العشرة الكبار: كيف يشكل السكان مستقبل الاقتصاد العالمي؟
عندما ينظر المرء إلى خريطة العالم، يدرك بسرعة أن البشرية تتركز في بقع محددة من الكرة الأرضية. فأقل من عشر دول تحتضن أكثر من نصف سكان العالم، وهذا التجمع الهائل يحدد مسار الاقتصاد العالمي ويصنع مستقبل التنمية البشرية. في هذا التقرير، نستعرض أكبر عشر دول من حيث عدد السكان، ونحلل كيف يؤثر حجم السكان على معدلات التنمية الاقتصادية، وما إذا كان العدد الكبير نعمة أم نقمة.
الهند: العملاق الصاعد بقوة الشباب
تتصدر الهند قائمة أكبر دول العالم سكانا بفارق متزايد عن الصين، حيث يبلغ عدد سكانها نحو 1.47 مليار نسمة، محققة نحو 18% من سكان العالم. ما يميز الهند هو هرمها السكاني الشاب، إذ يتراوح عمر أكثر من ربع سكانها بين 10 و26 عاما، مما يجعلها تمتلك أكبر قوة عاملة شابة في التاريخ.
من الناحية الاقتصادية، تشهد الهند نموا لافتا، حيث تخطت اليابان لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم، مع ناتج محلي إجمالي يبلغ نحو 4.18 تريليون دولار. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل ناتجها المحلي إلى 4.51 تريليون دولار في 2026، متفوقة على اليابان التي يبلغ ناتجها 4.46 تريليون دولار. ويعد الاقتصاد الهندي الأعلى نموا بين الاقتصادات الكبرى، بنسبة 7% في 2024.
لكن التحدي الأكبر يكمن في توظيف هذه الأعداد الهائلة. فنصيب الفرد من الناتج المحلي لا يزال ضعيفا، حيث يبلغ نحو 2694 دولارا فقط، وهو أقل بـ12 مرة من نظيره في اليابان. وهنا يبرز السؤال المحوري: هل تستطيع الهند تحويل كثافتها السكانية إلى دفعة تنموية، أم ستتحول إلى عبء اجتماعي؟
الصين: العملاق الذي يشيخ
تحتل الصين المرتبة الثانية بـ1.41 مليار نسمة، لكنها تشهد ظاهرة تاريخية هي انكماش السكان للمرة الأولى منذ عقود، بمعدل نمو سلبي يبلغ -0.22%. يعود ذلك إلى سياسة الطفل الواحد السابقة وارتفاع تكاليف المعيشة، مما أدى إلى شيخوخة مجتمعية سريعة.
اقتصاديا، تظل الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي يبلغ 18.27 تريليون دولار، لكن معدل نموها تباطأ إلى 4.8% في 2024. ويرى البنك الدولي أن النمو سيستمر في التراجع إلى 4.5% في 2025، بفعل ضعف ثقة المستهلكين وتحديات قطاع العقارات.
المشكلة الأكبر تكمن في أن الصين تكبر في السن قبل أن تصبح غنية. فنسبة كبار السن ترتفع بسرعة، مما يضع ضغوطا هائلة على أنظمة التأمين الصحي والمعاشات التقاعدية. وهنا تبرز الحقيقة المؤلمة: العملاق الاقتصادي قد يفقد قوته الدافعة بسبب تراجع عدد السكان العاملين.
الولايات المتحدة: استقرار نادر في عالم متغير
تحتل الولايات المتحدة المرتبة الثالثة بـ349 مليون نسمة، وهي الدولة المتقدمة الوحيدة التي تحافظ على نمو سكاني مستقر يبلغ 0.51%. السر يكمن في الهجرة المستمرة التي تعوض انخفاض معدلات المواليد الطبيعية.
اقتصاديا، تظل الولايات المتحدة في المرتبة الأولى عالميا بناتج محلي يبلغ 29.17 تريليون دولار، ونمو متوقع يبلغ 2.8% في 2024. يتميز الاقتصاد الأمريكي بالتنوع والمرونة، مع قطاعات قوية في التكنولوجيا والخدمات والتمويل.
الهجرة هنا ليست مجرد رقم إحصائي، بل هي استراتيجية اقتصادية. فالعمالة المهاجرة تملأ الفجوات في سوق العمل، وتدعم النمو السكاني، وتحافظ على ديناميكية الاقتصاد. وهذا الدرس يجب أن تستفيد منه الدول الأخرى.
إندونيسيا وباكستان: قوى العمل الآسيوية الناشئة
تحتل إندونيسيا المرتبة الرابعة بـ287 مليون نسمة، وبنمو سكاني يبلغ 0.76%. تمتلك إندونيسيا اقتصادا يتجاوز تريليون دولار، وتستفيد من موقعها الاستراتيجي وقاعدتها السكانية الشابة.
أما باكستان فتأتي في المرتبة الخامسة بـ259 مليون نسمة، وتسجل واحدا من أعلى معدلات النمو السكاني في آسيا بنسبة 1.6% سنويا. هذا الانفجار السكاني يضع تحديات كبيرة أمام البنية التحتية والخدمات، لكنه يوفر ثروة بشرية شابة قادرة على دفع عجلة التنمية إذا تم استثمارها بالشكل الأمثل.
لكن باكستان تواجه معضلة مالتوسية واضحة. فالاعتماد الكبير على الزراعة يعني أن الزيادة السكانية تؤدي إلى تناقص الأراضي الزراعية للفرد، وتراجع الإنتاجية، وزيادة الفقر. وقد ارتفع معامل جيني لعدم المساواة من 0.35 في 1988 إلى 0.41 في 2005، مما يعكس تفاقم الفجوة بين الفقراء والأغنياء.
نيجيريا وإثيوبيا: الصعود الأفريقي السريع
تمثل نيجيريا القوة السكانية الأولى في أفريقيا بـ242 مليون نسمة، وتنمو بأكثر من 2% سنويا. أما إثيوبيا فتغلق القائمة بـ138 مليون نسمة، لكنها تسجل أعلى معدل نمو سكاني بين العشرة الكبار، يصل إلى 2.53%.
تشكل هذه الدول مثالا على التحدي الأفريقي: نمو سكاني سريع دون بنية تحتية كافية. فالدول الأفريقية تضيف 700 مليون نسمة في 25 عاما، وهذا النمو يجعل تحقيق أهداف التنمية المستدامة أكثر صعوبة. ففي أكثر من ثلاثة أرباع الدول الأفريقية، نصف السكان لا يحصلون على مياه نظيفة.
لكن هناك أمل. فإثيوبيا حققت نموا اقتصاديا يقدر بنحو 7.2% في السنة المالية 2022-2023، وهي من أسرع الاقتصادات نموا في العالم. وهذا يثبت أن النمو السكاني السريع يمكن أن يتحول إلى دفعة تنموية إذا توافرت الإرادة السياسية والاستثمارات الصحيحة.
العلاقة بين السكان والتنمية: القاعدة الذهبية
يبدو أن هناك قاعدة ذهبية في العلاقة بين السكان والتنمية. في الدول النامية، يكون التأثير سلبيا عندما يتجاوز النمو السكاني قدرة الاقتصاد على استيعاب العمالة. فالموارد تتراجع للفرد، والاستثمارات تتشتت، والبنية التحتية تنهار تحت الضغط.
أما في الدول المتقدمة، فيتحول السكان إلى دافعة للنمو. فالكثافة السكانية تخفض تكاليف التنسيق، وتعزز الابتكار، وتخلق أسواقا ضخمة. وهذا ما يفسر لماذا تتفوق الولايات المتحدة والصين والهند اقتصاديا، رغم اختلاف مستويات تطورها.
الأمم المتحدة تحذر من أن النمو السكاني السريع يجعل تحقيق أهداف التنمية المستدامة أكثر صعوبة، خاصة فيما يتعلق بالقضاء على الجوع وضمان التعليم والرعاية الصحية للجميع. لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن تمكين المرأة وتعليمها يؤدي إلى انخفاض معدلات الخصوبة وتحسين الظروف الاقتصادية.
الخلاصة: السكان أداة.. والسياسة تحدد الاتجاه
لا يمكن الحكم على كثافة السكان بمعزل عن السياق الاقتصادي والسياسي. فالهند وباكستان ونيجيريا تمتلك فرصة التحول إلى اقتصادات كبرى بفضل شعوبها الشابة، لكن هذا يتطلب استثمارات ضخمة في التعليم والصحة والبنية التحتية.
أما الصين وروسيا فتواجهان تحدي الشيخوخة قبل الثراء، مما يهدد مكانتها الاقتصادية على المدى الطويل. والولايات المتحدة تقدم نموذجا في كيفية استغلال الهجرة لتعزيز النمو السكاني والاقتصادي.
الرسالة واضحة: السكان ليسوا عبئا أو نعمة بحد ذاتهم، بل هم أداة يحدد استخدامها السياسات الحكومية. والدول التي تستثمر في مواردها البشرية هي التي ستقود العالم في القرن الحادي والعشرين.
المصادر
-
البنك الدولي – بيانات السكان 2024
World Bank Population Data PDF -
سي إن بي سي عربية – من الهند إلى إثيوبيا.. أكبر 10 دول في العالم من حيث عدد السكان
CNBC Arabia -
العربي الجديد – أغنى 10 اقتصادات في العالم لسنة 2024
Al-Araby
الوسوم
أكبر دول العالم سكانا | عدد سكان العالم 2024 | ترتيب الدول حسب عدد السكان | أكبر اقتصاد في العالم | النمو السكاني والتنمية الاقتصادية
.jpg)

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار