الصين تخفض استثماراتها في سندات الخزانة الأمريكية: تحول استراتيجي يهدد استقرار الدولار
مقدمة: قرار مفاجئ يقلب الموازين
في خطوة اعتبرها محللون بداية لمرحلة جديدة من التوتر المالي العالمي، وجهت هيئات الرقابة المالية الصينية أوامر شفهية إلى المصارف التجارية الكبرى في البلاد بالتخلص من حصصها في سندات الخزانة الأمريكية ووقف أي مشتريات جديدة. هذا القرار الصادر في مطلع فبراير 2026 يأتي في توقيت حساس، قبل أسابيع فقط من لقاء مقرر بين الرئيسين الامريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ.
خلفية القرار: لماذا الآن؟
بحسب تقرير نشرته وكالة بلومبرج للانباء نقلا عن مصادر مطلعة، فان التوجيهات الصينية تركزت على مخاوف من "مخاطر التقلبات والتركز" في الاستثمارات الامريكية. المصارف التي تحتفظ بمستويات مرتفعة من هذه السندات تلقت تعليمات بالتخفيض التدريجي، بينما تم حث المؤسسات الاخرى على عدم زيادة تعرضها.
من المهم الاشارة الى ان هذا القرار لا يشمل الاحتياطيات الرسمية للدولة، بل يستهدف فقط المصارف التجارية التي كانت تملك سندات بقيمة 298 مليار دولار امريكي حتى سبتمبر 2025.
الارقام تتحدث: تراجع تاريخي
تشير البيانات الصادرة عن وزارة الخزانة الامريكية الى ان حيازات الصين من سندات الخزانة تراجعت الى 683 مليار دولار في نوفمبر 2025، وهو ادنى مستوى منذ عام 2008. هذا يمثل انخفاضا حادا من مستوى 767 مليار دولار في نوفمبر 2024، ويأتي ضمن اتجاه عام بدأ منذ عام 2013 عندما كانت الصين تملك اكثر من 1.3 تريليون دولار من هذه السندات.
المحلل شاو يو، كبير الاقتصاديين في مركز ابحاث الابتكار التكنولوجي بجامعة فودان، قال لصحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست ان "تراكم الديون الامريكية الهائل يشبه نظام بونزي، حيث يتم استخدام ديون جديدة اكبر لسداد القديمة. الصين لم تعد ترغب في المشاركة في هذه اللعبة."
البديل الاستراتيجي: الذهاب نحو الذهب
بالتوازي مع تقليص استثماراتها في السندات الامريكية، تتبع الصين سياسة تراكم الذهب بشكل متواصل. احتياطيات الذهب لدى بنك الشعب الصيني بلغت 74.15 مليون اونصة في ديسمبر 2025، مسجلة زيادة للشهر الرابع عشر على التوالي.
المحلل شي جون يانغ، استاذ في جامعة شنغهاي للمالية والاقتصاد، اوضح ان "تراجع حيازات الصين من سندات الخزانة الامريكية نتيجة لزيادة تحسين وتنويع الاصول الخارجية في السنوات الاخيرة، مما يساعد على تعزيز الامن والاستقرار العام للمحفظة."
التداعيات على الاقتصاد الامريكي
ارتفاع تكاليف الاقتراض
عندما تبيع الصين سندات الخزانة، يزداد المعروض من هذه السندات في السوق، مما يضطر الحكومة الامريكية لرفع العوائد (اسعار الفائدة) لجذب مشترين جدد. العائد على سندات الخزانة لاجل 10 سنوات ارتفع فورا بعد الاخبار الى 4.23%، مما يعني زيادة في تكلفة خدمة الدين الامريكي البالغ اكثر من 36 تريليون دولار.
ضغوط على الدولار
تراجع الدولار الامريكي بنسبة 0.2% مقابل العملات الرئيسية عقب الاخبار. كريس تورنر، رئيس قطاع الاسواق العالمية في بنك اي ان جي، لاحظ ان "الصين وهونغ كونغ معا يحتفظان بسندات خزانة امريكية بقيمة 938 مليار دولار حتى نوفمبر الماضي. مثل هذه التصريحات تأتي في وقت هش للدولار."
هل يمكن للصين ان تدمر الاقتصاد الامريكي؟
رغم حجم الاستثمارات الصينية الكبير، الا ان الخبراء يرون ان التأثير المباشر محدود. اليابان تتصدر قائمة المالكين الاجانب بحيازات تبلغ 1.2 تريليون دولار، تليها المملكة المتحدة بـ 888 مليار دولار. بالاضافة الى ذلك، يحتفظ المستثمرون المحليون في الولايات المتحدة بنحو 70-80% من اجمالي الدين الحكومي.
انيس ماكفي، الرئيس التنفيذي لاوكسفورد للاقتصاد، قال لمجلة فورتشن ان "القطاع الخاص على استعداد كبير لشراء سندات الخزانة. الحديث عن استخدام الصين لحيازاتها كسلاح ضد الولايات المتحدة ليس له مصداقية كبيرة."
سياق عالمي: دول البريكس تتبع النهج نفسه
ليست الصين وحدها التي تسحب استثماراتها. دول مجموعة البريكس تشهد جميعها تراجعا في حيازاتها:
- الهند: تراجعت من 234 مليار دولار الى 186.5 مليار دولار (انخفاض 20.3%)
- البرازيل: تراجعت من 229 مليار دولار الى 168 مليار دولار (انخفاض 26.6%)
هذا التحول يعكس قلقا متزايدا بشأن استدامة الديون الامريكية وسط ارتفاع عجز الموازنة والتوترات الجيوسياسية.
التوقيت السياسي: رسالة قبل القمة
يأتي القرار الصيني قبل اسابيع من زيارة الرئيس ترامب المتوقعة للقاء نظيره الصيني. بعض المحللين يرون في هذه الخطوة رسالة ضغط مبكرة، بينما يؤكد اخرون انها مجرد تنويع مالي بحت.
بول دونوفان، كبير الاقتصاديين في بنك يو بي اس، يرى ان "المصارف الصينية ليست لاعبا رئيسيا في سوق سندات الخزانة الامريكية. ومع ذلك، فان فكرة ان المستثمرين الدوليين قد يكونون اقل ميلا لشراء هذه السندات في المستقبل تحظى باهتمام الاسواق."
الخلاصة: نهاية عصر ام بداية تحول؟
لا يبدو ان الصين تسعى لمعاقبة الولايات المتحدة بشكل مباشر، بل تسعى لتقليل مخاطر محفظتها الاستثمارية في ظل تقلبات السوق. ومع ذلك، فان التراكم التدريجي لهذه الخطوة من قبل اكبر دائن للولايات المتحدة يثير اسئلة جوهرية حول مستقبل الدولار كعملة احتياط عالمية.
جيف يو، استراتيجي كبير في بنك نيويورك ميلون، يؤكد ان "لا يوجد بديل موثوق به كأصل احتياطي عالمي في الوقت الحالي. بياناتنا تشير الى ان 72% من تخصيصات السندات السيادية العالمية في سندات الخزانة الامريكية، مقابل 11% فقط لمنطقة اليورو."
يبقى السؤال المطروح: هل هذا بداية لاعادة تشكيل النظام المالي العالمي، ام مجرد تعديل مؤقت في استراتيجية استثمارية؟ الاجابة ستتحدد في الاشهر القادمة، وخاصة مع تطور العلاقات الامريكية-الصينية في عهد ترامب الثاني.
المصادر
-
Bloomberg: China Urges Banks to Limit Holdings of US Treasuries
-
Fortune: Investors are already nervy about international buyers backing away from US debt
-
NewsBytes: Why China has ordered banks to dump US Treasuries
الوسوم
سندات الخزانة الأمريكية | الصين والدولار | احتياطيات الصين | الديون الأمريكية | مستقبل الدولار


تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار