"لا مفر منه".. اقتصادي أمريكي بارز يحذر من انهيار عالمي وشيك يفوق الكساد العظيم

-- دقائق
تقرير: تحليل الانهيار الاقتصادي المتوقع جراء الحرب على إيران

"لا مفر منه".. اقتصادي أمريكي بارز يحذر من انهيار عالمي وشيك يفوق الكساد العظيم

بات العالم على أعتاب كارثة اقتصادية لا سابق لها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، بحسب تحذيرات أطلقها أستاذ الاقتصاد البارز مايكل هادسون من جامعة ميزوري بكانساس سيتي . يؤكد هادسون في مقابلة مصورة عبر يوتيوب نشرها معهد ديفيد غرابر أن تفادي هذه الكارثة أصبح أمراً خارج نطاق الإمكان في ظل المعطيات الراهنة، وأن العالم سيواجه حتماً أشد ركود اقتصادي منذ الكساد الكبير مهما تكن المآلات السياسية والعسكرية للصراع الدائر .

الشرارة: عمليات "الغضب الأسطوري" و"الأسد الزائر"

بدأت العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية مكثفة استهدفت منشآت نووية وعسكرية وقيادات إيرانية بارزة، بينها مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي . أطلقت الولايات المتحدة على العملية اسم "الغضب الأسطوري" (Epic Fury) بينما أطلقت إسرائيل عليها اسم "الأسد الزائر" (Roaring Lion)، وشملت نحو 900 ضربة جوية في الساعات الـ12 الأولى فقط .

ردت إيران بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، المعبر الذي يمر عبره خمس الإمدادات النفطية العالمية، كما شنت هجمات صاروخية وبالطائرات المسيرة على منشآت غاز قطرية ومواقع أمريكية في المنطقة .

أزمة ثلاثية الأبعاد: النفط والأسمدة والهيليوم

"لا مفر منه".. اقتصادي أمريكي بارز يحذر من انهيار عالمي وشيك يفوق الكساد العظيم

يشير هادسون إلى أن التداعيات الأشد خطورة لا تكمن في أسعار النفط وحدها، بل في شح المواد الحيوية التي تهدد البنية التحتية للزراعة والصناعة عالمياً .

1. اختناق إمدادات الأسمدة العالمية

يمر نحو ثلث التجارة العالمية في الأسمدة عبر مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران فعلياً أمام الملاحة التجارية الغربية . تنتج دول الخليج العربي ما لا يقل عن 20% من صادرات الأسمدة البحرية العالمية، و46% من تجارة اليوريا (الأسمدة النيتروجينية) عالمياً .

تعتمد الهند، ثاني أكبر منتج لليوريا في العالم، على الغاز الطبيعي من الخليج لإنتاج أسمدتها، حيث تشتري أكثر من 40% من احتياجاتها من اليوريا والأسمدة الفوسفاتية من الشرق الأوسط . توقفت بالفعل مصانع أسمدة في بنجلاديش والهند وباكستان عن العمل بسبب نقص الغاز والمواد الخام .

يأتي هذا في وقت حرج يستعد فيه المزارعون في نصف الكرة الشمالي لموسم الزراعة الربيعي. تشكل الأسمدة ما بين 15% إلى 25% من تكاليف إنتاج المحاصيل، وارتفعت أسعار اليوريا بنسبة تتراوح بين 30% إلى 40% منذ بدء الصراع . يؤكد خبير الاقتصاد في منظمة الأغذية والزراعة الدولية ماكسميليانو توريرو أن "فقدان صادرات الخليج يخلق عجزاً عالمياً فورياً بدون بدائل سريعة"، وأن الدول الأكثر تضرراً ستكون بنجلاديش والهند وباكستان في جنوب آسيا، والسودان وكينيا والصومال في شرق أفريقيا .

2. أزمة الهيليوم: تهديد لصناعة أشباه الموصلات والطب

توقفت قطر، التي تنتج نحو ثلث إمدادات الهيليوم العالمية، عن الإنتاج إثر ضربات إيرانية على مجمع راس لفان الصناعي في الثامن والعشرين من فبراير 2026 . أعلنت شركة قطر للطاقة حالة القوة القاهرة في الثاني من مارس، مما أخرج نحو 30% من الإنتاج العالمي من السوق في غضون أيام .

الهيليوم عنصر حيوي لا غنى عنه في صناعة أشباه الموصلات، حيث يستخدم في تبريد آلات التصوير الضوئي EUV التي تنتج الرقائق المتقدمة، وكشف التسربات في الغرف المفرغة، ونقل الغازات التفاعلية . لا توجد مادة بديلة قابلة للتطبيق تجارياً لهذه الاستخدامات.

تعد كوريا الجنوبية الأكثر تعرضاً للخطر، إذ تستورد 64.7% من احتياجاتها من الهيليوم من قطر، وتضم شركات سامسونج وSK هاينكس اللتين تسيطران على غالبية سوق الذاكرة العالمي . ارتفعت أسعار الهيليوم بنسبة تتراوح بين 40% إلى 100%، وبدأت الشركات بتقليص استهلاكها والتركيز على خطوط الإنتاج ذات الهوامش الأعلى .

تتجاوز التداعيات صناعة الرقائق إلى الأقراص الصلبة عالية السعة (10 تيرابايت فأعلى) التي تستخدم الهيليوم كغاز محكم الإغلاق، والتصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات الذي يعتمد على الهيليوم السائل لتبريد المغناطيسات فائقة التوصيل .

تحليل هادسون: حرب عالمية ثالثة اقتصادية

يصف هادسون النزاع الحالي بأنه "الحرب العالمية الثالثة" من الناحية الاقتصادية، ليس لأنه يشمل كل الدول عسكرياً، بل لأن الموارد المتنازع عليها -النفط والغاز والأسمدة والهيليوم- لها آثار منهجية على الاقتصاد العالمي بأكمله . يقول هادسون: "إنها حرب عالمية لأن العالم بأسره يعتمد على النفط والغاز الطبيعي المسال -للأسمدة والطاقة والكهرباء والتدفئة والطهي وصناعة الزجاج والهيليوم" .

يؤكد هادسون أن إيران أبلغت العالم بأنها "ستضمن إغلاق صناعة النفط والغاز والهيليوم والطاقة في العالم أجمع" إذا حاولت الولايات المتحدة تدمير صناعة النفط الإيرانية، مما سيؤدي إلى مضاعفة أسعار النفط وإحداث أزمة ميزان المدفوعات لحلفاء أمريكا في أوروبا وكوريا واليابان والفلبين .

التضخم والانكماش معاً: سيناريو الكساد الكبير

يتنبأ هادسون بأن العالم سيشهد ظاهرة اقتصادية نادرة هي "التضخم والانكماش في آن واحد" (Inflation and Deflation Together). سترتفع أسعار الطاقة والمواد الخام (التضخم) بينما ينهار باقي الاقتصاد بسبب توقف المصانع وارتفاع البطالة (الانكماش) .

"لا مفر منه".. اقتصادي أمريكي بارز يحذر من انهيار عالمي وشيك يفوق الكساد العظيم

يوضح هادسون: "العالم يتوقع أن الحرب لن تستمر أكثر من شهر. لكنهم لا يأخذون في الحسبان أن هذا سيوقف المصانع ويسبب كساداً هائلاً. تسريح العمال. الحكومات سترغم على تحويل الإيرادات لمساعدة الأسر على تحمل تكاليف الكهرباء والغاز - مما يعني تخفيض الإنفاق الاجتماعي. البطالة. فقر متزايد. هذا ليس تضخماً، هذا انكماش" .

يضيف زميله الاقتصادي ستيف كين أن انخفاض 5% في استخدام الطاقة ينتج عنه انخفاض 5% في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأن فقدان 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال قد يؤدي إلى انكماش عالمي بنسبة 10% . يحذر كين من أنه "إذا انخفضت إمدادات الأسمدة 20%، فإن إنتاج الغذاء ينخفض بأكثر من 20% عالمياً. هذا يعني طعاماً يكفي 6 مليارات نسمة - والعالم يضم 8 مليارات. قد نشهد مجاعة عالمية هذا العام" .

الضرر الهيكلي: ما بعد مرحلة القرار السياسي

يؤكد هادسون أن الأزمة تجاوزت مرحلة القرار السياسي، مشيراً إلى أنه حتى لو أعلنت واشنطن تخليها الفوري عن نهجها والتزامها بمبادئ الأمم المتحدة، فإن الضرر الهيكلي الذي لحق بسلاسل الإمداد العالمية بات يستعصي على الإصلاح السريع . فبنية الإمداد العالمية تعتمد على نقاط ضيقة (Chokepoints) مثل مضيق هرمز، واستعادة ثقة السوق والبنية التحتية قد تستغرق شهوراً بل سنوات.

تدلل على ذلك صعوبة إعادة تشغيل منشآت راس لفان القطرية التي تعرضت لأضرار "ممتدة" قد تستغرق إصلاحها سنوات . كما أن إعادة توجيه ناقلات الهيليوم المتخصصة التي تعطلت في مضيق هرمز قد تستغرق شهوراً .

التداعيات الإقليمية والعالمية

أدت الحرب إلى تصاعد النزاع في لبنان حيث قتل أكثر من ألف شخص ونزح مليون لبناني (سدس سكان البلاد) . كما استهدفت إيران قواعد أمريكية في البحرين والكويت والسعودية والإمارات والعراق، وأغلقت المجال الجوي أمام الملاحة التجارية .

على الصعيد الاقتصادي، تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، ووصل متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى 4 دولارات للغالون للمرة الأولى منذ أغسطس 2022 . تواجه ألمانيا وأوروبا أزمة طاقة مشابهة لتلك التي تلت وقف إمدادات الغاز الروسي، مع توقف صناعات الزجاج والأسمدة والسيارات .

الخاتمة: كساد كبير لا مفر منه؟

يخلص هادسون إلى أن العالم سيواجه حتماً "أشد ركود اقتصادي منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي" بغض النظر عن النتائج العسكرية . يصف هذا الانهيار بأنه "تمزق منهجي" (Systemic Rupture) للنظام العالمي، حيث تنهار المنطق التجاري والمالي والأمني الذي كان محوراً للنمو الاقتصادي العالمي خلال العقود الأخيرة .

مع اقتراب العالم من موسم الزراعة الرئيسي بدون غطاء سمادي كافٍ، واقتراب صناعة أشباه الموصلات من نفاد مخزون الهيليوم، يبدو أن التحذيرات التي أطلقها هادسون ليست مجرد نظرية اقتصادية، بل تصوير لواقع مادي يتشكل أمام أعيننا، قد يعيد تشكيل وجه الاقتصاد العالمي للسنوات القادمة.

المصادر:

  1. Reuters - Commodities & Oil Markets
  2. IFPRI - Global Fertilizer & Food Security Analysis
  3. Bloomberg - Global Markets & Supply Chains

الوسوم

انهيار اقتصادي | مضيق هرمز | أزمة الهيليوم | الكساد الكبير | الحرب على إيران

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد