حين يكشف الفراغ الأمريكي ما أخفاه اليقين: الرباعي الإقليمي بين وهم التحالف وضرورة التكتل

-- دقائق

هل يملك الرباعي السعودي-المصري-التركي-الباكستاني ما يكفي لملء الفراغ الذي تتركه القوى الكبرى؟

حين يكشف الفراغ الأمريكي ما أخفاه اليقين: الرباعي الإقليمي بين وهم التحالف وضرورة التكتل

عندما كشفت الحرب أن الضمانات الخارجية وهمٌ مكلف

على مدى ستة أسابيع من المواجهة المتقطعة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في مطلع 2026، لم يكن المشهد الأكثر دلالة ما جرى على أرض المعارك، بل ما كُشف على طاولة الحسابات الاستراتيجية. الرياض أجازت استخدام قواعدها للقوات الأمريكية، لكنها تجنبت أي انخراط مباشر في المواجهة، بخلاف الإمارات التي لم تُبدِ دعمًا علنيًا للعمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية. Asswak-alarab هذا الاختيار السعودي المحسوب يكثّف سؤالًا باتت المنطقة تحتاج إجابة عاجلة: كيف تصون دول الإقليم أمنها حين تتراجع موثوقية الضامن الخارجي؟

الإجابة التي تتشكل على الأرض ليست مؤتمرًا أو إعلانًا، بل هي سلسلة من الاجتماعات المتراكمة والاتفاقيات الثنائية التي تُلمح إلى بنية أمنية مختلفة آخذة في التبلور.

الاجتماع الذي لا تُفصح عنه الأرقام

في 29 مارس 2026، اجتمع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في إسلام آباد لبحث تداعيات الحرب على إيران Alomah ، في اجتماع وصفه مراقبون بأنه أكثر من تنسيق دبلوماسي عابر.

السياق الذي أنتج هذا الاجتماع لا يعود إلى الأزمة الأخيرة وحدها. السعودية وقّعت اتفاقية دفاعية مع باكستان في سبتمبر 2025، مهّدت لتشكل نواة تنسيق أوسع يضم مصر وتركيا، ومهّد هذا التنسيق بدوره الطريق للوساطة الباكستانية في النزاع الراهن. Asswak-alarab

ما يبرز الآن هو مساعٍ لتأسيس تحالف دفاعي يضم السعودية وباكستان وتركيا، بوصفه محاولة لبناء ردع إقليمي مستقل مستند إلى امتداد جغرافي استراتيجي وقدرات مالية وعسكرية ونووية مؤثرة. Future-studies-forum

لكن الفجوة بين الطموح والواقع تستحق التأمل.

أربع قوى بأدوار متباينة.. هل تكتمل اللوحة؟

يرى وزير الإعلام الباكستاني الأسبق مشاهد حسين أن كل طرف في هذا التصور يمتلك عناصر قوة مختلفة: باكستان بقدراتها العسكرية بما فيها السلاح النووي، وتركيا كعضو في الناتو، والسعودية بثقلها الاقتصادي والنفطي، ومصر بدورها المحوري في العالم العربي وإفريقيا، ما قد يشكل "نواة استراتيجية" لإعادة تشكيل معادلات الأمن في الشرق الأوسط وآسيا. Defense Arabic

هذا التوصيف يبدو متناسقًا على الورق. غير أن إسقاطه على الواقع يكشف تعقيدات بنيوية لا يمكن تجاوزها:

تركيا لديها ملفاتها المفتوحة مع الولايات المتحدة داخل الناتو، وهي لن تتخلى عن ورقة عضويتها مقابل تحالف إقليمي لا معاهدات دفاعية ملزمة له بعد. مصر تحمل ثقل اقتصادها المثقل بالديون الذي يجعل هامش مناورتها السياسية أضيق مما تُظهره المواقف الخطابية. رغم مؤشرات التقارب، يواجه هذا المسار تحديات عدة، من بينها التباينات السياسية والأيديولوجية وتضارب المصالح بين الدول، خاصة في ملفات حساسة كالعلاقات مع القوى الدولية. Alomah

أما باكستان، فوساطتها الراهنة في الملف الإيراني تمنحها رصيدًا دبلوماسيًا نادرًا، لكنها دولة تعيش على حافة الهشاشة الاقتصادية الداخلية. مسؤول باكستاني أسبق وصف جولة التفاوض الأخيرة بأنها "مرحلة اختبار متبادل للنوايا" حُقق فيها تقدم في نحو 80% من الملفات، مؤكدًا أن الجلوس وجهًا لوجه بعد أربعة عقود هو في حد ذاته تطور غير مسبوق. Ajnet

ما يريده كل طرف ليس بالضرورة ما يريده الآخر

مصالح الأطراف الأربعة تلتقي في نقطة واحدة: تقليص الاعتماد المطلق على ضمانات غربية باتت مشروطة وغير يقينية. لكنها تتباين في اتجاهات متعددة.

الرهان السعودي لم يعد على الحماية الأمريكية وحدها، بل على قدرة تحالف أوسع على التأثير في سلوك كل من إسرائيل والولايات المتحدة معًا. Asswak-alarab هذا التأطير يكشف أن الرياض تبحث عن رافعة تفاوضية، لا بالضرورة عن حلف عسكري فعلي.

تركيا، من ناحيتها، تسعى إلى تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، وتشكيل محور إقليمي يُعيد موازنة الطموحات التوسعية الإسرائيلية ويحول دون إعادة تشكيل جوارها العربي في لبنان وسوريا بعيدًا عن تأثيرها. Al Jazeera

وفي هذا التقاطع بين الطموحات المتباينة يكمن مكمن الضعف الرئيسي: التحالفات التي تُبنى على خشية مشتركة لا على مشروع مشترك تظل هشّة في مواجهة أول اختبار جدي.

من يكسب ومن يخسر في مشهد التحولات

الرابحون في هذا التحول المحتمل متعددون: دول الإقليم الأربع تستعيد قدرًا من الاستقلالية الاستراتيجية. القاهرة تجد في هذا التكتل موازنةً لمحدودية قدراتها الاقتصادية. إسلام آباد ترسم لنفسها دورًا وساطيًا لم تحظَ به منذ عقود.

لكن الخسارة الأكبر محتملة للاستقرار الإقليمي ذاته، إذا تحول هذا التكتل إلى قطب جديد في صراع أقطاب لا تحكمه قواعد اشتباك واضحة. الفكرة لا تزال في طور النقاش، لكنها تعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي لدى دول باتت ترى أن الاعتماد الكامل على الحلفاء الدوليين لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي كشفت هشاشة التوازنات القائمة. Maroc4

ثلاثة سيناريوهات لمشهد لم يكتمل بعد

السيناريو الأرجح: يستمر التنسيق الرباعي في صيغة "حوار استراتيجي" غير ملزم، يُوظّفه كل طرف ورقةَ ضغط في علاقاته مع واشنطن، دون الوصول إلى معاهدة دفاعية جماعية.

السيناريو الأخطر: تصاعد حدة التوترات الإقليمية يدفع نحو تشكيل حلف عسكري فعلي بقيادة تركيا-السعودية، ما قد يُشعل سباق تسلح إقليمي جديدًا ويُقلّص مساحة الحلول الدبلوماسية.

السيناريو البديل: تنتهي ذروة الأزمة الراهنة إلى إعادة هيكلة التوازنات الإقليمية ضمن منظومة أمنية أممية موسّعة، تحتفظ فيها الأطراف الأربع بتنسيقها لكن تحت مظلة دولية ممأسسة.

ماذا يعني هذا التحول لمصر والمنطقة؟

بالنسبة للقاهرة، التحالف الرباعي ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل معادلة تُوازن بين حاجتها إلى دعم اقتصادي خليجي واستقلالية سياسية نسبية. الانخراط في هذا الإطار يفتح أمامها ممرات تمويل وتعاون دفاعي، لكنه يستلزم إدارة حذرة لعلاقتها مع واشنطن التي تبقى شريكًا لا بديل عنه في ملفات جوهرية كقناة السويس وضمانات الإقراض الدولي.

الرهان الحقيقي ليس على القوة.. بل على الإرادة المشتركة

المعضلة الجوهرية أمام الرباعي ليست في الإمكانات — فهي موجودة — بل في الإرادة السياسية على قبول التنازلات التي يستلزمها أي تحالف حقيقي. التاريخ يُخبرنا أن دول الشرق الأوسط نادرًا ما وجدت صيغة دائمة لتنسيق إقليمي مستقل. لكن التاريخ أيضًا يُخبرنا أن اللحظات الفارقة هي التي تُعيد كتابة معادلات الممكن.

السؤال الذي تتركه المرحلة مفتوحًا: هل تملك القاهرة وأنقرة والرياض وإسلام آباد القدر الكافي من عدم الثقة بالضمانات الخارجية كي تبني معًا شيئًا يتجاوز مجرد تحالف الضرورة؟

المصادر

  • الجزيرة نت — هل تشكل السعودية وباكستان ومصر وتركيا نواة تحالف إقليمي جديد؟ — 19 أبريل 2026 — رابط المصدر
  • أسواق العرب — اللعب على حافة الهاوية: كيف تُعيد السعودية هندسة توازنات الشرق الأوسط؟ — أبريل 2026 — رابط المصدر
  • الجزيرة نت — مصر وتركيا.. التحالف الإسلامي الذي تخشاه إسرائيل — فبراير 2026 — رابط المصدر

الوسوم

التحالف الإقليمي | أمن الشرق الأوسط | توازن القوى | الفراغ الأمريكي | التعاون العسكري

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران