240 مليار دولار في شهر: حين تحوّلت حرب الطاقة إلى زلزال في سوق الدين الأمريكي

-- دقائق
اقتصاد وجيوسياسة

240 مليار دولار تتبخر من محافظ الحكومات الأجنبية في شهر واحد — وبكين تصل إلى أرقام لم تشهدها منذ انهيار ليمان براذرز

240 مليار دولار في شهر: حين تحوّلت حرب الطاقة إلى زلزال في سوق الدين الأمريكيسوق سندات الخزانة الأمريكية يواجه أكبر موجة إعادة تموضع أجنبي منذ سنوات وسط اضطرابات الطاقة العالمية

لا تحتاج الأرقام عادةً إلى مقدمات حين تتحدث بهذا الحجم. كشفت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية الصادرة يوم الثلاثاء أن إجمالي الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة انهار من 9.49 تريليون دولار في فبراير إلى 9.25 تريليون دولار في مارس — أي تراجع بنحو 240 مليار دولار في ثلاثين يوماً. وكان في طليعة الخارجين من السوق اثنان من أكبر الدائنين التاريخيين للحكومة الأمريكية: الصين واليابان.

الصين التي طالما استُخدمت ورقتها في سندات الخزانة ورقةً ضغط في النقاشات الجيوسياسية، وصلت هذه المرة إلى عتبة لم تتجاوزها منذ سقوط ليمان براذرز عام 2008. أما اليابان فقلصت محفظتها بما يعادل الناتج المحلي لدولة متوسطة الحجم في ثلاثة أشهر. وخلف هذه الأرقام قصة أكثر تعقيداً من مجرد إعادة تخصيص محافظ: إنها لحظة يعيد فيها النظام المالي العالمي رسم خريطة الثقة في الدين الأمريكي.

240 مليار في شهر — من باع ولماذا؟

الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأمريكية — مارس 2026 (مليار دولار)

الدولة الحيازة (مارس) التغير عن فبراير الاتجاه
اليابان 1,191 مليار ▼ 47 مليار
بريطانيا 926.9 مليار ▲ 29.6 مليار
الصين 652.3 مليار ▼ ~6%
الإجمالي الأجنبي 9,250 مليار ▼ 240 مليار

المصدر: وزارة الخزانة الأمريكية عبر CNBC — العربية بيزنس، مايو 2026

السبب الجوهري ليس مالياً بالمعنى الضيق. فقد دفع تصاعد الصراع الأمريكي-الإيراني أسعارَ النفط إلى مستويات قياسية، ما أحدث ضغطاً حاداً على عملات اقتصادات آسيا المستوردة للطاقة. اضطرت البنوك المركزية إلى التدخل في أسواق الصرف للدفاع عن عملاتها، وتمثّلت أداة التدخل الرئيسية في بيع الأصول المقومة بالدولار — وسندات الخزانة في مقدمتها.

فوق ذلك، تكبّدت الحيازات الأجنبية خسائر تقييمية بلغت 142.1 مليار دولار في مارس وحده نتيجة تراجع أسعار السندات طويلة الأجل في ظل مخاوف تضخمية متصاعدة، ما جعل التخارج خياراً اقتصادياً بدلاً من كونه مجرد موقف سياسي.

الصين: رحلة من القمة إلى ما دون النصف

كان من الصعب قبل عقد واحد تخيُّل أن تصل حيازات الصين من سندات الخزانة الأمريكية إلى هذا المستوى. في عام 2013 كانت بكين تمسك بنحو 1.3 تريليون دولار من الدين الأمريكي، وكانت أكبر دائن أجنبي للحكومة الأمريكية في العالم. اليوم تقف عند 652.3 مليار دولار — أقل من النصف — وعند أدنى مستوى منذ سبتمبر 2008.

غير أن تفسير هذا الانخفاض يستدعي حذراً منهجياً. يرى محللون أن الأرقام الرسمية لا تعكس الحجم الحقيقي لانكشاف بكين على السوق الأمريكية، إذ يُرجَّح أن جزءاً من الاستثمارات يمر عبر مراكز حفظ أوروبية. وبحسب التقديرات، تمتلك بلجيكا نحو 454 مليار دولار ولوكسمبورغ نحو 439.4 مليار دولار من سندات الخزانة، يُعتقد أن قسماً منها يعود إلى مستثمرين صينيين.

"انخفاض حيازة الأجانب لسندات الخزانة الأمريكية هو اتجاه ممتد منذ عام 2013. تراجعت نسبة الملكية الأجنبية من نحو 50% آنذاك إلى ما يقارب 30% حالياً." — جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في Cedra Markets، لموقع اقتصاد سكاي نيوز عربية

اليابان: بين مطرقة الين وسندان التضخم

تبدو قصة اليابان أكثر تعقيداً حتى من الصين. فاليابان لا تزال أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية بفارق كبير، لكنها خفّضت حيازاتها بنحو 47 مليار دولار في مارس ليستقر رصيدها عند 1.191 تريليون دولار. والدافع مزدوج: الدفاع عن الين الذي تعرض لضغوط حادة مع ارتفاع أسعار الطاقة، وفي السياق الأشمل، التحول التدريجي في السياسة النقدية لبنك اليابان الذي رفع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى في 30 عاماً.

هذا الأخير أعاد تشكيل ما كان يُعرف بـ"تجارة الفائدة" — الاقتراض بالين الرخيص والاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية ذات العائد المرتفع. مع ارتفاع الفائدة اليابانية وتقارب عوائد سنداتها الحكومية من نظيراتها الغربية، تراجع الحافز لهذه الاستراتيجية بصورة جوهرية.

بريطانيا وحيدة في الاتجاه المعاكس

في موجة يسبح فيها الجميع جنوباً، اختارت بريطانيا اتجاهاً مختلفاً. رفعت لندن حيازاتها من سندات الخزانة بنحو 29.6 مليار دولار لتصل إلى 926.9 مليار دولار، متجاوزةً الصين لتتربع على المركز الثاني عالمياً خلف اليابان. لا يعكس هذا التحول بالضرورة ثقة استثنائية بريطانية في واشنطن بقدر ما يعكس ضغوطاً مختلفة: الجنيه الإسترليني أقل تعرضاً لصدمة النفط من عملات آسيا، كما أن المحافظ البريطانية استفادت من ارتفاع العوائد بوصفه فرصة شراء.

ثلاثة مشاهد لمستقبل الطلب الأجنبي على سندات الخزانة

المشهد الشرط الأثر على سوق الخزانة
استقرار نسبي هدوء الصراع في الشرق الأوسط + استقرار عملات آسيا عودة تدريجية للحيازات الأجنبية — عوائد مستقرة
استمرار التخارج ارتفاع متواصل لأسعار النفط + ضغط على عملات آسيوية ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل + تصاعد تكلفة الدين الأمريكي
تسارع إعادة التموضع تعزيز الصين للحيازات غير المباشرة + تنويع الاحتياطيات نحو الذهب واليوان تحول بنيوي في خريطة الدائنين — مع احتفاظ الدولار بهيمنته قصيرة المدى

ما وراء الأرقام: الدولار والثقة في واشنطن

الانخفاض الذي تشهده الحيازات الأجنبية ليس وليد اليوم. فمنذ عام 2013، تراجعت حصة الأجانب في ملكية الدين الأمريكي من نحو 50% إلى ما يقارب 30% حالياً، رغم أن الرصيد المطلق ارتفع إلى 9.4 تريليون دولار خلال العقد ذاته. ويرى بعض خبراء السوق أن المستثمرين باتوا يشككون في انضباط واشنطن المالي في ظل مشاريع إنفاق عسكري متصاعدة وعجز ميزانية متمدد.

أما في المقلب الآخر، فثمة حجة قوية لمن يرى هذه الموجة انعكاساً للضغوط الآنية لا تحولاً استراتيجياً نهائياً: المستثمرون الأجانب لا يمتلكون بديلاً حقيقياً لسوق بحجم سوق الخزانة الأمريكية. فالأصول اليورية محدودة العمق، والسوق الصينية لا تزال مقيدة، والذهب لا يستوعب التدفقات الضخمة للبنوك المركزية.

ما تفعله الحكومات الأجنبية في مارس 2026 ليس تمرداً على الدولار — إنه استجابة طارئة لأزمة طاقة أعادت توزيع الضغوط على محافظ البنوك المركزية. لكن ما يجعل هذه اللحظة مختلفة عن موجات التخارج السابقة هو التقاطع المتزامن بين دوافع جيوسياسية (الصراع في المنطقة)، ونقدية (تشديد بنك اليابان)، وثقة (تساؤلات عن الانضباط المالي الأمريكي). هذا التقاطع الثلاثي هو ما يجعل بيانات الأشهر القادمة أهم مما أظهرته بيانات مارس نفسها.

المصادر:

  1. جريدة البلاد — الحكومات الأجنبية تتخلى عن سندات الخزانة الأميركية، الصين عند أدنى حيازة في 18 عاماً (مايو 2026) — مصدر أولي عبر وزارة الخزانة الأمريكية وCNBC
  2. سكاي نيوز عربية اقتصاد — دلالات انخفاض حيازة الأجانب من الديون الأمريكية — مصدر تحليلي
  3. الجزيرة نت — الصين تحث بنوكها على خفض حيازة سندات الخزانة الأمريكية (فبراير 2026) — مصدر أولي
  4. الإمارات اليوم — السياسات الأميركية تنعش السندات الحكومية الصينية (أبريل 2026) — مصدر تحليلي
  5. Invezz — Foreign holdings of US Treasuries fall as Japan, China cut exposure (مايو 2026) — مصدر إنجليزي أولي

الوسوم

سندات الخزانة | الصين | اليابان | حيازات أجنبية | الدولار

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"