أنهار الأرض تختنق: كيف يسرق الاحترار العالمي الأكسجين من المياه ويهدد الثروة السمكية؟

-- دقائق
علوم وبيئة

دراسة تتبّعت 21 الف نهر منذ 1985 تكشف انخفاضا مستمرا في مستويات الاكسجين المذاب، والمناطق الاستوائية وجنوب آسيا في مقدمة المخاطر

أنهار الأرض تختنق: كيف يسرق الاحترار العالمي الأكسجين من المياه ويهدد الثروة السمكية؟منظر جوي لنهر استوائي تكسو مياهه تغيرات لونية تكشف تدهور جودتها — تُعدّ أنهار المناطق المدارية الأشد تضررا من نضوب الأكسجين المذاب بفعل الاحترار العالمي | صورة: ذكاء اصطناعي

في النهر الحيّ، كل شهيق غير مرئي. الاسماك لا تتنفس الهواء بل تستخرج الاكسجين المذاب في الماء عبر خياشيمها، وعندما ينخفض هذا الاكسجين تتحرك ببطء نحو السطح، ثم تتوقف. هذا السيناريو لم يعد افتراضيا: دراسة نشرتها مجلة Science Advances في 15 مايو 2026 رصدت انخفاضا منتظما في مستويات الاكسجين المذاب في اكثر من 21 الف نهر حول العالم منذ عام 1985، وخلصت الى ان الاحترار الناجم عن النشاط البشري يتحمل وحده نحو 63% من هذا الفقدان.

ما يجعل الدراسة استثنائية ليس رقم الانخفاض — 2.1% في اربعة عقود — بل منهجيتها: فريق الباحثين في الاكاديمية الصينية للعلوم بقيادة عالم البيئة قي غوان (Qi Guan) استخدم الاقمار الاصطناعية والذكاء الاصطناعي لرسم خريطة شاملة لنضوب الاكسجين في الانهار الكبرى والصغرى على حد سواء، في سابقة لم تتحقق من قبل على هذا الحجم.

لماذا الماء الدافئ عدو الاسماك؟

القاعدة الكيميائية بسيطة لكن تداعياتها واسعة: الماء الاكثر دفئا يذيب كميات اقل من الغازات، ومنها الاكسجين. مع ارتفاع درجات الحرارة بفعل التغير المناخي، يصبح الماء اقل قدرة على الاحتفاظ بالاكسجين، فيتسرب الى الغلاف الجوي بدلا من ان يبقى ذائبا ومتاحا للكائنات المائية.

لكن الدراسة كشفت ان ثمة عوامل مركّبة تفاقم المشكلة: التلوث بالمغذيات الزراعية والصرف الحضري، وبناء السدود التي تُبطئ الجريان، ومشكلات الرياح والتدفق المائي. غير ان الاحترار يظل العامل المهيمن بفارق كبير، اذ يُفسّر ما يقارب ثلثي الظاهرة.

"نضوب الاكسجين عملية بطيئة للغاية. لكن اذا استمرت على مدى فترة طويلة، سيكون للتاثيرات السلبية حجم كارثي على النظم البيئية النهرية." — قي غوان، المعهد الصيني للعلوم، نانجينغ

من 2.1% الى مناطق ميتة: مسار الازمة

قد يبدو انخفاض 2.1% منذ 1985 هامشيا، لكن المشكلة في التراكم. اذا استمر المعدل الحالي حتى نهاية القرن، ستفقد انهار العالم 4% اضافية من اكسجينها في المتوسط، وتصل بعض المناطق الى خسارة قريبة من 5%. عند هذه النقطة تنشا ما يسميها العلماء المناطق الميتة (Dead Zones)، وهي بقع مائية تنعدم فيها قدرة الحياة على البقاء.

هذه المناطق ليست نظرية: خليج المكسيك وخليج تشيزابيك وبحيرة إيري شهدت بالفعل نوبات من فقدان الاكسجين ادت الى موت جماعي للاسماك. ويحذر الباحثون من ان ما تعيشه تلك المسطحات اليوم قد يصبح نمطا دائما في انهار شرق الولايات المتحدة والهند والمناطق الاستوائية بحلول عام 2100.

المنطقة الجغرافية حجم المخاطر السبب الرئيسي التوقعات حتى 2100
شرق الولايات المتحدة مرتفع جدا ارتفاع حرارة + تلوث زراعي مناطق ميتة موسمية
الهند (نهر الغانج) حرج نضوب 20 ضعفا اسرع من المعدل العالمي ازمة مائية متعددة الابعاد
المناطق الاستوائية مرتفع حرارة مرتفعة + انهار حيوية تهديد للامن الغذائي الاقليمي
اوروبا الغربية متوسط تحسّن نسبي في جودة المياه تراجع طفيف متوقع
الانهار القطبية منخفض حاليا برودة تحمي مستويات الاكسجين تغير تدريجي مع ذوبان الجليد

المصدر: تحليل مستند الى دراسة Science Advances (مايو 2026) وتقديرات الباحثين

عندما يكون نهر الغانج الاكثر معاناة

من بين الحالات المثيرة في الدراسة: نهر الغانج في الهند فقد اكسجينه بمعدل يتجاوز عشرين ضعفا المتوسط العالمي في مطلع هذا القرن. الحمولة البشرية الهائلة التي يتحملها النهر — من صرف صناعي ومجاري وتلوث زراعي — تتقاطع مع الاحترار لتحوّله الى نموذج مكثّف للازمة القادمة. الامر ذاته ينطبق على الانهار الاستوائية في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية التي تمثل شريانا غذائيا لمئات الملايين من البشر.

ماذا تقول العلوم المستقلة؟

الدراسة الصينية ليست صوتا منفردا في هذا الملف. دراسة مستقلة نشرتها جامعة بن ستيت (Penn State) في مجلة Nature Climate Change عام 2023 رصدت ان 70% من نحو 800 نهر مشمولة بالتحليل سجّلت تراجعا في مستويات الاكسجين، و87% منها ارتفعت درجات حرارتها. كما حذّرت من احتمال وصول بعض الانهار في جنوب الولايات المتحدة الى مستويات تتسبب في موت فوري لبعض انواع الاسماك خلال السبعين سنة المقبلة.

ايميلي بيرنهارت (Emily Bernhardt)، عالمة البيئة الحيوية في جامعة ديوك (Duke)، لم تشارك في الدراسة الاخيرة، غير انها قدّمت تفسيرا جوهريا: مع ارتفاع حرارة الانهار يصبح للتلوث الموجود ذاته القدرة على احداث نقص اكسجين اشد حدة، واطول امدا، واوسع انتشارا — اي ان المشكلة مركّبة ولا تُختزل في عامل واحد.

نقطة تحريرية: الدراسة محكّمة (Peer-reviewed) ونشرت في Science Advances التابعة لمجلة Science. المنهجية — اقمار اصطناعية + ذكاء اصطناعي على 21 الف نهر — تمنحها مصداقية واسعة النطاق. غير ان العلماء المستقلين يؤكدون ضرورة مزيد من القياسات الميدانية المباشرة لتحقق من النتائج في مناطق بعيدة، اذ تعتمد الدراسة جزئيا على بيانات أقمار اصطناعية تقديرية لا قياسات في الموقع مباشرة.

من يدفع الثمن عمليا؟

ابعاد هذه المشكلة لا تقف عند حدود علم الاحياء. ثمة ملايين يعتمدون على صيد الانهار غذاءً ودخلا اقتصاديا، خصوصا في جنوب آسيا وجنوب شرقها وافريقيا جنوب الصحراء وحوض الامازون. انخفاض الثروة السمكية في هذه الانهار يعني تراجع البروتين الحيواني المتاح للفقراء، والضغط على اسواق الاسماك المحلية والعالمية.

كذلك فان تحوّل الانهار الى مناطق منخفضة الاكسجين يدفع البكتيريا اللاهوائية نحو الانتشار، مما يفاقم تدهور جودة المياه ويهدد مصادر مياه الشرب لدى المجتمعات التي تعتمد على هذه الانهار مباشرة.

مستوى الاكسجين (ملغم/لتر) الحالة البيئية التاثير على الاسماك
اكثر من 8 مثالي نمو طبيعي وتكاثر سليم
5 — 8 مقبول تراجع طفيف في الاداء الفسيولوجي
3 — 5 ضغط (Hypoxia) إجهاد حاد، بحث عن مياه عميقة
اقل من 2 خطر شديد (Anoxia) موت جماعي محتمل، مناطق ميتة

تصنيف تقريبي مستند الى معايير وكالة حماية البيئة الامريكية (EPA) ودراسات علم البيئة المائية

ثلاثة سيناريوهات لما بعد 2026

السيناريو المآل الشرط المحرّك
الارجح: الاستمرار التدريجي تواصل نضوب الاكسجين بالمعدل الحالي (4% بحلول 2100)، مع تراجع تدريجي في الانتاج السمكي وظهور مناطق ميتة موسمية في شرق الولايات المتحدة والهند غياب سياسات مناخية طموحة وبقاء معدلات التلوث عند مستوياتها الراهنة
الاخطر: التسارع المركّب صدمات حرارية حادة تتقاطع مع موجات جفاف تُقلّص تدفق الانهار، فتتفاقم الاختناقات الاكسجينية بسرعة اكبر مما تتوقعه النماذج الحالية، مع انهيار نظم بيئية نهرية كاملة في مناطق استوائية بلوغ درجات الحرارة العالمية 2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة قبل منتصف القرن
البديل: التدخل الفعّال تحسينات محلية ملموسة في انهار خاضعة لبرامج معالجة صارمة للتلوث (نموذج التيمز البريطاني)، تُبطئ نضوب الاكسجين وتُعيد بعض الانواع السمكية، رغم ان الاحترار الكوني يبقى العائقَ البنيوي سياسات مائية متكاملة تجمع بين خفض انبعاثات الكربون وتقليص تلوث الانهار بالمغذيات

ما الذي يعنيه هذا لبلداننا العربية؟

قد يبدو الموضوع بعيدا عن واقع المنطقة العربية التي تعاني اصلا شحّ المياه. لكن الانهار العابرة للحدود — كنهر النيل الذي يمر عبر اثيوبيا والسودان ومصر — تقع ضمن المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية الاكثر عرضة لنضوب الاكسجين. انخفاض جودة المياه النهرية يُضاعف الضغط على الثروة السمكية في بحيرات دلتا النيل التي تعاني اصلا من التلوث والاستزراع المكثف. كذلك تستورد دول الخليج والشرق الاوسط كميات ضخمة من البروتين السمكي، وأي تراجع في الانتاج العالمي يُترجَم مباشرة في فواتير الاستيراد واسواق المستهلك.

خلاصة تحليلية: ما تكشفه هذه الدراسة اعمق من مجرد ارقام الاكسجين. إنها دليل على ان أزمة المناخ لا تعمل عبر صدمات مفاجئة فحسب، بل عبر تراكمات بطيئة وصامتة تُعيد هندسة النظم البيئية قبل ان يلاحظها احد. الانهار التي عاشت ملايين السنين كانظمة حية متجددة، تمر اليوم بعملية نضوب هادئة — بلا اعلان، بلا اخبار عاجلة. السؤال الذي يتركه الباحثون مفتوحا هو ما اذا كان بوسع السياسات المائية المحلية ان تكسب الوقت الكافي ريثما تُعالَج الازمة من مصدرها الاساسي: الغازات المُحتبسة في غلافنا الجوي.

المصادر:

  1. Science Advances — مجلة العلوم التطبيقية، الاكاديمية الامريكية للعلوم (AAAS) — دراسة قي غوان، مايو 2026 
  2. وكالة اسوشيتد برس / WSLS — تغطية التحرير الصحفي للدراسة، 15 مايو 2026 
  3. جامعة بن ستيت / Nature Climate Change — دراسة فقدان الاكسجين في 800 نهر، 2023 
  4. الامم المتحدة — اسباب تغير المناخ وآثاره 
  5. سكاي نيوز عربية — الاسماك الكبيرة وخطر فتش الاحتباس الحراري 

الوسوم

تغير المناخ والأنهار | نقص الأكسجين في المياه | تأثير الاحترار على الأسماك | المناطق الميتة في الأنهار | الثروة السمكية والمناخ

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران