BP تضخ 140 مليون قدم مكعب يومياً في شبكة الغاز المصرية يوليو المقبل.. ما تأثير ذلك على المواطن؟

-- دقائق
BP تضخ 140 مليون قدم مكعب يومياً في شبكة الغاز المصرية يوليو المقبل.. ما تأثير ذلك على المواطن؟

مقدمة: استثمار استراتيجي في توقيت حرج

تخطط شركة "بي بي" (BP) البريطانية لإضافة 140 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً إلى الإنتاج المحلي في مصر بدءاً من يوليو 2026، وذلك عبر مشروعين رئيسيين في مناطق امتياز الشركة بالمياه العميقة بشرق وغرب دلتا النيل بالبحر المتوسط. هذا الإعلان يأتي في لحظة فارقة تشهد فيها مصر تحديات حقيقية في مجال الطاقة، حيث تراجع الإنتاج المحلي من الغاز منذ عام 2021 بسبب مشاكل تقنية في حقل "ظهر" ومستحقات متأخرة لشركات البترول الأجنبية.

الاستثمار البالغ 160 مليون دولار يُعد جزءاً من خطة أكبر تستهدف رفع إنتاج مصر من الغاز إلى 6.6 مليار قدم مكعب يومياً بحلول 2027، بزيادة تناهز 60% عن المعدلات الحالية البالغة نحو 4.1 مليار قدم مكعب يومياً.

تفاصيل المشروعين الجديدين

مشروع غرب دلتا النيل: 100 مليون قدم مكعب يومياً

يستحوذ مشروع "غرب دلتا النيل" على الحصة الأكبر من الإضافة الإنتاجية الجديدة، حيث سيضيف نحو 100 مليون قدم مكعب يومياً. يُعد هذا المشروع من أهم المشروعات الاستراتيجية في قطاع الغاز المصري، إذ يشمل تطوير خمسة حقول للغاز والمكثفات في مناطق امتياز "شمال الإسكندرية" و"غرب المتوسط العميق".

بدأ الإنتاج من المرحلة الأولى للمشروع (حقول توروس وليبرا) في مارس 2017، ويُنتج حالياً نحو مليار قدم مكعب يومياً من الحقول المختلفة. أما المرحلة الثانية التي تضم حقول "الجيزة" و"الفيوم" و"رافن"، فقد بدأ تشغيلها تدريجياً منذ 2019.

بئر تورت-6: 40 مليون قدم مكعب + 1750 برميل مكثفات

يأتي الباقي من الإنتاج الجديد من البئر "تورت-6" بحقل تورت شمال دمياط، والذي سيضيف 40 مليون قدم مكعب يومياً بالإضافة إلى 1750 برميل مكثفات يومياً. هذا البئر جزء من حقل "تورت" الذي يُعد من الحقول الإضافية التي تسهم في تعويض التراجع الطبيعي للإنتاج من الحقول القائمة.

BP تضخ 140 مليون قدم مكعب يومياً في شبكة الغاز المصرية يوليو المقبل.. ما تأثير ذلك على المواطن؟

الوضع الحالي: فجوة طاقة تستدعي الإجراء

فجوة الإنتاج والاستهلاك

تواجه مصر حالياً عجزاً واضحاً بين الإنتاج والاستهلاك. ينتج مصر نحو 4.1 مليار قدم مكعب يومياً، بينما يبلغ الطلب المحلي نحو 6.2 مليار قدم مكعب يومياً، ويرتفع إلى 7.2 مليار قدم خلال أشهر الصيف مع زيادة استخدام المكيفات. هذا العجز البالغ نحو 2.1 مليار قدم مكعب يومياً يُغطى عبر واردات الغاز الطبيعي المسال (LNG) والغاز الإسرائيلي عبر خط أنابيب "أريش-أشدود".

أزمة الكهرباء والتأثير على المواطنين

الاعتماد المتزايد على واردات الغاز أدى إلى أزمة كهرباء حقيقية في السنوات الأخيرة. في صيف 2023 و2024، عانت الأسر المصرية من انقطاعات كهرباء متكررة استمرت ساعات طويلة، خاصة خلال موجات الحر الشديد. محطات الكهرباء في مصر تعتمد على الغاز لتوليد 80-85% من الطاقة الكهربائية، مما يجعل أي خلل في إمدادات الغاز يترجم فوراً إلى انقطاعات كهرباء.

في مارس 2026، فرضت الحكومة إجراءات تقشفية صارمة لتوفير الطاقة، منها إغلاق المحال التجارية والمطاعم في التاسعة مساءً، وتخفيض إنارة الشوارع، وإلغاء الإضاءة الزخرفية. كما ارتفعت أسعار الوقود بنسبة 15% للبنزين و17% للديزل و22% لأسطوانات الغاز المنزلي.

تكلفة الواردات: ضغط على الموارد المالية

سجلت مصر رقماً قياسياً في واردات الغاز الطبيعي المسال عام 2025، حيث استوردت 9.01 مليون طن متري (129 شحنة). بلغت تكلفة واردات الطاقة في مارس 2026 نحو 2.5 مليار دولار، مقارنة بـ 1.2 مليار دولار في يناير، بزيادة 110% خلال شهرين فقط.

الحوافز الحكومية: استعادة الثقة

سداد المستحقات المتأخرة

أدركت الحكومة المصرية أن تراكم المديونيات لشركات البترول الأجنبية كان السبب الرئيسي لتباطؤ الاستثمارات وتراجع الإنتاج. سددت مصر نحو 5 مليارات دولار من أصل 6.1 مليار دولار مستحقات متأخرة في 2024-2025، مما ساعد في استعادة ثقة المستثمرين.

حوافز جديدة للشركات الأجنبية

قدمت مصر حوافز جديدة لتشجيع الشركات على زيادة الإنتاج، من بينها السماح بتصدير حصة من الإنتاج الجديد لاستخدام عائداتها في سداد المستحقات، بالإضافة إلى رفع سعر حصة الشركات من الإنتاج الجديد. كما تم تبني معامل الربحية (R-Factor) في العقود الجديدة، مما يمنح الشركات المشغلة نسبة أكبر من الإنتاج في المراحل الأولى لاسترداد تكاليفها.

تأثير الإضافة الجديدة على المواطن العادي

1. استقرار الكهرباء وتقليل الانقطاعات

الإضافة البالغة 140 مليون قدم مكعب يومياً تمثل نحو 3.4% من إجمالي الاستهلاك الحالي. قد يبدو الرقم متواضعاً، لكنه يأتي ضمن سلسلة إضافات متتالية. ففي نوفمبر 2025، أضافت BP بالفعل 80 مليون قدم مكعب يومياً عبر بئر RW5. كما أعلنت BP عن بدء الإنتاج من المرحلة الثانية لحقل "رافن" في فبراير 2025، والتي تضيف نحو 220 مليار قدم مكعب من الغاز على مدى عمر الحقل.

مع تجميع هذه الإضافات، يمكن أن تصل الزيادة الإجمالية في الإنتاج إلى 500-700 مليون قدم مكعب يومياً خلال 2026، مما يساعد في سد جزء كبير من الفجوة الحالية وتقليل الاعتماد على الواردات المكلفة.

2. ضغط أقل على أسعار الطاقة

كل مليون قدم مكعب من الغاز المستورد يكلف مصر أكثر بكثير من الإنتاج المحلي. الواردات الإسرائيلية تكلف نحو نصف سعر واردات الغاز المسال، لكنها تظل أغلى من الإنتاج المحلي. زيادة الإنتاج المحلي تُقلل من فاتورة الواردات وتخفف الضغط على سعر الصرف والموازنة العامة، وهو ما ينعكس في النهاية على استقرار أسعار الكهرباء والوقود للمستهلك.

3. فرص عمل ونمو اقتصادي

مشروعات الغاز البحرية توفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. في مشروع غرب دلتا النيل وحده، عمل أكثر من 7000 عامل محلي و300 مهني في مرحلة الإنشاء. الاستثمارات الجديدة تُحفز النشاط الاقتصادي في قطاعات متعددة، من الهندسة والبناء إلى النقل والخدمات اللوجستية.

4. عودة مصر كمصدر للغاز

إذا نجحت مصر في رفع إنتاجها إلى 6.6 مليار قدم مكعب يومياً بحلول 2027، فستتجاوز معدلات الاستهلاك المتوقعة (نحو 6.8 مليار قدم مكعب) وتعود كدولة مصدرة للغاز. هذا يعني إيرادات بالعملة الصعبة تُحسن من قدرة البلاد على استيراد السلع الأساسية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

التحديات المستمرة

  • الاعتماد على الغاز الإسرائيلي: مصر تستورد 15-20% من احتياجاتها من الغاز من إسرائيل، مما يجعلها عرضة للاضطرابات السياسية والأمنية. توقفت الصادرات الإسرائيلية في فبراير 2026 بسبب الحرب، مما أدى إلى أزمة طاقة حادة.
  • مشاكل تقنية في حقول قائمة: حقل "ظهر"، الذي كان يُنتج 2.7 مليار قدم مكعب يومياً، انخفض إنتاجه إلى 1.9-2 مليار بسبب مشاكل تسرب المياه.
  • حاجة لاستثمارات ضخمة: تخطط مصر لحفر 14 بئراً استكشافية في 2026 لتقييم احتياطيات 12 تريليون قدم مكعب، وهو ما يتطلب استثمارات تتجاوز 5.7 مليار دولار.

الخلاصة

إضافة 140 مليون قدم مكعب يومياً من BP يوليو المقبل ليست مجرد رقم تقني، بل خطوة عملية نحو استقرار الطاقة في مصر. المواطن المصري الذي عانى من انقطاعات الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود سيشعر بالتأثير الإيجابي تدريجياً مع تراكم الإضافات الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الواردات المكلفة.

لكن الطريق لا يزال طويلاً. مصر تحتاج إلى زيادة إنتاجها بنحو 2.5 مليار قدم مكعب يومياً لتغطية احتياجاتها الصيفية وتحقيق الاكتفاء الذاتي. مشروع BP الجديد يُعد بداية جيدة، لكن النجاح يتطلب استمرار سداد المستحقات، وتقديم المزيد من الحوافز، واستقرار بيئة الاستثمار.

المصادر

الوسوم

الغاز في مصر | إنتاج الغاز 2026 | أزمة الكهرباء مصر | أسعار الطاقة | شركة BP في مصر

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد