رسوم الكابلات في هرمز: حين يتحول الإنترنت إلى شريان للمساومة
تهديد طهران بفرض إتاوات على كابلات البيانات البحرية ليس امتداداً لأزمة النفط، بل إعلان عن جبهة جديدة تُعاد فيها هندسة مفهوم القوة
كابلات بحرية للإنترنت — الشريان الخفي للاقتصاد الرقمي العالمي في قلب التوتر الجيوسياسي (صورة تعبيرية)ليست تغريدة العميد إبراهيم ذو الفقاري في 9 مايو 2026 مجرد استعراض عسكري. حين قال "سنفرض رسوماً على كابلات الإنترنت"، كان يرسم معادلة نفوذ مختلفة كلياً: لم يعد التهديد إغلاق مضيق هرمز بوجه النفط، بل التحكم بتدفق البيانات. الهدف لم يعد إحداث صدمة في أسواق الطاقة فحسب، بل زعزعة الثقة في بنية تحتية رقمية لا تقل حيوية.
جاء التلويح الإيراني في لحظة تقاطع ثلاثي: تشديد العقوبات الأميركية، تراجع خيارات الردع التقليدية، وارتفاع الاعتماد العالمي على تدفق البيانات عبر كابلات محصورة في ممرات ضيقة. النتيجة لم تكن تهديداً تقليدياً، بل اختباراً لنوع جديد من القوة يجمع بين الجغرافيا والتقنية والغموض القانوني.
لماذا الكابلات تحديداً؟
تمر في أعماق مضيق هرمز حزم من كابلات الألياف الضوئية تنقل يومياً معاملات مالية بمليارات الدولارات، وتؤمن اتصال مراكز المال والأعمال في الخليج بأسواق أوروبا وآسيا. هذه الكابلات، التي لا يتجاوز سُمْك بعضها سُمْك خرطوم حديقة، هي ممرات لا بديل سريعاً أو منخفض التكلفة لها لبعض الاقتصادات الإقليمية.
التهديد باستهدافها يختلف عن التهديد باستهداف ناقلات النفط في ثلاثة جوانب جوهرية:
لماذا تختلف كابلات البيانات عن ناقلات النفط كورقة ضغط؟
| البُعد | النفط | الكابلات البحرية |
|---|---|---|
| إمكانية التعويض السريع | مخزونات استراتيجية تغطي شهوراً | تحويل المسارات يتطلب وقتاً واستثمارات ضخمة |
| حجم الضرر اللحظي | ارتفاع تدريجي في الأسعار | انقطاع فوري لخدمات مالية واتصالية حيوية |
| الغطاء القانوني للتهديد | انتهاك صريح للقانون الدولي | منطقة رمادية تسمح بالمناورة الخطابية |
المصدر: تحليل يستند إلى معطيات اتفاقية قانون البحار (UNCLOS) وتقارير قطاع الاتصالات البحرية
خرائط الكابلات تتجنب إيران... فكيف تفرض الرسوم؟
المشغّلون الدوليون لم ينتظروا التهديد الإيراني ليتصرفوا. الباحث مصطفى أحمد يوضح أن "المشغّلين تجنبوا منذ فترة طويلة المياه الإيرانية، وركزوا معظم الكابلات في نطاق ضيق على الجانب العماني من المضيق". التهديد إذن يصطدم بعقبة قانونية وجغرافية: كيف تفرض رسوماً على بنية تحتية لا تمر أصلاً بمياهك الإقليمية؟
أحد الاحتمالين: إما أن طهران تستند إلى تفسير موسّع لاتفاقية قانون البحار يمنح الدولَ المشاطئة حقوقاً تتجاوز الـ 12 ميلاً بحرياً، أو أنها ببساطة تختبر ردود الفعل الدولية دون أساس قانوني متين. الغموض هنا مقصود، وهو جزء من الاستراتيجية: خلق حالة من عدم اليقين تكفي وحدها لرفع كلفة التأمين وإرباك حسابات المستثمرين.
عقدة العقوبات: ادفعوا لإيران وواجهوا واشنطن
حتى لو نجحت طهران في إرساء غطاء قانوني لمطالبها، تصطدم بجدار العزلة المالية. شركات مثل غوغل ومايكروسوفت وميتا وأمازون ممنوعة من أي تعاملات مع الحكومة الإيرانية بموجب نظام العقوبات الأميركي الصارم. أي محاولة للامتثال تعني التعرض لعقوبات مضادة، وأي رفض يعطي طهران ذريعة لتصعيد خطابي جديد.
هذه المعضلة تفسّر لماذا نقلت "سي أن أن" عن مصادر في القطاع التقني أن الشركات قد تتعامل مع التصريحات الإيرانية "كاستعراض قوة وليس سياسة فعلية". لكن حتى التهديد غير القابل للتنفيذ الفوري يحمل كلفة: ارتفاع أقساط التأمين، تعقيد نماذج تقييم المخاطر، وضغط على الحكومات الخليجية لتأمين مسارات بديلة.
حجم الكابلات المستهدفة: أقل من 1% من السعة العالمية... لكنها ليست القصة الكاملة
أكدت إحدى شركات تشغيل الكابلات أن الكابلات العابرة لمضيق هرمز تمثل "أقل من 1% من السعة الدولية للإنترنت عالمياً بحلول عام 2025". هذا الرقم قد يبدو مطمئناً، لكنه يخفي حقيقة أن بعض هذه الكابلات تحمل وزناً استراتيجياً يفوق حجمها النسبي بكثير. فجزء مهم من المعاملات المالية بين المراكز المصرفية في الخليج وأوروبا وآسيا يمر عبر هذه المسارات. أي تعطيل — حتى لو كان محدوداً زمنياً — قد تترتب عليه ارتدادات مالية تتجاوز ما توحيه نسبة 1%.
من يدفع الثمن أولاً؟
اقتصادات الخليج التي استثمرت مليارات في التحول إلى مراكز مالية وتقنية لا تتحمل تهديدات متكررة لاتصالها بالعالم الرقمي. هذا الواقع قد يسرّع ثلاثة مسارات دفاعية:
| المسار الدفاعي | ماذا يعني عملياً؟ | الجدول الزمني المتوقع |
|---|---|---|
| تنويع مسارات الكابلات | كابلات أرضية عبر السعودية والعراق وتركيا | استثمارات متسارعة خلال 3-5 سنوات |
| تعزيز الحماية القانونية | اتفاقات دولية تحصن الكابلات من الابتزاز | مباحثات فنية وقانونية فورية |
| رفع الجاهزية للتحويل | خطط طوارئ لإعادة توجيه البيانات عند أي تعطيل | إجراءات تشغيلية قصيرة المدى |
حرب الكابلات: تكتيك قديم في ثوب جديد
التاريخ يذكّرنا أن استهداف كابلات الاتصالات ليس ابتكاراً إيرانياً. في مستهل الحرب العالمية الأولى، قطعت بريطانيا كابلات ألمانيا البحرية لعزلها عن العالم. يومها كانت العملية تتطلب سفناً حربية. اليوم، يكفي التلويح بالتعطيل أو فرض شروط تشغيلية — مثل منح حقوق الصيانة حصراً لشركات إيرانية — لتحقيق الهدف نفسه: إثبات أن المتجاهِل لإيران يدفع ثمناً باهظاً.
دينا إسفندياري، رئيسة قسم الشرق الأوسط في "بلومبيرغ إيكونوميكس"، تختصر المنطق: "الهدف هو فرض تكلفة باهظة للغاية على الاقتصاد العالمي، بحيث لا يجرؤ أحد على مهاجمة إيران مرة أخرى". هذه الاستراتيجية لا تحتاج إلى تنفيذ فعلي لتحقق أثرها، بل تحتاج فقط إلى تصديق العالم بقدرتها على التنفيذ.
السيناريوهات الثلاثة: من الاستعراض إلى المواجهة
كيف يمكن أن يتطور مشهد كابلات هرمز؟
| السيناريو | الشرط | المآل |
|---|---|---|
| الأرجح — بقاء التهديد خطابياً | استمرار العزلة المالية وغياب الأساس القانوني الصلب | حرب نفسية ترفع كلفة التأمين دون مواجهة تقنية |
| الأخطر — تعطيل جزئي | تصعيد إقليمي يدفع طهران لاختبار الورقة فعلياً | صدمة في أسواق المال والاتصالات وارتباك في الخليج |
| البديل — تسريع فك الارتباط بهرمز | استثمارات ضخمة في مسارات كابلات بديلة بعيداً عن إيران | طهران تخسر ورقة ضغطها قبل أن تستخدمها فعلياً |
ما وراء الاستعراض: إعادة تعريف القوة الإيرانية
التهديد بفرض رسوم على كابلات الإنترنت لا يُقرأ بمعزل عن سياق أوسع تعيشه طهران. فالنظام الذي خسر أوراق ضغط تقليدية بفعل العقوبات والضربات الإسرائيلية والأميركية يبحث عن أوراق جديدة أقل كلفة وأصعب ردعاً. الكابلات البحرية توفر هذه الورقة: بنية تحتية حيوية، غموض قانوني، وتأثير عالمي فوري.
لكن لهذه الاستراتيجية وجهاً عكسياً: كلما لوّحت إيران بالتحكم في الكابلات، زادت حوافز القوى الدولية والإقليمية للاستثمار في فك ارتباطها بهرمز كلياً. المسارات الأرضية البديلة، وتقنيات الاتصال عبر الأقمار الصناعية، ومراكز البيانات الإقليمية — كلها مشاريع قد تتسارع، لتجعل من التهديد الإيراني الحالي آخر تهديد من نوعه قبل أن يفقد مفعوله.
ما تختبره طهران اليوم ليس مجرد قدرتها على ابتزاز شركات التقنية الكبرى، بل قدرة النظام الدولي على حماية بنيته التحتية الرقمية من التحول إلى رهينة جيوسياسية. التهديد قد يبقى خطابياً، وقد يتحول إلى تعطيل جزئي، لكنه في الحالتين يكتب الفصل الأول من صراع لا يدور على النفط، بل على البيانات. وفي هذا الصراع الجديد، لا تُقاس القوة بعدد البراميل التي تمر، بل بعدد التيرابايتس التي يمكن إيقافها.
المصادر:
- العربية — إيران تسعى لفرض رسوم على الكابلات البحرية في أعماق هرمز (18 مايو 2026)
- سي أن أن — تقرير حول اعتبار شركات التقنية التهديدات الإيرانية استعراض قوة (مايو 2026)
- تغريدة العميد إبراهيم ذو الفقاري على منصة إكس (9 مايو 2026)
- تصريحات دينا إسفندياري — بلومبيرغ إيكونوميكس (مايو 2026)
- تصريحات الباحث مصطفى أحمد حول تمركز الكابلات في الجانب العماني
- بيانات شركة تشغيل كابلات بحرية حول نسبة 1% من السعة العالمية
الوسوم
الكابلات البحرية | مضيق هرمز | إيران | أمن البيانات | الجيوسياسة الرقمية
تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار