لماذا تسعى واشنطن لـ 1.5 تريليون دولار عسكرياً وسط استنفاد مخزونها الصاروخي؟
إعلان ترامب عن أكبر ميزانية دفاعية في تاريخ الولايات المتحدة يتزامن مع تعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي يواجه تضخماً متصاعداً، وبنتاغون استنفذ نصف مخزونه من صواريخ الاعتراض في حرب إيران
في لحظة واحدة، جمعت واشنطن بين إعلانين يبدوان منفصلين لكنهما يشيران إلى معادلة استراتيجية واحدة: الرئيس دونالد ترامب يعلن ميزانية عسكرية بقيمة 1.5 تريليون دولار لعام 2027، بينما يؤدي كيفن وارش اليمين رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في احتفالية بالبيت الأبيض. لكن ما يجمعهما ليس التوقيت فحسب، بل السؤال الذي يفرض نفسه: كيف تموّل الولايات المتحدة إعادة بناء قدراتها العسكرية المستنفدة في حرب إيران دون إشعال تضخم يهدد الاستقرار الاقتصادي الداخلي؟
المعطيات المتوفرة حتى 22 مايو 2026؛ التطورات اللاحقة قد تُعدّل التحليل.
لماذا يعلن ترامب عن ميزانية قياسية الآن؟
صرح ترامب، خلال حفل تنصيب وارش، أنه وضع ميزانية بقيمة 1.5 تريليون دولار خلال ولايته الأولى "من دون أن يتوقع استخدامها بهذا الحجم في ولايته الثانية". العبارة تكشف عن إدراك ضمني بأن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران — والتي توقفت بموجب هدنة هشة بدأت في الثامن من أبريل/نيسان الماضي — قد غيّرت حسابات البنتاغون بشكل جذري.
للمنظور، الميزانية المقترحة لعام 2027 تمثّل قفزة تاريخية. ففي السنة المالية 2026 (FY2026)، بلغ الإنفاق الدفاعي الأمريكي نحو 1.05 تريليون دولار، بزيادة تجاوزت 17% عن العام السابق. أما المقترح الجديد فيعني زيادة إضافية تقترب من 43% في عام واحد، وهو ما وصفه البنتاغون بأنه "أكبر قفزة سنوية في الإنفاق الدفاعي منذ الحرب العالمية الثانية". هذه الزيادة ليست رقمية فحسب، بل تعبير عن إعادة تموضع استراتيجي يفرضه استنفاد المخزون الصاروخي.
كيف أفرغت حرب إيران مخزون البنتاغون؟
كشفت تقييمات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) — وهو مركز أبحاث أمريكي مستقل — أن الجيش الأمريكي استنفد جزءاً كبيراً من مخزونه من صواريخ الاعتراض الدفاعية المتطورة خلال الحرب على إيران. ووفقاً لتحليل نُشر في 21 أبريل 2026، فإن الولايات المتحدة أطلقت أكثر من 200 صاروخ اعتراضي من طراز "ثاد"، أي ما يقارب نصف إجمالي مخزون البنتاغون من هذا النوع، إلى جانب أكثر من 100 صاروخ من طرازي "ستاندرد 3" و"ستاندرد 6" أُطلقت من سفن حربية في شرق البحر المتوسط.
استهلاك المخزون الأمريكي من الصواريخ الرئيسية خلال حرب إيران (تقديرات CSIS)
| نوع الصاروخ | الكمية المستنفدة | نسبة المخزون | التمثيل البياني |
|---|---|---|---|
| صواريخ "ثاد" (THAAD) | 200+ | ~50% | |
| صواريخ باتريوت اعتراضية | 1,200+ | ~45% | |
| توماهوك (Tomahawk) | 850–1,000+ | 25–30% | |
| JASSM-ER (هجومية) | 1,100+ | ~50% | |
| PrSM / ATACMS | 320+ | ~46% |
المصدر: مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) — أبريل 2026. الأرقام تقديرية بناءً على تحليل مفتوح المصدر.
لكن الأرقام تكشل عن صورة أعمق. فقد أطلقت البحرية الأمريكية أكثر من 850 صاروخ توماهوك في الشهر الأول من الحرب فقط، وهو ما يمثل نحو 25% إلى 30% من إجمالي المخزون المُقدَّر بين 3,000 و4,000 صاروخ. وفي المقابل، تموّل ميزانية 2026 شراء 57 صاروخ توماهوك فقط، وهو رقم لا يكفي لتعويض ما أُنفق في أسبيع قليلة. كما استُنفد مخزون صواريخ "الضربة الدقيقة" (PrSM) بالكامل تقريباً، وهو نظام دخل الخدمة عام 2023 ولا يزال في بداية إنتاجه.
التقييمات تشير إلى أن إعادة بناء هذه المخزونات إلى مستويات ما قبل الحرب سيستغرق من سنة إلى أربع سنوات. لكن المشكلة الأعمق تكمن في أن المخزونات كانت غير كافية أصلاً لمواجهة منافس نظير مثل الصين، والآن أصبح النقص أكثر حدة.
"إذا كنت في الصين، فأنت تعدّ ببهجة صواريخ التوماهوك التي تُنفق واحداً تلو الآخر." — توم كاراكو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي في CSIS
أين تتقاطع السياسة النقدية مع الحرب البعيدة؟
جاء إعلان الميزانية العسكرية في لحظة تعد حاسمة لمسار السياسة النقدية الأمريكية. كيفن وارش، الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي، تفوّق على منافسيه بفضل مواقفه المنتقدة للسياسات الحالية ودعوته إلى خفض أسعار الفائدة، فضلاً عن علاقاته الوثيقة مع ترامب. لكن الواقع الاقتصادي قد لا يسمح بذلك.
وفقاً لمؤشر أسعار المستهلكين (CPI)، بلغ التضخم في مارس 2026 نسبة 0.9% على أساس شهري، تلاه 0.6% في أبريل. إذا استمر هذا المعدل عند 0.4% شهرياً — وهو المتوسط خلال الأشهر الستة الأخيرة — فقد يصل التضخم السنوي إلى 5.2% بحلول انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. هذا يضع وارش في مأزق: خفض الفائدة يعني إذكاء التضخم، ورفعها يعني إبطاء الاقتصاد الهشّ أصلاً.
التوتر هنا استراتيجي لا مالي فحسب. الميزانية العسكرية البالغة 1.5 تريليون دولار ستُموّل جزءاً كبيراً منها بالاقتراض الحكومي، ما يزيد من الطلب على السندات ويضغط على أسعار الفائدة. في الوقت نفسه، تتطلع إدارة ترامب لطلب 80 إلى 100 مليار دولار إضافية من الكونغرس كتمويل ملحق للحرب في إيران. هذه الأموال ستذهب في معظمها لإعادة تعبئة المخزون الصاروخي المستنفد.
الأرقام الرئيسية في المعادلة الأمريكية
| المؤشر | القيمة / التقدير | السياق |
|---|---|---|
| ميزانية الدفاع FY2027 | 1.5 تريليون دولار | أكبر قفزة سنوية منذ الحرب العالمية الثانية |
| ميزانية الدفاع FY2026 | 1.05 تريليون دولار | زيادة 17% عن FY2025 |
| التمويل الملحق للحرب | 80–100 مليار دولار | طلب متوقع من الكونغرس |
| تكلفة الحرب في إيران (تقدير) | أكثر من 1 تريليون دولار | تقدير معهد هارفارد كينيدي للسياسات العامة |
| التضخم المتوقع (نوفمبر 2026) | 4.4% – 5.2% | بحسب مسار مؤشر CPI الشهري |
كيف يعيد هذا القرار تشكيل المشهد الجيوسياسي؟
المخزون المستنفد ليس مجرد مشكلة لوجستية، بل إعادة توزيع للقوة. فالصواريخ التي أُطلقت في الدفاع عن إسرائيل كانت مخصصة في الأصل لسيناريوهات المحيط الهادئ، حيث تتصاعد التوترات مع الصين. اليابان، التي تعتمد على تسليمات صواريخ توماهوك الأمريكية لتعزيز قدراتها الدفاعية، أُبلغت بأن تسليماتها قد تتأخر بسبب الحرب في إيران. هذا يُضعف حلفاء واشنطن في لحظة حرجة.
في المقابل، يبدو أن إيران تدرك هذه المعادلة. ترامب أكد في كلمته أن بلاده "لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي"، معتبراً أن طهران "تتوق بشدة" لعقد صفقة مع واشنطن "ولا تملك خياراً آخر". لكن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أوضح أن الولايات المتحدة "لا تستبعد أي خيار" إذا فشلت المفاوضات الدبلوماسية.
الهُدنة التي بدأت في السابع من أبريل/نيسان الماضي — بعد 39 يوماً من الحملة الجوية والصاروخية — لم تُسفر عن اختراق دبلوماسي. فمفاوضات إسلام آباد انتهت دون نتيجة، وفرضت واشنطن حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية. في السابع من مايو/أيار، اندلعت اشتباكات جديدة في مضيق هرمز، مع استهداف أمريكي لمواقع عسكرية إيرانية في بندر عباس وجزيرة قشم، رداً على هجمات صاروخية ومسيّرة استهدفت مدمرات أمريكية.
من المستفيد ومن المتضرر من هذه المعادلة؟
المستفيد الأبرز من الميزانية الضخمة هو القطاع الصناعي العسكري الأمريكي. فقد وقعت وزارة الدفاع اتفاقات إطارية مع شركات مثل لوكهيد مارتن وRTX (سابقاً رايثيون) لتوسيع إنتاج صواريخ PrSM وتوماهوك. كما أبرمت صفقة بـ 500 مليون دولار مع هونيويل لزيادة إنتاج مكونات الذخائر. هذه العقود ستُحوّل الميزانية العسكرية إلى دفق نقدي مباشر للشركات الدفاعية الكبرى.
أما المتضررون فهم على مستويين. داخلياً، المستهلك الأمريكي يواجه احتمال ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة على القروض والرهون العقارية. عالمياً، الحلفاء في المحيط الهادئ — وعلى رأسهم تايوان واليابان — يجدون أنفسهم في مأزق: فالصواريخ التي كانت مخصصة لردع الصين أُنفقت في الشرق الأوسط، والإعادة التعبئة ستستغرق سنوات.
السؤال الأعمق يتجاوز الأرقام: هل تستطيع الولايات المتحدة خوض حربين متزامنتين — واحدة في الشرق الأوسط وأخرى في المحيط الهادئ — بمخزون صاروخي أفرغته الحرب الأولى؟ الإجابة، بحسب محللي CSIS، هي "لا"، على الأقل في المدى القصير والمتوسط.
ما الذي يعنيه هذا للقارئ العربي؟
للقارئ في المنطقة العربية، هذه المعادلة تترجم إلى عدة تداعيات مباشرة. أولاً، استمرار التوتر في الخليج يعني استمرار اضطراب أسعار النفط، وهو ما يؤثر على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة. ثانياً، الحصار البحري على إيران يعني اضطراباً في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي.
ثالثاً، إعادة تموضع القوات الأمريكية من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط — حتى لو كانت مؤقتة — قد تخلق فراغاً استراتيجياً يستغله لاعبون آخرون. روسيا، التي أعلنت معارضتها "لتكرار العدوان المسلح على إيران"، قد ترى في هذا الفراغ فرصة لتعزيز نفوذها في مناطق أخرى.
الميزانية العسكرية البالغة 1.5 تريليون دولار ليست مجرد رقم في جدول ميزاني؛ هي إقرار أمريكي ضمني بأن الحرب في إيران قد كلفت واشنطن أكثر مما أعلنت رسمياً. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل يمكن لأكبر اقتصاد في العالم أن يموّل إعادة بناء قدراته العسكرية دون أن يُضحّي باستقراره النقدي؟ وإذا اضطر كيفن وارش لرفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها — كما يتوقع بعض المحللين — فإن تكلفة هذه الحرب ستتجاوز المليارات المُنفقة على الصواريخ لتصل إلى جيوب الأمريكيين العاديين. في هذه المعادلة، الخاسر الأكبر قد لا يكون إيران أو الصين، بل القدرة الأمريكية على خوض حربين في آن واحد.
المصادر:
الوسوم
ترامب | ميزانية الدفاع الأمريكية | حرب إيران | الاحتياطي الفيدرالي | صواريخ ثاد

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار