اليورانيوم: من صخور البتشبلند إلى قلب المفاعل النووي — رحلة عنصر غيّر وجه الحضارة

-- دقائق
علوم وتكنولوجيا

قبل أن يصبح وقود المفاعلات وجوهر التسابق النووي، كان اليورانيوم مجرد صبغة تُلوِّن الزجاج — وهذا التحوّل في ذاته يروي تاريخ العلم الحديث كله

اليورانيوم: من صخور البتشبلند إلى قلب المفاعل النووي — رحلة عنصر غيّر وجه الحضارةعينة من خام اليورانيوم — العنصر الذي أعاد رسم خرائط القوة السياسية والعسكرية في القرن العشرين

لو عرض عليك أحدهم عام 1800 معدناً يُستخدم لإضفاء لون أصفر مائل للأخضر على الزجاج، لما خطر على بالك أن هذا المعدن نفسه سيُعيد رسم خريطة القوة الدولية بأسرها بعد قرن ونصف. لكن هذا بالضبط ما فعله اليورانيوم — ذلك المعدن الثقيل الفضي اللون الذي اختبأ في التربة والصخور منذ ما قبل تشكّل الأرض ذاتها، ثم أطلّ فجأة في قلب الحسابات الجيوسياسية الأكثر حدة في التاريخ.

أعاد التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تسليط الضوء على هذا العنصر الغامض. لكن ثمة سؤالاً أوسع يستحق الوقوف عنده: كيف وصلنا إلى هنا؟ وما الذي يجعل اليورانيوم — في جوهره الفيزيائي — مختلفاً عن سائر العناصر التي تحيط بنا؟

ما هو اليورانيوم فعلاً؟

اليورانيوم معدن ثقيل كثيف بشكل لافت — كثافته تبلغ نحو 19 غراماً لكل سنتيمتر مكعب، أي ما يزيد على 1.7 مرة كثافة الرصاص. رمزه U في الجدول الدوري، ورقمه الذري 92. يتواجد بصورة طبيعية وبتركيزات منخفضة في التربة والمياه والصخور، ويُستخرج تجارياً من معادن حاملة أبرزها اليورانينيت أو ما يُعرف باسم البتشبلند.

لون اليورانيوم النقي أبيض مائل للفضي، لكن خاماته في الطبيعة تتلوّن بحسب المعادن المصاحبة لها — أصفر، بني، أسود، أخضر. بعد الاستخراج، يُسحق الخام ويعالَج في منشآت متخصصة لعزل اليورانيوم عن بقية المواد، وينتهي في الغالب إلى شكله التجاري الشائع: مركّز أكسيد اليورانيوم U3O8، المعروف باسم "الكعكة الصفراء".

خصائص اليورانيوم الفيزيائية الرئيسية مقارنةً بمعادن مألوفة

المعدن الكثافة (غ/سم³) مقارنة بصرية
الحديد 7.9
الرصاص 11.3
الذهب 19.3
اليورانيوم 19.1

المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية — الرابطة النووية العالمية

ما يجعل اليورانيوم استثنائياً ليس كثافته وحدها، بل تحلله الإشعاعي البطيء الذي يساهم — إلى جانب عناصر مشعة أخرى — في إنتاج جزء مهم من حرارة باطن الأرض، تلك الحرارة التي تحرّك الصفائح التكتونية وتُشكّل وجه الكوكب. ويعتقد العلماء أن اليورانيوم تشكّل قبل نشأة الأرض ذاتها، في قلب انفجارات نجمية هائلة تعرف بالمستعرات العظمى، قبل أن يندمج في المادة الأولى التي بنت منها المجموعة الشمسية كل شيء.

من كلابروث إلى هيروشيما: مسار الاكتشاف

في عام 1789، وبينما كان الكيميائي الألماني مارتن هاينريش كلابروث يحلّل عينات البتشبلند القادمة من مناجم الفضة في بوهيميا — التشيك اليوم — وقع على مركّب غريب لم يتعرّف إليه أحد من قبل. أطلق عليه اسم "يوران" تيمّناً بكوكب أورانوس المكتشَف حديثاً آنذاك. لم يكن يعلم أنه يفتح باباً لم يُغلق بعد.

استُخدم اليورانيوم لعقود طويلة في تلوين الزجاج والسيراميك، ثم في بدايات التصوير الفوتوغرافي — بعيداً كل البعد عن أي تصوّر للخطر. ولم يتغير هذا كله إلا حين اكتشف الفيزيائي الفرنسي هنري بيكريل عام 1896 أن أملاح اليورانيوم تصدر إشعاعاً غير مرئي قادر على التأثير في الألواح الفوتوغرافية من دون أي تعريض للضوء. كانت تلك اللحظة بداية كل شيء.

"النشاط الإشعاعي ليس طاقة مُخزَّنة في المادة، بل هو تحوّل جوهري في طبيعة المادة نفسها — وهذا ما جعله ثورة حقيقية في فهمنا للكون." — ماري كوري، في خطابها لدى تسلّم جائزة نوبل للكيمياء 1911

بعد بيكريل بسنتين، أطلق بيير وماري كوري مصطلح "النشاط الإشعاعي" على الظاهرة، وعزلا عنصرَي البولونيوم والراديوم من خام البتشبلند ذاته. ومن الراديوم وصلنا إلى علاج السرطان، ومن اليورانيوم-235 وصلنا إلى هيروشيما وناغازاكي في أغسطس 1945 — ذلك الحادث الذي لا يزال الوحيد في التاريخ الذي استُخدمت فيه الأسلحة النووية في الحرب، وأودى بحياة ما يزيد على 200 ألف شخص بحلول نهاية ذلك العام.

التخصيب: مفتاح الفرق بين المفاعل والقنبلة

اليورانيوم الطبيعي لا يُشكّل خطراً نووياً بحد ذاته. يحتوي على ثلاثة نظائر رئيسية، لكن نسبة اليورانيوم-235 القابل للانشطار فيه لا تتجاوز 0.7%، وهي نسبة منخفضة جداً لإحداث تفاعل متسلسل. هنا يأتي دور التخصيب — رفع نسبة U-235 — وهو الخط الفاصل بين الاستخدامين.

نوع اليورانيوم نسبة U-235 الاستخدام الرئيسي
طبيعي ~0.7% خام — لا يصلح لمفاعلات تجارية مباشرةً
منخفض التخصيب (LEU) 3% – 5% وقود المفاعلات النووية التجارية لإنتاج الكهرباء
متوسط التخصيب (MEU) 20% – 90% مفاعلات الأبحاث ومفاعلات الدفع البحري
عالي التخصيب (HEU) أكثر من 90% الأسلحة النووية — محظور دولياً إلا بموافقات خاصة

تسعة دول تُصنَّف حالياً على أنها تمتلك أسلحة نووية أو يُعتقد أنها تمتلكها، وفق تقديرات اتحاد العلماء الأمريكيين والرابطة الدولية للحد من الأسلحة: الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، الهند، باكستان، كوريا الشمالية، وإسرائيل. أما إيران، التي تحتل صدارة العناوين الراهنة، فلا تُعدّ حتى الآن دولة مالكة لسلاح نووي — وإن كانت الملفات المتعلقة بتخصيبها تتصدر التوترات الإقليمية منذ سنوات.

حين يُنقذ اليورانيوم الأرواح: الطب النووي

بعيداً عن الخطاب العسكري، ثمة وجه آخر لليورانيوم لا يحظى بالاهتمام ذاته. المفاعلات النووية البحثية تستخدم اليورانيوم-235 لإنتاج نيوترونات تُشعّع أهدافاً خاصة، ينتج عنها نظير طبي يُدعى الموليبدينوم-99، الذي يتحلّل بدوره إلى التكنيتيوم-99m — أحد أكثر النظائر المشعة استخداماً في التصوير التشخيصي حول العالم.

التكنيتيوم-99m: الوجه الطبي لليورانيوم

المرحلة العملية الناتج
1 — الإشعاع تعريض أهداف U-235 للنيوترونات في مفاعل بحثي الموليبدينوم-99
2 — التحلل الموليبدينوم-99 يتحلل إشعاعياً بعمر نصفي 66 ساعة التكنيتيوم-99m
3 — التطبيق حقن في الجسم + تصوير بالكاميرا الغاما تشخيص السرطان وأمراض القلب

أكثر من 80% من إجراءات التصوير الطبي التشخيصي السنوية عالمياً تعتمد على أدوية صيدلانية مشعة تُنتَج في مفاعلات البحوث النووية — وفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية

اليورانيوم واحد، لكن مآلاته متباينة تبايناً جذرياً: من صبغة الزجاج الأصفر عند كلابروث، إلى اكتشاف الإشعاع مع بيكريل وكوري، إلى الانشطار النووي الذي أحرق هيروشيما، إلى الوقود الذي يُضيء ملايين المنازل، إلى الدواء الذي يكشف الأورام قبل استفحالها. ما يحدد أيّ هذه المآلات يتحقق ليس في طبيعة العنصر ذاته، بل في طبيعة القرارات السياسية والعلمية التي تُوجّه استخدامه — وهذا تحديداً ما يجعل كل جدل حول التخصيب والانتشار النووي جدلاً يمسّ عمق الاختيار الحضاري لا مجرد خلاف تقني.

المصادر:

  1. بي بي سي عربي — اليورانيوم قبل السلاح النووي: كيف اكتشف وما أهميته؟ (23 مايو 2026)
  2. الوكالة الدولية للطاقة الذرية — موارد اليورانيوم ودورة الوقود النووي
  3. الرابطة النووية العالمية — ملف اليورانيوم الشامل
  4. وزارة الطاقة الأمريكية — حقائق الطاقة النووية
  5. اتحاد العلماء الأمريكيين — وضع الأسلحة النووية عالمياً (2026)

الوسوم

اليورانيوم | الطاقة النووية | الأسلحة النووية | التخصيب | الوكالة الذرية

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران