الفاو تحذر من صدمة غذائية عالمية مع تصاعد حرب الشرق الأوسط

-- دقائق

الفاو تحذر من صدمة غذائية عالمية مع تصاعد حرب الشرق الأوسط

روما (خاص)
- أصدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) تحذيراً شديد اللهجة من أن أسعار الغذاء العالمية قد تشهد ارتفاعاً حاداً خلال الأشهر المقبلة إذا استمر الصراع العسكري في الشرق الأوسط، خاصة مع تبعاته المتزايدة على أسعار الطاقة والأسمدة العالمية.

أظهر مؤشر الفاو لأسعار الغذاء، الذي يتتبع التغيرات الشهرية في أسعار سلة من السلع الغذائية المتداولة عالمياً، ارتفاعاً ملحوظاً في شهر مارس 2026، حيث بلغ المتوسط 128.5 نقطة، مسجلاً زيادة بنسبة 2.4 في المائة مقارنة بشهر فبراير 2026، وهو أعلى مستوى يصل إليه المؤشر منذ سبتمبر 2025. ورغم هذا الارتفاع، يظل المؤشر أقل بنحو 20 في المائة من ذروته التاريخية التي سجلها في مارس 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

السلع ترتفع جماعياً

سجلت جميع مجموعات السلع الغذائية الرئيسية ارتفاعات في أسعارها خلال مارس الماضي. تصدرت مؤشرات الزيوت النباتية المشهد بارتفاع قياسي نسبته 5.1 في المائة، وهو الارتفاع الثالث على التوالي، حيث وصل سعر زيت النخيل إلى أعلى مستوياته منذ منتصف عام 2022، مدفوعاً بتأثيرات ارتفاع أسعار النفط الخام وتوقعات زيادة الطلب على الوقود الحيوي.

كما قفز مؤشر أسعار السكر بنسبة 7.2 في المائة، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ أكتوبر 2025، بفعل توقعات بأن توجه البرازيل، أكبر مصدر للسكر في العالم، كميات أكبر من قصب السكر نحو إنتاج الإيثانول بدلاً من السكر، استجابة لارتفاع أسعار النفط.

في سوق الحبوب، ارتفع المؤشر بنسبة 1.5 في المائة، مدفوعاً بزيادة أسعار القمح العالمية بنسبة 4.3 في المائة نتيجة تدهور توقعات المحاصيل في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب الجفاف، بالإضافة إلى توقعات بتقليص المساحات المزروعة في أستراليا بسبب ارتفاع تكاليف الأسمدة.

تحذيرات كبير الاقتصاديين في الفاو

حذر ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الفاو، من أن الارتفاعات الحالية في الأسعار ظلت معتدلة نسبياً حتى الآن، لكن المخاطر تتصاعد مع استمرار الصراع. وقال توريرو في بيان صحفي صادر عن المنظمة: "كانت ارتفاعات الأسعار منذ بدء الصراع معتدلة، ومدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع أسعار النفط، وخففت من وطأتها وفرة الإمدادات العالمية من حبوب".

لكن توريرو أضاف تحذيراً أكثر خطورة: "إذا استمر الصراع لأكثر من 40 يوماً، وظلت تكاليف المدخلات مرتفعة، فقد يقلل المزارعون من المدخلات أو يقلصون المساحات المزروعة أو يستبدلون المحاصيل بأخرى لا تعتمد كثيراً على الأسمدة". وأكد أن هذه الخيارات ستؤثر بشكل مباشر على المحاصيل في المستقبل، وستحدد إمداداتنا الغذائية وأسعار السلع الأساسية لبقية العام الحالي والعام المقبل بأكمله.

الفاو تحذر من صدمة غذائية عالمية مع تصاعد حرب الشرق الأوسط

أزمة مضيق هرمز والتأثيرات المتسلسلة

تفاقمت الأزمة مع توقف حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بنسبة تتجاوز 90 في المائة، وهو الممر الحيوي الذي يمر عبره نحو 35 في المائة من تدفقات النفط الخام العالمية، وخمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال، وما يصل إلى 30 في المائة من الأسمدة المتداولة دولياً.

أشار توريرو في إحاطة صحفية سابقة إلى أن هذه الأزمة ليست مجرد صدمة طاقوية، بل هي صدمة منهجية تؤثر على الأنظمة الغذائية الزراعية العالمية بأكملها. فالمنطقة الخليجية تورد نحو نصف التجارة العالمية من الكبريت، وهو مدخل حرج لإنتاج حمض الكبريتيك المستخدم في معالجة الصخور الفوسفاتية لإنتاج الأسمدة، مما يهدد بكسر سلسلة إمدادات الأسمدة الفوسفاتية عالمياً.

ارتفعت تكاليف الشحن بشكل جنوني، حيث قفزت أقساط تأمين مخاطر الحرب من 0.25 في المائة إلى 10 في المائة من قيمة السفينة، مع إعادة تحديد التغطية كل سبعة أيام. كما ارتفعت أسعار اليوريا (الأسمدة النيتروجينية) بنسبة 19 في المائة في أول أسبوع من مارس، بينما قفزت أسعار اليوريا المصرية بنسبة 28 في المائة.

الدول الأكثر عرضة للمخاطر

حددت الفاو قائمة بالدول الأكثر عرضة لتداعيات استمرار الأزمة، وتشمل سريلانكا التي تجري فيها حصاد الأرز، وبنجلاديش التي تعيش موسم الأرز الحرج، والهند التي تواجه انخفاضاً في إنتاج الأسمدة المحلية. كما تشمل القائمة مصر التي تعتمد بشكل كبير على واردات القمح، والسودان الذي يعاني أصلاً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بالإضافة إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء مثل الصومال وكينيا وتنزانيا وموزمبيق.

وتوقعت المنظمة أن ترتفع أسعار الأسمدة العالمية بمعدل 15 إلى 20 في المائة في النصف الأول من عام 2026 إذا استمرت الأزمة الحالية، مما سيضاعف الأعباء على المزارعين في جميع أنحاء العالم.

توقعات الإنتاج العالمي

في تقرير منفصل، رفعت الفاو تقديراتها لتوقعات إنتاج العالم من الحبوب لعام 2025 إلى مستوى غير مسبوق بلغ 3.036 مليار طن، بزيادة 5.8 في المائة على أساس سنوي، مما يعكس وفرة المعروض العالمي الحالية التي ساعدت في تخفيف وطأة الصدمة الحالية.

لكن المنظمة حذرت من أن هذه الوفرة قد لا تستمر إذا اتخذ المزارعون قرارات بتقليص المساحات المزروعة أو تغيير نوعية المحاصيل بسبب ارتفاع التكاليف. ويشير خبراء الاقتصاد الزراعي إلى أن استخدام الأسمدة يتبع استجابة غير خطية للمحصول، مما يعني أن تخفيضات طفيفة في استخدام الأسمدة قد تؤدي إلى انخفاضات كبيرة في الغلات، خاصة في المناطق التي تستخدم بالفعل كميات منخفضة نسبياً من الأسمدة.

توصيات عاجلة

دعت الفاو إلى اتخاذ إجراءات دولية عاجلة ومنسقة، تتضمن إنشاء ممرات تجارية بديلة، وتقديم دعم مالي طارئ للدول المعتمدة على الواردات، وضمان وصول المزارعين إلى الائتمان. وفي الأجل المتوسط، أوصت المنظمة بتنويع مصادر استيراد الأسمدة وتعزيز الاحتياطيات الإقليمية وتجنب قيود التصدير.

وفي المدى الطويل، شددت المنظمة على ضرورة الاستثمار في الزراعة المستدامة وكفاءة المدخلات، وتوسيع استخدام تقنيات الأسمدة البديلة مثل الأمونيا الخضراء، والتعامل مع الأنظمة الغذائية كبنية تحتية استراتيجية حيوية.

يبقى السؤال المطروح الآن هو: هل ستتمكن المجتمعة الدولية من احتواء هذه الأزمة قبل مرور 40 يوماً الحرجة، أم سنشهد موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء العالمية تضيف عبئاً جديداً على ملايين الأسر حول العالم؟

المصادر:

الوسوم

أسعار الغذاء العالمية | الحرب في الشرق الأوسط | مضيق هرمز | أسعار الطاقة | الأسمدة العالمية

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد