الإنترنت تحت الماء رهينة الجغرافيا: ماذا يعني تهديد هرمز والبحر الأحمر للرقمنة؟

-- دقائق
الشرق الأوسط

خبير مصري يرى الضرر مؤقتاً يُحسم خلال ساعات، بينما تُظهر حوادث الماضي أن الإصلاح يستغرق شهوراً — والفارق بين الرؤيتين هو جوهر القصة

الإنترنت تحت الماء رهينة الجغرافيا: ماذا يعني تهديد هرمز والبحر الأحمر للرقمنة؟

حين يتحدث مسؤول أو خبير عن كابلات الإنترنت البحرية، فإنه يتحدث عن أشياء لا يراها أحد: خيوط ألياف ضوئية ترقد على قاع البحر بعمق يتراوح بين عشرات الأمتار وآلاف منها. لكن هذه الخيوط تحمل الجزء الأكبر من حركة البيانات بين القارات، ولذلك يصبح الحديث عنها، في زمن الحرب، حديثاً عن الاقتصاد والمعاملات المصرفية وحياة الناس اليومية.

قال المهندس محمد عزام، خبير تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «على مسئوليتي» على قناة «صدى البلد»، إن أي استهداف لكابلات الإنترنت البحرية سيُحدث اختناقات مرورية للبيانات، وإن المنظومة العالمية قادرة على إيجاد بدائل، مع «بطء مؤقت» في الخدمات. تصوير منطقي في شقه الأول، لكن الشق الثاني يحتاج اختباراً أمام السجل الفعلي للحوادث، وهو ما تكشفه الأرقام أدناه.

ممرّان ضيقان يحملان معظم الإنترنت

تمر الكابلات الرابطة بين آسيا وأوروبا عبر مضيقين رئيسيين: مضيق هرمز الذي يربط الخليج بالمحيط الهندي، ومضيق باب المندب ثم البحر الأحمر الذي يصل إلى قناة السويس. ويتعامل تقرير لمجلس الأطلسي (GMF) مع الخليج والبحر الأحمر بوصفهما «نقطتي اختناق رقمية»، ويقول إن هذا التركيز يخلق نقطة ضعف مزدوجة في وقت واحد.

17 كابلاً بحرياً تعبر البحر الأحمر
17–18% من حركة الإنترنت العالمية تمر عبر كابلات البحر الأحمر
90%+ من السعة المباشرة بين أوروبا وآسيا تمر عبر البحر الأحمر (TeleGeography)

فرق يغيّر القراءة

النسبتان لا تقيسان الشيء نفسه. الأولى حصة من الحركة العالمية كلها، والثانية حصة من الاتصال المباشر بين أوروبا وآسيا. لذلك تبدو الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر أكبر كثيراً عند قياسها بالمسار المباشر منها عند قياسها بإجمالي الإنترنت العالمي.

هرمز: أرقام تتصارع داخل الخريطة

يمر من مضيق هرمز ما يُعد عادة ثلاثة كابلات نشطة بحسب أحدث تحليل لشركة TeleGeography المتخصصة في خرائط الكابلات، وتشمل كابلي FALCON وAAE-1. في المقابل، تتداول وسائل إعلام إيرانية رقم سبعة كابلات، وهو رقم يقدّم التهديد بوصفه أوسع بكثير مما تُظهره الخرائط المرجعية. وتتعامل الوكالات مع هذا الرقم بوصفه تقديراً إيرانياً لا معطى مستقلاً.

عدد الكابلات النشطة في مضيق هرمز: مقارنة بين تحليل مرجعي وتقدير إيراني

المصدر: TeleGeography كما ترد في تغطية الجزيرة نت، وتقدير متداول من الإعلام الإيراني

​

تباين لم يُحسم

لم نتمكن من التحقق المستقل من رقم السبعة كابلات، ولا من الجهة التي أحصته. الاختلاف بين 3 و7 قد يعود إلى الفرق بين الكابلات النشطة والمخطط لها أو المارة قرب المضيق، وهو فرق يغيّر حجم التهديد كثيراً.

"أي استهداف لكابلات الإنترنت البحرية ينذر بتداعيات بالغة الخطورة." — محمد عزام، خبير تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي

تهديد بلا قطعة بعد: تسلسل الإنذارات

لم يقع استهداف متعمد للكابلات حتى تحليل GMF الصادر في مارس 2026، لكن التهديد تحوّل منذ ذلك الحين إلى أداة ضغط متعددة الأشكال. الخط الزمني التالي يجمع الوقائع المؤكدة مع الإنذارات المعلنة:

  • 2024 — البحر الأحمر

    سفينة تجرّ مرساتها وتقطع الكابلات

    انجرفت سفينة استهدفتها جماعة أنصار الله (الحوثيون) وجرّت مرساتها على قاع البحر، فقطعت عدة كابلات قبل أن تغرق. الحادث وقع عرضاً لا بقصد مباشر، لكنه كشف هشاشة الممر.

  • سبتمبر 2025 — قرب جدة

    قطع كابلين وتباطؤ في الإنترنت

    أدى قطع كابلين إلى تباطؤ الوصول إلى الإنترنت في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

  • 28 مارس 2026 — هرمز

    تحذير من الحرس الثوري الإيراني

    أعلن الحرس الثوري أن البنية التحتية للكابلات في هرمز والبحر الأحمر «لن تُستثنى» من الاستهداف، بحسب تقارير إعلامية متداولة.

  • مايو 2026 — هرمز

    اقتراح فرض رسوم على الكابلات

    تداولت وسائل إعلام إيرانية فكرة تحصيل رسوم من مشغّلي الكابلات مقابل ما تسميه طهران «مياهها الإقليمية»، وهي خطوة تُقرأ بوصفها إشارة إلى القدرة والنية معاً.

  • أكتوبر 2026 — الخليج

    تهديد مراكز البيانات والكابلات معاً

    حذّرت إيران من استهداف الكابلات ومراكز البيانات في الخليج، بالتزامن مع سيطرة الحوثيين على أجزاء من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر.

ما يلفت في هذا الخط الزمني أن التهديد يتراكم دون أن يتحول إلى قطع فعلي موثّق بقصد. وهذا بالضبط ما يجعله أداة ضغط: كلفة التهديد وحدها ترفع أقساط التأمين على الكابلات وتُعيد توجيه المشغّلين، كما أشارت تقارير إلى أن Google وMeta فعّلتا خطط إعادة توجيه احتياطية.

لماذا تُقاس المدة بالشهور لا بالساعات؟

يقوم حجة الخبير المصري على أن الشبكة مصممة بمسارات احتياطية وأقمار صناعية، وأن الضغط المؤقت على المسارات الأخرى يُعالج خلال ساعات. وهذا التصور صحيح في جوهره: لا يوجد كابل واحد يقطع الإنترنت عن العالم عند تلفه. لكن التجربة الميدانية تضيّق الفكرة. فإصلاح الكابلات يحتاج سفناً متخصصة وتصاريح ومسحاً للقاع، وتقارير متداولة تذكر أن إصلاح كابلات البحر الأحمر عام 2024 استغرق أشهراً، وأن كابلاً قُطع في سبتمبر 2025 لم يعد للخدمة بحسب بعض التقارير.

فجوة بين الوعد والسجل

الوعد بإصلاح «خلال ساعات» لا يتسق مع سجل الحوادث المتاح. مدة الإصلاح الدقيقة في حادثة 2024 تستند إلى تقارير ثانوية متفاوتة، ولم نتمكن من الوصول إلى بيان فني رسمي من المشغّلين يحدد المدة بدقة. لذلك نعتبر الشهور تقديراً مرجحاً لا معطى مؤكداً.

ثلاثة سيناريوهات للكلفة الرقمية

السيناريو ما يُصيب المدى المتوقع
قطع في هرمز وحده شبكات الخليج وإيران نفسها تباطؤ إقليمي محدود، مع إمكان بقاء الاتصال بين أوروبا وآسيا
قطع في البحر الأحمر أكثر من 90% من السعة المباشرة بين أوروبا وآسيا اختناق واسع ومدة إصلاح تُقاس بالشهور في التقديرات المتداولة
قطع متزامن في الممرين الشبكة الرابطة بين القارات الثلاث صدمة مركّبة تتجاوز الإنترنت لتصل إلى المعاملات المالية والطاقة

الموقع المصري في هذه المعادلة ليس هامشياً. فقناة السويس تجمع المسارين معاً، لذلك أي اضطراب في البحر الأحمر لا يصيب شركات الاتصالات الإقليمية فقط، بل يضع على الطاولة سؤال المرونة في البنية الوطنية نفسها. هذا استنتاج تحليلي لا تقرير عن إجراءات محددة، لكنه يفسر لماذا تتابع الدوائر التقنية هذا الملف بالقدر نفسه الذي تتابع به الملاحة.

من يخسر أكثر حين يُقطع الخيط الأول؟

الحجة الأشهر في الخطاب الإيراني، كما يلخصها الخبير المصري، أن أي ضرر سيصيب إيران أولاً. وهذا ممكن منطقياً، لأن الاتصال الإيراني يعتمد جزئياً على كابلات تمر في المنطقة نفسها. لكن الأثر لا يتوزع بالتساوي: الخليج والمنطقة المحيطة بهرمز يتأثران مباشرة، والعالم يتأثر بطريقة غير مباشرة عبر التكلفة والتأخير. الخاسر الأكبر في النهاية هو من يعتمد على اتصال مستقر لكل شيء تقريباً، من البنوك إلى الإنتاج الصناعي.

وحين تُضاف الخسارة الاقتصادية إلى التكلفة الأمنية، تبدو الكابلات أقل شبهاً بقنبلة ذرية ومزيداً شبهاً بخطر تراكمي ينمو دون ضجيج. وهنا بالضبط يخطئ التشبيه الذي استخدمه المتحدث في الحلقة، إذ يضخّم الصدمة الفورية بينما يهمل ما يسمى بالتآكل التدريجي، وهو الأخطر لأنه لا يُعلن عن نفسه.

السؤال الذي لا تجيب عنه الحلقات التلفزيونية هو: كم من الوقت يحتمله الاقتصاد الرقمي قبل أن تتحول الأضرار المؤقتة إلى كلفة دائمة؟ الكابلات تحت الماء لا تُقاس بالساعات حين تتعطل، بل بالشهور حين تُصلح، وبالسنوات حين يُعاد بناء الثقة في الممر نفسه.

المصادر:

  1. مصراوي: خبير تكنولوجيا يتحدث عن استهداف الكابلات البحرية (21 أكتوبر 2026)
  2. الجزيرة نت: ماذا إن قطعت إيران الكابلات البحرية (20 أكتوبر 2026)
  3. Al Jazeera: Iran threatens Gulf data centres (13 أكتوبر 2026) — (تغطية مع بيانات TeleGeography)
  4. GMF: Stuck in Hostile Waters (19 مارس 2026)
  5. الجزيرة نت: كابلات نقل الإنترنت عصبونات العالم الرقمي (19 مايو 2026)

الوسوم

الكابلات البحرية | مضيق هرمز | البحر الأحمر | استهداف الإنترنت | أمن البنية التحتية الرقمية

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

مفاوضات مصر والسعودية لتجديد ودائع بـ5.3 مليار دولار.. ماذا يعني الاتفاق للاحتياطي والديون؟

الممر البري الإسرائيلي ومنافسة قناة السويس.. هل يغير مشروع آيمك خريطة التجارة بين الخليج وأوروبا؟

البرلمان المصري يؤجل حسم إرسال قوات لدعم السعودية.. ماذا تعني الامتناعات الثلاثة وشرط الثلثين؟