إيران بين مطرقة الحرب وسندان التضخم.. هل انكسر عصب "اقتصاد المقاومة"؟

-- دقائق
إيران بين مطرقة الحرب وسندان التضخم.. هل انكسر عصب "اقتصاد المقاومة"؟

الأزمة الاقتصادية المتفاقمة تهدد بتفاقم الضغوط على النظام

طهران - 2 أبريل 2026 - يواجه الاقتصاد الإيراني اختبارًا تاريخيًا غير مسبوق مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية شهرها الثاني، في ظل مؤشرات اقتصادية كارثية كانت قد تفاقمت حتى قبل اندلاع الشرارة العسكرية في 28 فبراير الماضي.

من التضخم إلى الانهيار المحتمل

لم يكن الاقتصاد الإيراني في وضعية جيدة حين بدأت الحرب. ففي ديسمبر 2025، أي قبل شهرين من العدوان، سجل معدل التضخم السنوي لأسعار المواد الغذائية مستوى قياسيًا بلغ 105.5%، ما يعني أن تكاليف تأمين الغذاء تضاعفت أكثر من مرتين مقارنة بالعام السابق. هذا الرقم يفوق بكثير معدل التضخم العام للاقتصاد الذي بلغ 68.1%، مما يشير إلى أن الفئات ذات الدخل المنخفض تتحمل العبء الأكبر.

وصل سعر الصرف في السوق الموازية إلى 1.5 مليون ريال مقابل الدولار خلال الاحتجاجات الشعبية الواسعة في ديسمبر 2025، حيث عكست هذه الاحتجاجات غضبًا متزايدًا من تدهور الأوضاع الاقتصادية وحملت تحديًا مباشرًا للنخبة الحاكمة.

"اقتصاد المقاومة" يتعرض لضغوط تحت القصف

على مدى أربعة عقود، عملت إيران على بناء ما تسميه "اقتصاد المقاومة"، وهو نموذج صمم لتحمل الصراعات والعقوبات والضغوط. اعتمدت طهران على نظام المقايضة للالتفاف على العقوبات من خلال تصدير النفط، ونشرت مئات محطات توليد الطاقة في أنحاء البلاد بهدف جعل تدمير الشبكة أكثر صعوبة.

إلا أن هذا النموذج يتعرض لضغوط حاسمة حاليًا. منذ اندلاع الحرب، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل آلاف الضربات الجوية استهدفت قيادات إيران وبنيتها العسكرية والبنية التحتية الحيوية. طالت الهجمات مستودعات تخزين الوقود وأكبر مجمع غاز في البلاد وأحد البنوك، فضلًا عن اثنين من أكبر مصانع الصلب في إيران.

قدرة إيران على الصمود رغم الضغوط

تتمتع إيران بقدرات صمود تاريخية مكتسبة من عقود من العقوبات الدولية والحصار الاقتصادي. يمتلك البلاد احتياطيات نقدية أجنبية متخفية وشبكة تجارية غير رسمية مع دول الجوار خاصة العراق وأفغانستان وباكستان. كما تستفيد طهران من سنوات الخبرة في التهرب من العقوبات عبر طرق بديلة للتجارة والتمويل. بالإضافة إلى ذلك، يوفر الدعم الشعبي المحلي للنظام في بعض المناطق رافعة اجتماعية تساعد في امتصاص الغضب، خاصة مع وجود بنية تحتية محلية للإنتاج الغذائي والصناعي تقلل من الاعتماد الكامل على الاستيراد. هذه العوامل مجتمعة تمنح النظام هامشًا للمناورة رغم الضغوط الهائلة.

الوقود.. شريان الحياة يتعرض لضغوط

في السادس من مارس 2025، شنت إسرائيل هجمات استهدفت ما لا يقل عن خمسة مستودعات وخزانات نفطية في طهران ومدينة ري جنوب العاصمة ومدينة كرج غربها. أدت هذه الهجمات إلى اضطراب في إمدادات الوقود وظهور طوابير أمام محطات البنزين، حيث سارع المواطنون إلى تخزين الوقود تحسبًا من استهداف المصافي.

يقدر الاستهلاك اليومي للبنزين في محافظتي طهران والبرز بنحو 22 مليون لتر، فيما يتراوح استهلاك الديزل بين 12 و18 مليون لتر يوميًا. بعد الهجمات، قررت الحكومة خفض الحصة اليومية للبنزين لكل سيارة في طهران من 30 لترًا إلى 20 لترًا بشكل مؤقت.

انهيار الخدمات المالية والتجارة الخارجية

تتفاقم المؤشرات السلبية مع دخول الحرب أسبوعها الخامس. أفادت تقارير من مدن إيرانية بأن العديد من أجهزة الصراف الآلي باتت خارج الخدمة، فيما تشهد خدمات المصارف الإلكترونية انقطاعات متكررة. قطع الاتصال بالإنترنت الدولي لدواعٍ أمنية منذ اليوم الأول للحرب أثر سلبًا على الشركات ذات الارتباطات الخارجية والأعمال التجارية التي تعتمد على المبيعات إلكترونيًا.

توقفت التجارة الخارجية الإيرانية إلى حد كبير خصوصًا في مجال النقل البحري والجوي، ولا تزال بورصة طهران مغلقة منذ بداية الحرب حتى الآن. يأتي ذلك في وقت كان فيه الاقتصاد الإيراني يعاني أصلًا ركودًا تضخميًا مزمنًا.

الأدوية.. معاناة إنسانية متصاعدة

لم تقتصر التداعيات على ارتفاع الأسعار، بل شملت ندرة المواد الحيوية. رغم أن الأدوية والمواد الغذائية مستثناة نظريًا من العقوبات، إلا أن القيود المفروضة على النظام المالي والتجاري أدت إلى نقص الأدوية وارتفاع أسعارها، بما في ذلك أدوية السرطان والأمراض المزمنة.

المشكلة لا تكمن في حظر استيراد الأدوية بحد ذاته، بل في صعوبة تنفيذ عمليات الدفع. تتردد الشركات الأجنبية في التعامل مع إيران بسبب القيود المصرفية وتعقيدات التحويلات المالية، ما يجعل تأمين الأدوية أكثر كلفة وتعقيدًا وأحيانًا غير ممكن عمليًا.

إسرائيل تنتقل إلى "الأهداف الاقتصادية"

بعد شهر من الحرب، أتم الجيش الإسرائيلي تقريبًا قصف جميع الأهداف العسكرية التي حددها في بداية الصراع. تلقى الآن أوامر من القيادة السياسية بالانتقال إلى ضرب أهداف "اقتصادية"، حيث تمر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بما وصفته بـ "مرحلة الاستكمال".

أمر وزير الدفاع يسرائيل كاتز الجيش بتنفيذ هجمات على أهداف توجه ضربات اقتصادية لإيران، شملت غارة على بنية تحتية رئيسية للغاز في جنوب البلاد وغارات على مصانع الصلب. هدفت إسرائيل في كلتا الحالتين إلى إلحاق ضرر اقتصادي جسيم بالاقتصاد الإيراني.

هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف مواقع الطاقة الإيرانية، مانحًا إيران مهلة حتى 6 أبريل للموافقة على مقترح أمريكي لإنهاء الحرب. وافقت إسرائيل على تعليق الضربات على البنية التحتية للطاقة مؤقتًا، لكنها تخطط لضربات إضافية مماثلة ضد أهداف اقتصادية تسبب أضرارًا للنظام.

صندوق النقد الدولي يحذر من "حالة عدم اليقين" العالمية

حذر صندوق النقد الدولي من أن الحرب في إيران تساهم في زيادة حالة عدم اليقين المحلية والعالمية، داعيًا واشنطن إلى اتخاذ "إجراءات حاسمة" لمعالجة اختلالاتها المالية ومراقبة مخاطر التضخم.

أعرب المجلس التنفيذي للصندوق عن قلقه إزاء زيادة حالة عدم اليقين المحلية والعالمية الناجمة عن التغييرات الكبيرة في السياسات والنزاع في الشرق الأوسط. شدد على ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة لمعالجة الاختلالات المالية ومراقبة مخاطر ارتفاع التضخم والضعف المالي.

أشار الصندوق أيضًا إلى أن الرسوم الجمركية الأمريكية سيكون لها تأثير سلبي كبير على الشركاء التجاريين لواشنطن، معربًا عن قلقه بشأن حجم واستدامة عجز الحساب الجاري لميزان المدفوعات الأمريكي.

مستقبل غامض

رغم أن الاقتصاد الإيراني لم يظهر حتى الآن مؤشرات أزمة حادة مثل نقص واسع في السلع، يبقى من المرجح أن يواجه خلال الفترة المقبلة تبعات اقتصادية كارثية. تحولت السياسات الإقليمية لإيران إلى موضع جدل اقتصادي داخلي متزايد، حيث يرى كثير من الإيرانيين المتضررين من الغلاء وتراجع المدخول أن تخصيص موارد لدعم حلفاء خارج الحدود جاء على حساب الإنفاق الداخلي في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية وتتراجع فرص العمل.

مع استمرار الحرب للشهر الثاني على التوالي، وتبادل الضربات الصاروخية والمسيرات، تزداد حالة عدم اليقين الاقتصادي عالميًا، فيما يبدو أن "اقتصاد المقاومة" الإيراني يترنح على حافة الانهيار الشامل.

رسم بياني: مقارنة التضخم في إيران قبل الحرب

المصادر

الوسوم

اقتصاد إيران | الحرب الأمريكية الإسرائيلية | التضخم في إيران | اقتصاد المقاومة | العقوبات على إيران

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد