أمريكا تغرق في "ديون البارود": فوائد القروض تتجاوز ميزانية الدفاع وتوترات إيران تضاعف الفاتورة

-- دقائق

أمريكا تغرق في "ديون البارود": فوائد القروض تتجاوز ميزانية الدفاع وتوترات إيران تضاعف الفاتورة

كشف تحليل أجرته وكالة بلومبيرغ للأنباء ونشرته الجزيرة نت، استناداً إلى بيانات "مشروع تكاليف الحرب" بجامعة براون ومكتب الميزانية بالكونغرس، عن تحول تاريخي وخطير في الاقتصاد الأمريكي. فلأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، تتجاوز مدفوعات الفوائد على الديون الوطنية حجم الإنفاق الفعلي على وزارة الدفاع (البنتاغون)، مما يضع القوة العظمى أمام مأزق "حرب بطاقات الائتمان" التي مولت نزاعاتها الخارجية لعقود دون غطاء ضريبي حقيقي.

فخ الاستدانة: كيف وصلت واشنطن إلى هنا؟

تشير البيانات الصادرة هذا الشهر إلى أن الدين الوطني الأمريكي قفز إلى مستويات قياسية بلغت حوالي 38.5 تريليون دولار، ارتفاعاً من 3.7 تريليونات دولار (نحو 33% من الناتج المحلي الإجمالي) عند بداية حرب العراق عام 2003. واللافت في الأرقام ليس حجم الدين فحسب، بل تكلفة خدمته؛ حيث يتوقع المحللون أن تدفع الحكومة الأمريكية ما يقرب من تريليون دولار في عام 2026 فقط لتغطية فوائد هذه الديون.

يستحضر التقرير مقارنة تاريخية مفيدة للفهم. خلال الحرب العالمية الثانية، اختار الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت تمويل المجهود الحربي بشكل أساسي عبر الضرائب. كان الهدف واضحاً: تجنب تحميل الأجيال المقبلة أعباء مالية ثقيلة نتيجة قرارات سياسية اتخذها آباؤهم. هذا النهج يختلف اختلافاً جذرياً عن السياسة المتبعة حالياً، حيث تعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على الاقتراض لتمويل عملياتها العسكرية في الخارج.

ويصف الخبراء الاقتصاديون هذا النهج المعاصر بـ "حروب بطاقة الائتمان"، حيث يتم تأجيل الدفع للأجيال القادمة. لكن يبدو أن موعد الاستحقاق قد حان الآن مع ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً.

العامل الإيراني: نزيف مالي لا يتوقف

سلط التقرير الضوء بشكل خاص على الدور الذي تلعبه التوترات المتصاعدة مع طهران في استنزاف الخزينة الأمريكية. فمنذ أكتوبر 2023، ومع توسع رقعة الصراع في الشرق الأوسط ليشمل وكلاء إيران في المنطقة، أنفقت الولايات المتحدة مبالغ طائلة لا تندرج ضمن الميزانية الأساسية للدفاع.

وتشير التقديرات إلى الحقائق التالية:

  • أنفقت واشنطن نحو 34 مليار دولار في أقل من عامين ونصف على عمليات مرتبطة بالنزاعات التي تشمل أطرافاً مدعومة من طهران.
  • يكلف الانتشار العسكري الأمريكي الحالي لمواجهة التهديدات الإيرانية حوالي 30 مليون دولار يومياً، وهو رقم يعادل ميزانيات دول صغيرة.
  • في يونيو/حزيران 2025 وحده، أنفقت الولايات المتحدة ما لا يقل عن ملياري دولار على عمليات عسكرية ضد إيران وحلفائها.
  • عززت واشنطن وجودها العسكري في المنطقة بإرسال مجموعة حاملة طائرات إضافية قرب إيران، وتقدر كلفة هذا الانتشار بنحو 8 ملايين دولار يومياً، أي ما يعادل 2.9 مليار دولار سنوياً.

هذا الرقم لا يشمل العمليات القتالية الفعلية. التقرير يشير إلى أن هذه الأرقام قد تكون مجرد بداية. ففي حال اندلاع مواجهة عسكرية شاملة مع إيران، ستتضاعف هذه التكاليف بشكل كبير، خاصة مع الحاجة إلى تعبئة إضافية للقوات والمعدات والذخائر.

تطور مدفوعات الفوائد مقابل ميزانية الدفاع الأمريكية
المليارات (دولار)
358م
331م
530م
413م
690م
527م
895م
~1 ت
2001
2010
2020
2026
ميزانية الدفاع
فوائد الديون (2001-2020)
فوائد الديون 2026

المصدر: مكتب الميزانية بالكونغرس الأمريكي - مشروع تكاليف الحرب بجامعة براون

درس العراق: التقديرات تخدع والواقع يفاجئ

تبرز تجربة غزو العراق عام 2003 مثالاً صارخاً على فجوة التقديرات الأولية والواقع الفعلي. في ذلك الوقت، قدرت الإدارة الأمريكية كلفة الغزو بنحو 50 مليار دولار فقط. لكن التكاليف الفعلية ارتفعت بشكل مذهل لتصل إلى نحو 4.5 تريليونات دولار وفق الحسابات الأكاديمية.

مع احتساب مصاريف الرعاية الصحية للمحاربين القدامى على مدى عقود، وخدمة الدين العام المرتبط بتمويل الحرب، تصل الكلفة الإجمالية لحرب العراق وحدها إلى نحو 8 تريليونات دولار. هذا يعني أن التقدير الأولي كان أقل من الحقيقة بمئة وستين مرة تقريباً.

تكلفة الفرصة البديلة: ما الذي يخسره المواطن الأمريكي؟

لا تتوقف الخسائر عند الأرقام المجردة، بل تنعكس مباشرة على الداخل الأمريكي. يوضح التقرير أن الأموال التي تذهب لسداد فوائد ديون الحروب كانت يمكن أن تحدث ثورة في البنية التحتية والخدمات.

فعلى سبيل المثال، المبالغ التي تدفع كفوائد للديون حالياً تتجاوز ميزانيات التعليم الفيدرالي، والطرق، والبحث العلمي مجتمعة. هذا الوضع يقلل من قدرة الحكامة على الاستثمار في المستقبل أو مواجهة الأزمات الاقتصادية المحلية، حيث تذهب شريحة ضخمة من أموال دافعي الضرائب لسداد ديون حروب سابقة أو حالية بدلاً من تحسين جودة الحياة.

فواتير أخرى قد تضاف

لم يقتصر التقرير على الشرق الأوسط، بل تناول أيضاً الجدل الدائر حول فكرة فرض سيطرة أمريكية على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك. قدرت تقييمات داخلية أمريكية كلفة الاستحواذ المحتملة بما يصل إلى 700 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أرباع ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية سنوياً.

هذا المبلغ لا يشمل فقط ثمن الاستحواذ، بل أيضاً الالتزامات طويلة الأجل لإدارة شؤون الجزيرة واقتصادها وأمنها، وهو عبء مالي إضافي قد تتحمله الخزينة الأمريكية في وقت تتزايد فيه الضغوط على الميزانية الاتحادية.

وفي سياق آخر، أشار التقرير إلى كلفة الانتشار العسكري الأمريكي الأخير قبالة فنزويلا، والذي شمل نشر أكثر من 15 ألف عسكري ومجموعة حاملة طائرات تضم مدمرات وطرادات وطائرات حربية. تبلغ كلفة هذا الانتشار نحو 31 مليون دولار يومياً، وإذا استمر على هذا المستوى فإن الكلفة السنوية قد تتجاوز 11 مليار دولار.

مستقبل غامض

يختتم التقرير بتحذير من أن استمرار هذا النمط المالي، بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية مع قوى مثل الصين وإيران، قد يؤدي إلى تآكل الهيمنة الاقتصادية للدولار. فالاعتماد المفرط على الاستدانة يجعل الاقتصاد الأمريكي أكثر انكشافاً أمام الصدمات العالمية، ويجعل قرار خوض أي حرب جديدة في المستقبل مكلفاً لدرجة قد تعجز واشنطن عن تحملها مالياً، حتى لو امتلكت القوة العسكرية لذلك.

المؤشرات جميعها تدل على أن السياسة العسكرية الأمريكية الحالية تعتمد على تمويل مؤجل عبر القروض، مما يعني أن دافعي الضرائب الأمريكيين اليوم وأبناءهم سيتحملون فاتورة هذه الحروب على مدى عقود. هذا النهج يختلف اختلافاً جوهرياً عن مبادئ المسؤولية المالية التي كانت سائدة في الماضي.

المصادر:

  1. الجزيرة نت، "بلومبيرغ: كلفة حروب أمريكا تقارب 8 تريليونات دولار تمول بالقروض"، 17 فبراير 2026،

  2. جامعة براون: مشروع تكاليف الحرب، 

  3. مكتب الميزانية بالكونجرس الأمريكي، 

الوسوم

الاقتصاد الأمريكي | الدين العام | ميزانية الدفاع | الحروب الخارجية | فوائد الديون

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

مصر تترقب "زيادة غير اعتيادية".. هل يقفز الحد الأدنى للأجور إلى 9000 جنيه؟

الصين تفتح أسواقها للمنتجات الإفريقية: "صفر جمارك" لتعزيز الشراكة الاقتصادية

الصين تسرع توسيع ترسانتها النووية في حصون جبلية سرية