النفط يصعد نحو 70 دولاراً والدولار يتراجع: ثنائية السوق تكشف عن علاقة عكسية معقدة

--

تحليل اقتصادي شامل لحركة السلعتين الاستراتيجيتين في 11 فبراير 2026

النفط يصعد نحو 70 دولاراً والدولار يتراجع: ثنائية السوق تكشف عن علاقة عكسية معقدة

مقدمة: سيناريو متناقض يحكم الأسواق العالمية

شهدت الأسواق المالية العالمية في الحادي عشر من فبراير عام 2026 حركة متناقضة بين أهم سلعتين استراتيجيتين: النفط الخام والدولار الأمريكي. فبينما اقترب النفط من حاجز السبعين دولاراً للبرميل، مدفوعاً بالتوترات الجيوسياسية وتحسن الطلب الآسيوي، فقد الدولار الأمريكي زخمه أمام سلة من العملات الرئيسية في ظل بيانات اقتصادية ضعيفة وتوقعات بخفض الفائدة.

هذا التباين في الأداء يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العلاقة بين هذين المؤشرين الاقتصاديين الحاسمين، ويدفع المستثمرين والمحللين إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم في ظل بيئة مالية غير مستقرة.

النفط: صعود مدفوع بالمخاطر الجيوسياسية والطلب الهندي

أرقام السوق

سجلت عقود خام برنت الآجلة ارتفاعاً بلغ 55 سنتاً، أو ما يعادل 0.80 في المئة، ليصل سعر البرميل إلى 69.35 دولار أمريكي في تمام الساعة 03:56 بتوقيت غرينتش. في المقابل، صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 57 سنتاً، بنسبة 0.89 في المئة، مسجلاً 64.53 دولار للبرميل.

العلاقة العكسية بين أسعار النفط والدولار الأمريكي

(بيانات توضيحية)

العوامل الدافعة للارتفاع

أولاً: التوترات الأميركية الإيرانية

يحتل الملف الإيراني الصدارة في قائمة العوامل المحركة للأسعار. فقد عقد دبلوماسيون من إيران والولايات المتحدة محادثات في سلطنة عمان الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء الدبلوماسية بعد نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أسطولاً بحرياً في المنطقة، ما أثار مخاوف من شن عمل عسكري جديد.

قال محللون في مجموعة بورصات لندن في تقرير لهم: "يحتفظ النفط بزخم قوي في ظل استمرار المحادثات الأميركية الإيرانية الهشة، وهو ما يحافظ على دعم علاوة مخاطر مضيق هرمز، وسط ضغوط العقوبات المستمرة، والتهديدات برسوم جمركية مرتبطة بالتجارة الإيرانية، وتصاعد الموقف العسكري الأميركي الإقليمي".

من جهته، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن المحادثات مع الولايات المتحدة سمحت لطهران بتقييم جدية واشنطن، وأظهرت توافقاً كافياً لمواصلة المسار الدبلوماسي. غير أن تصريحات ترمب بشأن إمكانية إرسال حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط في حال فشل المفاوضات، أعادت المخاوف إلى الأسواق.

ثانياً: تحسن الطلب الهندي

ساهمت مؤشرات قوية على تحسن الطلب من الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، في دعم الأسعار. فقد استوعبت الأسواق الكميات الفائضة المسجلة في الربع الأخير من عام 2025، وبدأت مخزونات النفط العائمة في العودة إلى مستوياتها الطبيعية.

يقول خافيير تانغ، محلل السوق في شركة "فورتيكسا": "مع عودة النفط الخام المتوفر في المياه إلى مستوياته الطبيعية وارتفاع الطلب عليه في الهند، من المرجح أن تظل أسعار النفط مدعومة على المدى القريب".

الدولار الأمريكي: تراجع جماعي أمام العملات الرئيسية

أرقام العملات

عانى الدولار الأمريكي من تراجع ملحوظ في جلسة الأربعاء، مسجلاً خسائر مقابل معظم العملات الرئيسية:

  • الين الياباني: انخفض الدولار بنسبة 0.75 في المئة إلى 153.25 ين، ليصل إجمالي خسائره إلى 2.5 في المئة منذ إغلاق يوم الجمعة الماضي.
  • اليورو: ارتفع بنسبة 0.16 في المئة إلى 1.1914 دولار.
  • الجنيه الاسترليني: صعد بنسبة 0.3 في المئة إلى 1.3680 دولار.
  • الفرنك السويسري: انخفض الدولار بنسبة 0.25 في المئة إلى 0.7659 فرنك.

العوامل المؤثرة على أسعار النفط والدولار الأمريكي

(بناءً على تحليل السوق في فبراير 2026)

موجب = ارتفاع السعر
سالب = انخفاض السعر

أسباب الضعف

البيانات الاقتصادية المخيبة

أظهرت بيانات مبيعات التجزئة الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) تباطؤاً في النمو، في حين أشار تقرير منفصل إلى تباطؤ غير متوقع في نمو تكاليف العمالة الأميركية خلال الربع الأخير. هذه البيانات عززت التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يسير نحو تخفيف السياسة النقدية.

توقعات خفض الفائدة

تتوقع الأسواق حالياً تخفيفاً للسياسة النقدية من قبل الاحتياطي الفيدرالي بنحو 60 نقطة أساس بحلول ديسمبر، على الرغم من تصريح بعض صناع السياسات بإمكانية بقاء أسعار الفائدة ثابتة لبعض الوقت.

الانتخابات اليابانية

أدى فوز رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي الساحق في الانتخابات اليابانية إلى تعزز الين، مخالفاً توقعات المحللين الذين كانوا يتوقعون انخفاض العملة اليابانية في حال فوز المرشحة المؤيدة لتخفيض الضرائب.

يقول لي هاردمان، كبير محللي العملات في بنك "إم يو إف جي": "من المرجح أن عدم انخفاض قيمة الين أكثر -حتى بعد أن عززت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي قبضتها على السلطة في اليابان- قد شجع المضاربين على تقليص مراكزهم البيعية على الين في المدى القريب".

العلاقة بين النفط والدولار: تحليل الارتباط العكسي

الطبيعة التاريخية للعلاقة

يمتد تاريخ العلاقة بين النفط والدولار إلى عقود طويلة، حيث يتم تسعير النفط عالمياً بالدولار الأمريكي فيما يعرف بنظام "البترودولار". هذا الربط يجعل أي تغير في قيمة الدولار يؤثر مباشرة على تكلفة النفط بالنسبة للدول الأخرى.

أسعار النفط الخام
(11 فبراير 2026)

تحركات العملات الرئيسية مقابل الدولار
(11 فبراير 2026)

آلية العلاقة العكسية

عندما يرتفع الدولار الأمريكي، يصبح النفط أغلى ثمناً للمشترين الذين يدفعون بعملات أخرى، مما يقلل الطلب العالمي عليه ويميل بأسعاره للانخفاض. والعكس صحيح: ضعف الدولار يجعل النفط أرخص نسبياً للدول غير الأمريكية فيزداد الطلب وترتفع الأسعار.

تؤكد الدراسات الأكاديمية هذه العلاقة، حيث أظهرت أن انخفاض الدولار بنسبة 1 في المئة يترافق مع ارتفاع أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 1.05 و2.1 في المئة في الأجل الطويل.

الاستثناءات والتحولات

رغم سمة العلاقة العكسية، قد تشهد فترات استثنائية يرتفع فيها كلا المؤشرين معاً، كما حدث في عام 2022 عندما أدت الحرب في أوكرانيا إلى قفزة في أسعار الطاقة وارتفاع التضخم، ما دفع الاحتياطي الفيدرالي لرفع الفائدة وتعزيز قوة الدولار.

التداعيات الاقتصادية والاستثمارية

على الدول المستوردة للنفط

تستفيد الدول المستوردة للنفط، مثل اليابان والهند وبعض الدول الأوروبية، من تراجع الدولار، حيث يخفف ذلك من أثر ارتفاع أسعار النفط بالدولار. فعندما يضعف الدولار مقابل عملاتها المحلية، تصبح تكلفة استيراد الطاقة أقل رغم ارتفاع السعر بالدولار.

على الدول المصدرة

تجد الدول المصدرة للنفط، مثل السعودية وروسيا والعراق، في ارتفاع النفط دعماً لعائداتها، لكن ضعف الدولار يقلل من قيمة هذه العائدات عند تحويلها إلى عملات أخرى أو استخدامها في شراء السلع والخدمات من الأسواق العالمية.

على المستثمرين

يحتاج المستثمرون في أسواق الطاقة والعملات إلى مراقبة مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) كأداة أساسية في تقييم الاتجاه العام. فضعف الدولار الحالي قد يشكل فرصة للدخول في مراكز شراء على النفط، مع مراعاة المخاطر الجيوسياسية التي قد تؤدي إلى تقلبات حادة.

النظرة المستقبلية: ماذا بعد؟

مخزونات النفط الأميركية

يترقب المتعاملون بيانات مخزونات النفط الأسبوعية في الولايات المتحدة التي تصدرها إدارة معلومات الطاقة في وقت لاحق من الأربعاء. هذه البيانات ستحدد ما إذا كان الاتجاه الصعودي للنفط سيستمر أم سيواجه ضغوطاً من زيادة المعروض.

بيانات الوظائف

تشكل بيانات الوظائف الأميركية لشهر يناير (كانون الثاني)، التي تأخر صدورها عن الأسبوع الماضي بسبب الإغلاق الحكومي القصير، الاختبار التالي لاتجاه ضعف الدولار. فأي تحسن كبير في هذه البيانات قد يعيد الزخم للدولار ويضغط على أسعار النفط.

المفاوضات الأميركية الإيرانية

تبقى التطورات المتعلقة بالملف النووي الإيراني العامل الأكثر تأثيراً في أسعار النفط على المدى القريب. فتصعيد التوتر قد يدفع الأسعار نحو مستويات أعلى، في حين أن أي انفراج دبلوماسي قد يؤدي إلى تصحيح حاد.

خلاصة

يشهد السوق العالمي حالياً حالة من التباين بين أداء النفط والدولار، مدفوعة بعوامل جيوسياسية واقتصادية متداخلة. فبينما يستفيد النفط من المخاوف المتعلقة بالإمدادات وتحسن الطلب الآسيوي، يعاني الدولار من بيانات اقتصادية ضعيفة وتوقعات بخفض الفائدة.

هذه الثنائية تعكس تعقيد العلاقة بين السلعتين، وتؤكد أن المستثمرين لا يمكنهم الاعتماد على القواعد الثابتة في ظل بيئة مالية متقلبة. فالمراقبة الدقيقة للمؤشرات الاقتصادية والتطورات السياسية تبقى الوسيلة الأكثر فعالية للتعامل مع هذه الأسواق.

المصادر

  1. جريدة الشرق الأوسط - مقال: "أسعار النفط ترتفع وتقترب من مستويات 70 دولاراً للبرميل"، 11 فبراير 2026. متاح على: https://aawsat.com/

  2. جريدة الشرق الأوسط - مقال: "الدولار يفقد زخم الصعود خلال تداولات منتصف الأسبوع"، 11 فبراير 2026. متاح على: https://aawsat.com/

  3. موقع المراقب الاقتصادي - مقال: "تأثير سعر الدولار على تداول النفط والطاقة"، 25 يوليو 2025. متاح على: https://almurakib.com/

ملاحظة تحريرية: جميع الأسعار والنسب المذكورة في هذا المقال تعود إلى جلسة تداول 11 فبراير 2026، وقد تختلف في الجلسات اللاحقة. يُنصح المستثمرون بالرجوع إلى مصادر متعددة قبل اتخاذ أي قرارات استثمارية.

الوسوم

نفط | دولار | أسواق مالية | جيوسياسة | أسعار الخام

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

شهادات ادخار بنك ناصر الاجتماعي 2026.. دليلك الشامل لأفضل عائد "سند" و"رد الجميل"

أكسيوس: خطط المفاوضات تنهار.. ثم تعود من بوابة مسقط

زلزال مالي: إيلون ماسك يكسر حاجز 850 مليار دولار ويغرد وحيداً في قمة أثرياء التاريخ