لكن الجديد هذه المرة هو انضمام أصواتٍ من داخل البيت الجمهوري ذاته.
السيناريوهات الثلاثة لما بعد الجلسة
السيناريو الأرجح: يستمرّ البيت الأبيض في استراتيجية "الإنكار العدواني"، ويعتمد على التماسك الإعلامي لقاعدة ترامب. الجلسة ستتحوّل إلى حلقة في سلسلة طويلة من المواجهات دون نتائج إجرائية، خاصةً مع سيطرة الجمهوريين على آليات تفعيل التعديل الخامس والعشرين.
السيناريو الأخطر: أن تتزامن منشورات رئاسية جديدة "غير منضبطة" مع تطوّر ميداني خطير في الخليج — كاستهداف قطعة بحرية أمريكية كبرى أو تصعيد في مضيق هرمز — فيتحوّل النقاش حول اللياقة الذهنية من جدلٍ سياسي إلى مطلبٍ مؤسّسي قد يجد صدى لدى ضباط كبار في البنتاغون.
السيناريو البديل: أن يقود تآكل قاعدة "ماجا" — كما يبدو من تصريحات جرين وأوينز وكارلسون — إلى انشقاقٍ عَلني داخل الحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي 2026، ما يُجبر هيغسيث نفسه على إعادة تموضع.
ماذا يعني هذا للمواطن العادي ولأسواق الطاقة؟
عملياً، ربط القائد الأعلى بسؤال اللياقة الذهنية في زمن الحرب يعني أن أي قرار تصعيدي مفاجئ — تغريدة، أمر تنفيذي، توجيه عسكري — سيُقرأ في الأسواق العالمية بوصفه مخاطرة مضاعفة. هذا يُترجَم مباشرةً إلى علاوة مخاطر على أسعار النفط ورفعٍ في تكاليف التأمين البحري في الخليج، ويُبقي عائلات الجنود في حالة ترقّبٍ دائم.
أما على المستوى السياسي العربي، فإن أي ضعفٍ مُتصوَّر في صنع القرار الأمريكي يُغري قوى إقليمية بإعادة حساباتها، سواء في طهران أو في عواصم الخليج التي تراهن على ثبات الموقف الأمريكي.
السؤال الذي لم يُجَب… وقد لا يُجاب
الأهمّ في مشهد 29 أبريل ليس ما قاله هيجسيث، بل ما رفض قوله. حين يصبح وصف الرئيس بـ"الأذكى منذ أجيال" بديلاً عن إجابةٍ بـ"نعم"، فإن البلاغة تتحوّل إلى دليلٍ ضد نفسها. السؤال الحقيقي الآن ليس عن اللياقة الذهنية لترامب وحده، بل عن لياقة منظومةٍ بأكملها تَعجز عن الإجابة بنعمٍ بسيطة على سؤالٍ بسيط — في وقتٍ تخوض فيه حرباً معقّدة.
◆ المصادر
- CNN عربي — التقرير الأصلي — ثانوي — درجة الثقة: عالية
- CNN — تحقيق هيغسيث ودوره في حرب إيران — أولي (تحقيق بمصادر داخلية) — درجة الثقة: عالية
- The Daily Beast — تغطية الجلسة — ثانوي — درجة الثقة: متوسطة
الوسوم
لياقة ترامب الذهنية | بيت هيجسيث الكونجرس | حرب إيران 2026 | التعديل الخامس والعشرون | جلسة استماع البنتاجون

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار