المليارات المغلقة: حسابات متضاربة حول ثروة إيران المجمدة

-- دقائق
اقتصاد دولي

بين تقدير صندوق النقد بـ115 مليار دولار ورواية طهران الرسمية بـ27 ملياراً، يكمن فارق يتجاوز الأرقام إلى معركة سياسية ومصرفية تُحدد مصير المفاوضات مع واشنطن

المليارات المغلقة: حسابات متضاربة حول ثروة إيران المجمدة

في الظلال الرمادية للعقوبات الأمريكية، تحولت الأرصدة الإيرانية في الخارج إلى لغز اقتصادي وسياسي معقد. فبينما يصرّ البنك المركزي الإيراني على أن عائدات الصادرات غير المعادة لا تتجاوز 27 مليار دولار، يُشير صندوق النقد الدولي إلى رقم يقارب 115 مليار دولار، فيما تتحدث تقارير غربية عن مطالبة إيران بإطلاق سراح 12 مليار دولار محتجزة في قطر كشرط مسبق لاستمرار المفاوضات. هذا التباين الضخم — بأربعة أضعاف تقريباً — لا يعكس اختلافاً محاسبياً بريئاً، بل يكشف عن حرب موازية في التعريف: ما هي الأصول المجمدة بالضبط، ومن يملك حسابها؟

115.4 مليار دولار
تقدير صندوق النقد 2022
27 مليار دولار
تقدير البنك المركزي الإيراني
12 مليار دولار
مطالب بإطلاقها من قطر 2026
6–11 مليار دولار
الحصة الإيرانية المجمدة في العراق

لماذا يختلف الرقم بأربعة أضعاف؟

الجوهر يكمن في تعريف "الأصول المجمدة". فالرقم الذي يتداوله البنك المركزي الإيراني — 27 مليار دولار — يقتصر على عائدات التصدير غير المعادة، أي العائدات النقدية من بيع النفط والغاز والكهرباء التي حالت العقوبات الأمريكية دون إعادتها إلى طهران. أما التقدير الأعلى — 115 مليار دولار — فهو يشمل الأصول غير النقدية: العقارات، والاستثمارات، والحسابات المصرفية التجارية، والودائع طويلة الأجل.

ويزداد التعقيد مع وجود أكثر من 20 مليار دولار في الصين، وفق تقديرات اقتصادية إيرانية، لكن هذه المبالغ لا تُدرج ضمن الـ27 ملياراً المتداولة رسمياً، نظراً لطبيعة العلاقة الاقتصادية بين البلدين التي تتجاوز في كثير من الأحيان الاعتبارات الأمريكية.

⚠️

غموض متعمد أم فوضى إحصائية؟

لم يوضح محافظ البنك المركزي الإيراني، عبدالناصر همتي، في تصريحاته الأخيرة ما إذا كان رقم الـ100 مليار دولار الذي تحدث عنه يقتصر على الأرصدة النقدية، أم يشمل الأصول غير النقدية المحتجزة في الخارج.

فارق التقديرات: من 27 إلى 115 مليار دولار

المصادر: صندوق النقد الدولي (2022)، البنك المركزي الإيراني، تقارير "دنياي اقتصاد" الإيرانية

أين تتركز الأموال الإيرانية المجمدة؟

تشير البيانات المتداولة داخل إيران إلى أن الجزء الأكبر من هذه الأصول يتركز في سبع دول رئيسة، لكن التوزيع الجغرافي يكشف عن خريطة مصالح سياسية واقتصادية معقدة. العراق يستحوذ على الحصة الأكبر، تليه قطر، ثم مجموعة من الدول الأوروبية والآسيوية.

توزيع الأصول الإيرانية المجمدة حسب الدول (مليار دولار)

المصادر: البنك المركزي الإيراني، تقارير "دنياي اقتصاد"، وكالة "شانا" الإيرانية

  • مايو 2018

    انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي

    أعلن ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وبدأ إعادة فرض العقوبات الأمريكية الأولية، ما أدى إلى تجميد الأصول الإيرانية تدريجياً.

  • نوفمبر 2018

    العقوبات الثانوية الكاملة

    دخلت العقوبات الثانوية حيز التنفيذ، منعاً واسعاً للتعاملات المصرفية مع إيران، ما جعل تحويل الإيرادات المالية أمراً بالغ الصعوبة.

  • أبريل 2022

    تقرير صندوق النقد: 115.4 مليار دولار

    أصدر صندوق النقد تقريراً يقدر فيه الأرصدة الإيرانية الخارجية بـ115.4 مليار دولار، لكن الرقم يشمل أصولاً غير نقدية.

  • مايو 2026

    مفاوضات السلام وشرط قطر

    تطالب إيران بالإفراج عن 12 مليار دولار مجمدة في قطر كشرط مسبق لاستمرار محادثات السلام مع الولايات المتحدة، وفق تقارير "إيران إنترناشيونال".

العراق: الحصة الأكبر والعلاقة الأكثر تعقيداً

يستحوذ العراق على الحصة الأكبر من الأموال الإيرانية المجمدة، إذ يقدر حجمها بما يراوح بين 6 و11 مليار دولار. هذه الأموال هي مستحقات متراكمة لقاء صادرات الغاز والكهرباء الإيرانية إلى بغداد، تحتجز في حسابات داخل المصرف العراقي للتجارة (TBI)، وحالت العقوبات الأمريكية دون تحويلها مباشرة إلى طهران.

المفارقة هنا أن العراق — الشريك الاستراتيجي لإيران — يجد نفسه عالقاً بين التزاماته التجارية مع طهران وضغوط واشنطن. فالعراق يعتمد بشكل كبير على إمدادات الغاز والكهرباء الإيرانية، لكنه لا يستطيع سداد قيمتها نقداً بسبب العقوبات. هذا الوضع خلق دائرة مغلقة: إيران تُصدّر الطاقة، والعراق يدين لها، والأموال تتكدس في حسابات مجمدة.

الدول الأكثر احتجازاً للأموال الإيرانية (مليار دولار)

المصدر: تقديرات إيرانية رسمية وشبه رسمية (2022–2026)

قطر: الوسيط المالي والسياسي

تأتي قطر في المرتبة الثانية بنحو 6 مليارات دولار، لكنها تكتسب أهمية استثنائية لأنها ليست مجرد دولة تحتجز أموالاً، بل وسيطاً مالياً وسياسياً في الأزمة. فقد نُقلت هذه الأموال سابقاً من بنوك كورية جنوبية إلى حسابات خاصة في مصارف قطرية، ضمن تفاهمات دبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة.

لكن التطورات الإقليمية اللاحقة أدت إلى إعادة تقييد الوصول إلى هذه الأموال. واليوم، في مايو 2026، تتوسط قطر لحل خلاف بين طهران وواشنطن حول 12 مليار دولار إضافية، فيما يُطالب المسؤولون الإيرانيون بالإفراج الفوري عنها كشرط لاستمرار محادثات السلام. وقد سافر رئيس البنك المركزي الإيراني، عبدالناصر همتي، إلى الدوحة في 25 مايو 2026 لمناقشة هذه الملفات.

ℹ️

الوساطة القطرية

وفق تقارير "الجيروزالم بوست" و"إيران إنترناشيونال"، فإن قطر تتوسط حالياً لحل خلاف حول آلية الوصول إلى الأموال المجمدة، وهي العقبة الوحيدة الفورية أمام تقدم المفاوضات.

اليابان ولوكسمبورغ: حيث تتقاطع العقوبات والقضاء

في اليابان، تقدر الأموال الإيرانية المجمدة بما بين 1.5 و2 مليار دولار، وهي عائدات تعود إلى صادرات نفطية سبقت انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018. أما في لوكسمبورغ، فتقدر الأموال المحتجزة بنحو 1.6 مليار دولار، وهي أصول مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني كانت مودعة لدى مؤسسة الخدمات المالية "كليرستريم"، قبل أن تجمد على خلفية أحكام قضائية أمريكية مرتبطة بقضايا تعويضات.

هذان المثالان يُبرزان أن التجميد لا يقتصر على العقوبات التنفيذية، بل يمتد إلى المحاكم الأمريكية التي تُصدر أحكاماً ضد إيران في قضايا تعويضات، تُجبر المؤسسات المالية الأوروبية والآسيوية على تجميد الأصول.

✅ التقدير الرسمي الإيراني (27 مليار)

  • عائدات النفط والغاز وصادرات الطاقة فقط
  • موزعة على 7 دول رئيسية
  • رقم البنك المركزي الإيراني الرسمي
  • لا يشمل الأصول غير النقدية
  • لا يشمل الأموال في الصين (20+ مليار)

⚠️ التقدير الدولي (115 مليار)

  • يشمل الأصول النقدية وغير النقدية
  • عقارات واستثمارات وحسابات تجارية
  • تقدير صندوق النقد الدولي (أبريل 2022)
  • يغطي فترة ما قبل الحرب 2026
  • تقديرات القطاع الخاص: 100 مليار دولار

الصين: المحفظة المخفية

تشير بعض التقديرات إلى وجود أكثر من 20 مليار دولار في الصين، إلا أن هذه المبالغ لا تُدرج ضمن إجمالي الـ27 مليار دولار المتداولة في وسائل الإعلام الإيرانية. هذا الاستثناء ليس عبثاً: فالعلاقة الاقتصادية بين إيران والصين لا تخضع في كثير من الأحيان للاعتبارات الأمريكية أو للعقوبات الدولية المفروضة على طهران.

وعليه، يبدو أن الرقم الأكثر تداولاً واعتماداً داخل الأوساط الاقتصادية والإعلامية الإيرانية الرسمية وشبه الرسمية — بما في ذلك البنك المركزي — لا يتجاوز 27 مليار دولار، وهو ما يتعارض مع الروايات التي تتحدث عن أصول نقدية إيرانية مجمدة بأرقام كبيرة. هذا التباين يعكس، في جانب منه، إخفاقات اقتصادية داخلية وعجزاً في إدارة بعض الملفات المالية.

المفاوضات الجارية: أموال مقابل نووي

تكتسب قضية الأصول الإيرانية المجمدة أهمية إضافية في ضوء المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن. فوفق تسريبات دبلوماسية وتقارير إعلامية غربية، بينها ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن أحد السيناريوهات المطروحة يتضمن الإفراج عن نحو 25 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة على مرحلتين، بوصفه جزءاً من تفاهم سياسي أو اقتصادي محتمل.

لكن في مايو 2026، ووسط محادثات السلام بعد الحرب، تبدلت المعادلة. فقد اشترطت إيران الإفراج عن 12 مليار دولار في قطر كشرط مسبق لاستمرار المفاوضات، فيما يرفض ترامب الإفراج عن 25% على الأقل من الأصول المجمدة. هذا التجاذب يكشف أن الملف المالي ليس مجرد "مكافأة" للتوقيع على اتفاق، بل "خط أحمر" إيراني يتقدم على الملف النووي نفسه.

🚨

شرط مسبق أم عقبة دائمة؟

وفق مصادر مطلعة على المفاوضات، فإن الخلاف الجدي الأخير بين إيران والولايات المتحدة يتعلق بآلية الوصول إلى الأموال المجمدة في قطر، وهو ما يهدد بعرقلة أي تفاهم أوسع حول الملف النووي والتهدئة الإقليمية.

نسبة الأموال المجمدة من الناتج المحلي الإيراني

لتقدير حجم الأزمة نسبياً، يكفي القول إن الـ27 مليار دولار تمثل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني (بحسب تقديرات صندوق النقد لعام 2024)، فيما يمثل الرقم الأعلى (115 مليار دولار) نحو 20% من الاقتصاد الإيراني. هذا يعني أن الإفراج عن هذه الأموال — حتى جزئياً — قد يُحدث تحولاً جذرياً في السيولة المحلية وأسعار الصرف.

الأموال المجمدة / الناتج المحلي (تقدير رسمي: 27 مليار) 5%
الأموال المجمدة / الناتج المحلي (تقدير صندوق النقد: 115 مليار) 20%
الأموال المطلوب إطلاقها من قطر / إجمالي المجمدة 44%

سيناريوهات الإفراج عن الأصول المجمدة

السيناريوالشرطالنتيجة المحتملة
إفراج كاملاتفاق نووي شامل + رفع العقوباتتدفق 25–50 مليار دولار، انخفاض حاد في التضخم
إفراج جزئيهدنة إقليمية + تمديد وقف التخصيبإطلاق 10–15 مليار دولار، تحسن محدود في السيولة
تجميد مستمرفشل المفاوضات أو انهيار الهدنةمزيد من الضغط على الريال، تفاقم العجز التجاري
"الأموال المجمدة ليست مجرد أرقام في حسابات مصرفية، بل هي أوراق ضغط سياسي تُستخدمها كل جهة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية." — تحليل اقتصادي إيراني، صحيفة "دنياي اقتصاد"

لماذا يصعب حسم هذا الملف؟

يبقي ملف الأصول الإيرانية المجمدة خاضعاً لتجاذبات سياسية واقتصادية معقدة، تتجاوز الحسابات المالية البحتة. فالعقوبات الأمريكية — المفروضة عامي 2018 و2019 — قيدت على نطاق واسع التعاملات المصرفية الإيرانية، ما جعل تحويل الإيرادات المالية إلى داخل إيران أمراً بالغ الصعوبة، حتى بالنسبة إلى الدول التي حافظت على علاقات اقتصادية مع طهران.

ويرى محللون اقتصاديون إيرانيون أن استمرار هذا الغموض يعكس، في جانب منه، إخفاقات اقتصادية داخلية وعجزاً في إدارة بعض الملفات المالية، في وقت تحمل السلطات الإيرانية العقوبات الدولية جانباً كبيراً من الأزمة الاقتصادية التي أرهقت المواطن الإيراني. فالخلاف بين البنك المركزي والقطاع الخاص حول حجم الأموال المجمدة ليس خلافاً تقنياً، بل صراعاً على المسؤولية: من يتحمل عبء الفشل في إعادة الأموال؟

الأموال الإيرانية المجمدة ليست أرقاماً محايدة في جداول إحصائية، بل أوراق ضغط سياسية تتحرك بإيقاع المفاوضات. والسؤال ليس كم حجمها بالضبط — فالفارق بين 27 و115 مليار دولار يكفي لإخفاء الحقيقة — بل: من يملك مفاتيح فك هذه القفل؟ وهل سيتم ربط الإفراج عنها باتفاق نووي جديد، أم ستظل رهينة حروب إقليمية لم تنتهِ بعد؟

المصادر:

  1. إندبندنت عربية — 27 مايو 2026
  2. Jerusalem Post — 25 مايو 2026
  3. Iran International — 26 مايو 2026
  4. الجزيرة نت — 26 مايو 2026
  5. RT Arabic — 26 مايو 2026

الوسوم

أموال إيرانية مجمدة | عقوبات أمريكية | مفاوضات نووية | صندوق النقد الدولي | البنك المركزي الإيراني

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟