حين تصبح المضايق أوراق ضغط: ملقا في مرمى سابقة هرمز
جاكرتا تطرح السؤال الذي تتجنبه المنظومة البحرية الدولية منذ عقود
لا أحد يملك المضيق، لكن الجميع يدفع ثمن من يُغلقه
بعد أن أغلق الحرس الثوري الإيراني مضيق هرمز فعلياً، وأثارت الأزمة تساؤلات حول أمن المضايق الأخرى، أعلن وزير المالية الإندونيسي بوربايا يودي سادوا أن بلاده تخطط لإنشاء نظام لتحصيل رسوم من السفن العابرة في مضيق ملقا. aljazeera لم يكن التوقيت عفوياً؛ فجاكرتا تقرأ المشهد بوضوح: حين تتحول المضايق إلى أدوات ابتزاز، يصبح من يملك شريط ساحلياً محاذياً لها في موقع مختلف تماماً.
السؤال الحقيقي ليس إن كانت إندونيسيا ستفرض رسوماً غداً، بل لماذا طُرح هذا الخيار الآن، وماذا يكشف عن هشاشة النظام البحري الدولي القائم على مبدأ حرية الملاحة.
ملقا: ممر لا تعوّضه أي خريطة بديلة
يقع مضيق ملقا بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، يمتد نحو 900 كيلومتر ويربط المحيط الهندي ببحر جنوب الصين، وتتقاسم الدول الثلاث الإشراف عليه. ويقدّر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن نحو 22% من التجارة البحرية العالمية تمر عبره. aljazeera
في النصف الأول من عام 2025، مر عبر المضيق نحو 23.2 مليون برميل يومياً من النفط، أي ما يعادل 29% من إجمالي تدفقات النفط المنقول بحراً — متجاوزاً بذلك مضيق هرمز الذي سجّل 20.9 مليون برميل يومياً في الفترة ذاتها. aljazeera أرقام تجعل ملقا — بصمت — أكبر ممر نفطي ضيق في العالم، دون أن يحتل الحضور الإعلامي الذي تحتله هرمز.
وأظهرت بيانات إدارة الملاحة البحرية الماليزية أن أكثر من 102 ألف وخمسمئة سفينة عبرت المضيق عام 2025. aljazeera رغم ذلك، لا تحصل الدول المطلة عليه على عائد مباشر من هذه الحركة الهائلة — وهو تحديداً ما استثاره الوزير الإندونيسي.
دروس هرمز التي لم تُخطط لها طهران
بدأت أزمة مضيق هرمز في 28 فبراير 2026، عقب الضربات العسكرية المشتركة الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إذ أغلق الحرس الثوري المضيق فعلياً، فارتفعت أسعار النفط بنسبة وصلت إلى 13% لتبلغ 82 دولاراً للبرميل، وسط توقعات باحتمال تجاوزها مئة دولار حال استمرار الاضطرابات. Wikipedia
وبالتوازي مع ذلك، أعلنت جهات رقابية بحرية دولية وقوع ثلاث حوادث منفصلة خلال ساعات قليلة استهدفت سفناً في المضيق. Ghadnews لكن الأثر الأعمق لم يكن في ارتفاع الأسعار — بل في شيء آخر: إثبات أن دولة واحدة تمسك بخاصرة اقتصاد العالم حين تشاء.
وسلطت الأزمة الضوء على حقيقة أن الاقتصاد العالمي لا يتحرك فقط عبر المصانع والأسواق المالية، بل عبر ممرات مائية ضيقة تختصر المسافات وتحدد كلفة التجارة وتدفق الطاقة والسلع. aljazeera هذه الحقيقة — التي كانت يعرفها الاستراتيجيون ويتجنبها الدبلوماسيون — باتت الآن على طاولة كل وزير مالية في العالم.
جاكرتا تقرأ الفرصة، وسنغافورة ترفضها صراحةً
أوضح الوزير الإندونيسي أن بلاده تعتزم تنفيذ هذا النظام بالتنسيق مع الدول المجاورة في إطار رؤية الرئيس برابوو سوبيانتو لتعزيز دور البلاد في التجارة العالمية، مشيراً إلى أن الخطة لا تزال في مراحلها الأولية وقد لا تُطبق قريباً نظراً لصعوبة التوصل إلى اتفاق مع الدول المجاورة. aljazeera
الصعوبة ليست مجرد تحفّظ دبلوماسي — بل هي موقف سياسي حاسم. قال وزير خارجية سنغافورة فيفيان بالاكريشنان إن حق المرور مكفول للجميع، مؤكداً أن بلاده لن تشارك في أي جهود لإغلاق الممرات أو عرقلتها أو فرض رسوم على السفن العابرة. aljazeera وذهب وزير الدفاع الماليزي في الاتجاه ذاته، مستبعداً أن يواجه مضيق ملقا وضعاً مشابهاً لهرمز، ومستنداً إلى أن 80% من واردات الصين من الطاقة تمر عبر المضيق — ما يجعل الإغلاق أو التقييد خياراً يستحيل دفع تكاليفه إقليمياً. aljazeera
تضارب المواقف يكشف معادلة دقيقة: إندونيسيا الأكبر مساحةً والأكثر ساحلاً ترى في الرسوم مكسباً سيادياً، أما سنغافورة — التي يرتكز اقتصادها بالكامل على حرية العبور — فترى فيها تهديداً وجودياً.
حين تتسلل السابقة من هرمز إلى ملقا إلى باب المندب
المسألة تتجاوز الرسوم الجمركية. يبدو أن الخطوة الإيرانية بدأت تقود دولاً أخرى إلى خطوات مشابهة، وقد تمتد يد الصين إلى مضيق ملقا لتوسيع نفوذها البحري، أو تتحرر تركيا من اتفاقيات مونترو عبر مشروع "قناة إسطنبول"، وقد يسعى الحوثيون إلى فرض رقابة مدفوعة في باب المندب. aljazeera
هذا هو البُعد الأخطر في المشهد: ليس إغلاقاً وحيداً، بل سابقة مرجعية تتوالد. حين يُثبت طرف أن تحصيل الإيجار على ممر مائي ممكن — سواء بالقوة أو بالقانون — يجد كل طرف آخر يجلس على ممر مشابه نفسه أمام إغراء لا يسهل مقاومته.
ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن أزمة إيران سلطت الضوء على مخاوف قديمة بشأن كيفية تأثر مضايق مهمة كملقا إذا اندلع صراع في بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان، حيث يمر 21% من التجارة البحرية العالمية. aljazeera
من يدفع فاتورة الشحن المقبلة؟
التأثير العملي على دول مثل مصر يمر عبر مسار غير مباشر لكنه واضح: ارتفاع تكاليف الشحن في ملقا يعني ارتفاع أسعار الطاقة وبضائع المستهلكين القادمة من آسيا، فيما يُضغط على احتياطيات النقد الأجنبي لدول تستورد معظم احتياجاتها. أما دول الخليج المُصدِّرة للنفط عبر ملقا فستجد تكلفة وصول نفطها إلى المستهلكين الآسيويين ترتفع — وهو ما يُضعف تنافسيتها أمام مورّدين أقرب جغرافياً.
وكان المحللون قد حذّروا من أن إغلاق أي مضيق رئيسي — فعلياً أو بسبب مخاطر أمنية — قد يدفع أسعار السلع والخدمات للارتفاع عالمياً، ويصيب اقتصادات كبرى كالصين والهند واليابان التي تعتمد بشكل مباشر على النفط القادم من الخليج. Al Arabiya
ثلاثة مسارات لا يريد أحدٌ الاختيار بينها
المسار الأرجح: تبقى خطة إندونيسيا حبراً على ورق في المدى القريب، يعيقها الرفض السنغافوري والثقل الاقتصادي الصيني. غير أن الفكرة ستعود إلى الواجهة في كل أزمة بحرية مقبلة، تتراكم كضغط تفاوضي حتى تُفرز في نهاية المطاف نموذجاً هجيناً من الرسوم البيئية أو الأمنية مقبولاً دبلوماسياً.
المسار الأخطر: إذا تحققت سابقة من هذا القبيل، فقد يصعب وقف تقييد حرية الملاحة البحرية التي ظلت هادئة على مدى عقود بفضل التفاهم الدولي لضمان تدفق البضائع. aljazeera بمعنى آخر، يتحول النظام البحري الدولي من قائم على الحقوق إلى قائم على الصفقات — وهو نقلة نوعية في بنية التجارة العالمية.
المسار البديل: تُفرز أزمة هرمز في نهاية المطاف اتفاقاً دولياً جديداً لضمان أمن المضايق — أشبه بـ"ميثاق مونترو مُحدَّث" — يُعيد تقنين حق العبور ويُضفي شرعية رسمية على مشاركة الدول الساحلية في إدارة الممرات الاستراتيجية. احتمال ضعيف، لكن الضغط المتراكم قد يجعله الخيار الأقل تكلفة.
حين تُصبح الجغرافيا سلعةً
ما تكشفه أزمة هرمز وتداعياتها في ملقا أعمق من مجرد توترات بحرية: إنها تعيد طرح سؤال لم يُجب عنه النظام الدولي بعد — من يملك تكاليف إدارة أمن الممرات العالمية؟ طوال عقود كانت الإجابة ضمنية: لا أحد يدفع لأن الجميع يستفيد. لكن حين يُثبت طرف أن التكلفة تقع عليه وحده حين تضطرب الملاحة — كما تقول جاكرتا عن ملقا — تصبح مطالبته بالتعويض منطقاً اقتصادياً لا يمكن دحضه بالقانون الدولي وحده.
مضيق ملقا لن يُغلق غداً. لكن سؤاله لن يغيب.
المصادر:
-
الجزيرة نت — "على غرار هرمز.. إندونيسيا تدرس فرض رسوم على مضيق ملقا"، 23 أبريل 2026 | رابط
-
ويكيبيديا العربية — "أزمة مضيق هرمز 2026" | رابط
-
العربية.نت — "إغلاق مضيق هرمز: ماذا يعني لاقتصاد الخليج والعالم؟"، مارس 2026 | رابط
الوسوم
مضيق هرمز | مضيق ملقا | رسوم الملاحة | أمن الممرات البحرية | التجارة العالمية

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار