ترامب في مأزق إيران: خطاب يثير المزيد من الأسئلة بدلاً من الإجابات

-- دقائق

ترامب في مأزق إيران: خطاب يثير المزيد من الأسئلة بدلاً من الإجابات

مقدمة: خطاب متأخر وشكوك متصاعدة

واجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدياً سياسياً واستراتيجياً كبيراً مساء الأربعاء الماضي عندما ألقى خطاباً للأمة من قاعة كروس في البيت الأبيض استمر نحو عشرين دقيقة. كان الهدف من الخطاب تبرير الحرب الجارية ضد إيران منذ أكثر من شهر، لكن النتيجة كانت زيادة في حالة عدم اليقين بدلاً من طمأنة الشعب الأمريكي والأسواق العالمية.

يأتي الخطاب في ظل انخفاض حاد في شعبية ترامب، إذ أظهر استطلاع جديد أجرته شبكة CNN بالتعاون مع مؤسسة SSRS قبل الخطاب مباشرة أن نسبة تأييده بلغت 35% فقط، وهو أدنى مستوى له خلال فترتيه الرئاسيتين. ويشير الاستطلاع نفسه إلى أن 34% فقط من الأمريكيين يؤيدون التدخل العسكري في إيران، بينما يعارض نحو 68% إرسال قوات برية إلى هناك .

المحاور الرئيسية للخطاب: بين التبرير والتهديد

1. تبرير الحرب: البرنامج النووي الإيراني

قدّم ترامب في خطابه ما وصفه بأنه "أكثر تفسيراته تماسكاً واعتدالاً" لأسباب خوضه الحرب، مدعياً أنه لا يمكن السماح لـ"الإرهابيين" في النظام الإيراني بامتلاك سلاح نووي بعد 47 عاماً من تهديد الولايات المتحدة. وشدد على أن الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة قد "دمرت" القدرات العسكرية الإيرانية وأضعفت قدرتها على إحداث فوضى في المنطقة.

لكن هذه الحجج تتعارض مع تقييمات الاستخبارات الأمريكية والغربية. فقد صرح مسؤولون في المجتمع الاستخباراتي الأمريكي العام الماضي بأن إيران لا تمتلك برنامجاً نشطاً للأسلحة النووية. كما أن مزاعم ترامب بأن إيران كانت "على وشك" امتلاك سلاح نووي وأنها قد تمتلك قريباً صاروخاً قادراً على ضرب البر الرئيسي للولايات المتحدة تفتقر إلى الدليل المفصل الذي يتيح للأمريكيين تكوين رأيهم الخاص .

2. تهديدات التصعيد: العودة إلى "العصر الحجري"

أثار ترامب المخاوف بشكل كبير عندما ألمح إلى احتمال تصعيد عسكري هائل، قائلاً: "خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع القادمة، سنعيدهم إلى العصر الحجري، حيث ينتمون". وهدد بضرب جميع محطات توليد الكهرباء الإيرانية واستهداف منشآتها النفطية "بقوة شديدة وربما بشكل متزامن" إذا لم تستجب طهران لمطالبه بالتوصل إلى اتفاق سلام .

هذه التهديدات أثارت جدلاً قانونياً واسعاً، إذ يرى خبراء القانون الدولي أن استهداف البنية التحتية المدنية يشكل انتهاكاً صارخاً لقوانين الحرب الدولية. وقد حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في رسالة وجهها للشعب الأمريكي من أن "استهداف المنشآت الحيوية الإيرانية - بما في ذلك منشآت الطاقة والصناعة - يستهدف الشعب الإيراني مباشرة"، ووصف هذه الأعمال بأنها "جرائم حرب" .

3. مقارنات تاريخية مضللة

حاول ترامب التقليل من شأن التزام الولايات المتحدة الحالي بالمقارنة بين أيام القتال الـ32 التي خاضتها حتى الآن والسنوات التي استثمرتها أمريكا في الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الكورية وحرب فيتنام وحرب العراق. لكن هذه المقارنات ربما لم تهدئ العقول، بل أشارت إلى أن هذه الحرب قد تستمر لفترة أطول مما تم الاعتراف به حتى الآن .

الأزمة الاقتصادية: مضيق هرمز والاقتصاد العالمي

إغلاق المضيق وأسعار النفط

يمثل إغلاق المضيق وأسعار النفط يمثل إغلاق إيران لمضيق هرمز - الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية - التهديد الأكبر للاقتصاد العالمي. وقد أدى الإغلاق الفعال للمضيق إلى تجميد نحو 20 مليون برميل يومياً من الخام في الأسواق العالمية، مما دفع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل .

وفقاً لتحليلات رويترز وخبراء اقتصاديين، فإن استمرار الإغلاق لأكثر من 30 يوماً يحمل مخاطر حدوث ركود عالمي ساحق، مع احتمال وصول أسعار النفط إلى ما بين 100 و200 دولار للبرميل حسب شدة الأزمة . وقد تجاوز متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون للمرة الأولى منذ أغسطس 2022 .

تناقضات ترامب الاقتصادية

تظهر تناقضات واضحة في موقف ترامب الاقتصادي. فبينما يحذر من كارثة اقتصادية عالمية محتملة، يزعم أن المضيق "سيفتح تلقائياً" لأن إيران سترغب في بيع نفطها، ويدعي أنه سيكون من السهل على الدول الأجنبية فك الحصار الإيراني. لكن البحرية الأمريكية الجبارة لم تتمكن بعد من عبور نقطة الاختناق النفطية الحرجة بسبب صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة .

كما نصح ترامب الدول الأوروبية التي تعتمد على نفط الخليج بأن تشتري النفط الأمريكي أو أن تفتح المضيق بأنفسها، في تصريحات أثارت قلقاً دولياً واسعاً. ودعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى عقد اجتماع دولي للتخطيط لتدخل في مضيق هرمز، محذراً من أن نهاية الحرب لن تخفف من التهديد للسفن في الممر المائي .

استطلاعات الرأي: تراجع الثقة في الرئاسة والحرب

انخفاض التأييد الشعبي

تظهر استطلاعات الرأي الوطنية تراجعاً واضحاً في ثقة الأمريكيين بقيادة ترامب للحرب. فقد أظهر استطلاع أسوشيتد برس-نورك أن نحو 59% من الأمريكيين يقولون إن العمل العسكري الأمريكي في إيران قد "ذهب بعيداً جداً"، بينما يعرب 45% عن قلق "شديد" أو "كبير" من قدرتهم على تحمل تكاليف الوقود في الأشهر القليلة المقبلة، ارتفاعاً من 30% في استطلاع سابق .

ويشير استطلاع جامعة كوينيبياك إلى أن 53% من الناخبين يعارضون العمل العسكري الأمريكي ضد إيران، وأن 74% يعارضون إرسال قوات برية أمريكية إلى إيران. كما أن 62% يعتقدون أن إدارة ترامب لم تقدم تفسيراً واضحاً للأسباب وراء العمل العسكري .

القلق الاقتصادي يتفوق على المخاوف الأمنية

رغم أن نحو ثلثي الأمريكيين يقولون إن منع إيران من الحصول على سلاح نووي يجب أن يكون هدفاً خارجياً "مهماً جداً" أو "مهماً" للولايات المتحدة، إلا أنهم بنفس القدر يؤكدون أهمية منع ارتفاع أسعار النفط والغاز الأمريكية - وهو تناقض قد يصعب على البيت الأبيض إدارته .

وقد انخفضت نسبة تأييد ترامب في الملف الاقتصادي إلى 31% فقط وفق استطلاع CNN/SSRS، مع قول نحو ثلثي الأمريكيين إن سياساته تساهم في تفاقم الأوضاع. هذه الأرقام تثير القلق لرئيس يواجه انتخابات نصفية صعبة بعد سبعة أشهر فقط .

الأسئلة الكبرى التي لم يجب عنها ترامب

مصير النظام الإيراني

زعم ترامب أنه قد أحدث "تغييراً في النظام" باغتيال كبار القادة الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي. لكن إيران لا تزال تحت سيطرة فلول النظام التي قد تكون أكثر تطرفاً مما كانت عليه قبل الحرب. وقد اعترف ترامب نفسه في خطابه بأن "المجموعة الجديدة أقل تطرفاً وأكثر عقلاً"، مما يعني اعترافاً ضمنياً باستمرار النظام .

مواد اليورانيوم عالي التخصيب

بدا أن ترامب يُلمّح إلى أنه لن يسعى لاستخراج مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب التي قد تمكّن طهران من استئناف برنامجها النووي. وادّعى أن مراقبة الأقمار الصناعية الأمريكية ستضمن بقاء هذه المواد دون مساس في حطام المنشآت النووية الإيرانية التي قصفها العام الماضي. وهذا من شأنه أن يجنّب القوات الأمريكية مهمة بالغة الخطورة، لكنه يُثير الشكوك حول تأكيداته بإنهاء التهديد النووي .

استراتيجية واضحة للخروج

لم يُقدّم الرئيس في أي مرحلة من الخطاب استراتيجية خروج واضحة من الصراع، باستثناء احتمال استسلام إيران الكامل - وهو احتمال مستبعد. وبدلاً من ذلك، قدّم تهديدات جديدة وتوقعات اقتصادية متفائلة أقرب إلى التمني منها إلى خطة واقعية .

التداعيات السياسية: مستقبل ترامب على المحك

الانتخابات النصفية المقبلة

تثير هذه الأرقام المقلقة القلق لرئيس وحزب جمهوري يواجهان انتخابات نصفية صعبة بعد سبعة أشهر فقط. ونادراً ما يتعافى الرؤساء في ولايتهم الثانية الذين يشهدون مثل هذا التراجع في شعبيتهم وثقة الشعب بقيادتهم. يتعين على ترامب الآن أن يتأمل في احتمال أن تستنزف حرب لم يُقدم شرحاً وافياً لها رئاسته وتُلطخ إرثه .

انقسامات حزبية

تُظهر الاستطلاعات انقساماً حزبياً حاداً حول الحرب. فبينما يؤيد أكثر من 8 من كل 10 جمهوريين الضربات الجوية الحالية، فإن 6 من كل 10 جمهوريين فقط يقولون إن أفعال الرئيس في إيران تجعل الولايات المتحدة أكثر أماناً. ويعارض نحو 89% من الديمقراطيين و60% من المستقلين العمل العسكري الأمريكي ضد إيران .

خاتمة: مستقبل غير مؤكد

كان من الصعب الجزم بأن الرئيس يعلم متى ستنتهي الحرب أو كيف سيكون حال العالم حينها. ولذلك، ربما لم يُسهم كثيراً في تهدئة القلق العالمي إزاء الصراع أو مأزقه السياسي.

دخل ترامب مساء الأربعاء في مأزق سياسي واستراتيجي صنعه بنفسه، إذ ساهمت رسائله المتضاربة، ونهجه في نشر آخر مستجدات الحرب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخطابه المتقلب والغاضب، في تراجع ثقة الشعب برئاسته.

بينما يمتلك العالم احتياطيات نفطية هائلة، إلا أنه لا يزال عُرضةً لتقلبات أسواق الطاقة العالمية. ولا يحتاج الأمريكيون إلى تذكير بأن متوسط أسعار البنزين يتجاوز 4 دولارات للغالون. والسؤال الأكبر الذي يبقى بلا إجابة: هل يستطيع ترامب إنهاء هذه الحرب قبل أن تنهي رئاسته؟

الرسوم البيانية التوضيحية

ترامب في مأزق إيران: خطاب يثير المزيد من الأسئلة بدلاً من الإجابات

يوضح الشكل أعلاه:

  • نسبة تأييد ترامب للعمل العسكري في إيران (مارس–أبريل 2026)
  • أولويات الشعب الأمريكي تجاه الصراع
  • سيناريوهات أسعار النفط وفق وضع مضيق هرمز
  • توقعات مدة استمرار الحرب

المصادر

الوسوم

ترامب | إيران | الحرب | الاقتصاد | مضيق هرمز

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد