هرمز المُغلق: كيف حوّل صراع واحد أسواق النفط إلى أزمة تاريخية؟
وكالة الطاقة الدولية تُقرّ بأن العالم يخوض أسوأ صدمة إمدادات في تاريخه — والأرقام تُثبت ذلك
في 28 فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركاً على إيران. في غضون أيام، أغلقت طهران مضيق هرمز أمام حركة الناقلات. لم تكن تلك مجرد خطوة عسكرية — بل كانت لحظة تحوّلت فيها خريطة الطاقة العالمية بالكامل. اليوم، وبعد أكثر من سبعين يوماً على اندلاع الصراع، يُعلن مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول صراحةً أن ما يجري "هو الأكبر في التاريخ". فما الأرقام التي تُدعم هذا الحكم؟ وما الذي يعنيه ذلك لأسواق الطاقة وللمستهلك العادي؟
أرقام لم يشهدها السوق من قبل
الصورة الكمية واضحة وصادمة: توقعت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الصادر اليوم الأربعاء 13 مايو 2026 أن تبلغ إجمالي خسائر الإمدادات العالمية جراء إغلاق مضيق هرمز 12.8 مليون برميل يومياً، وأن تنخفض الإمدادات العالمية بنحو 3.9 ملايين برميل يومياً طوال العام الجاري.
لاستيعاب حجم هذا الرقم، تكفي مقارنة واحدة: تراجعت التدفقات عبر المضيق من نحو 20 مليون برميل يومياً في فبراير إلى 3.8 مليون برميل فقط في مطلع أبريل — انخفاض بنسبة تتجاوز 80% خلال أسابيع. وقد سجّل إجمالي إمدادات تحالف أوبك بلس انخفاضاً بمقدار 9.4 ملايين برميل يومياً مقارنةً بفبراير، وهو الأكبر منذ عقدين تقريباً.
| المؤشر | القيمة | المصدر |
|---|---|---|
| إجمالي خسائر الإمدادات العالمية | 12.8 مليون ب/ي | وكالة الطاقة الدولية، 13 مايو 2026 |
| انخفاض إمدادات أوبك+ (مقارنة بفبراير) | 9.4 مليون ب/ي | بيانات أوبك |
| تدفقات هرمز (فبراير ← أبريل) | 20 مليون → 3.8 مليون ب/ي | وكالة الطاقة الدولية |
| سعر برنت (قبل الحرب ← الآن) | ~70 دولار → 94–120 دولار | EIA / مصراوي |
| متوسط برنت المتوقع لعام 2026 | 94.85 دولار/برميل | إدارة معلومات الطاقة الأمريكية |
| ما فقده الشرق الأوسط حتى الآن | أكثر من مليار برميل | وكالة الطاقة الدولية |
لماذا هذه المرة مختلفة عن كل الأزمات السابقة؟
الأزمات النفطية السابقة كانت في معظمها أحادية المصدر: إما اضطراب جيوسياسي في منطقة بعينها، وإما قرار سياسي من أوبك. ما يجري اليوم أشد تركيباً.
"هذه بالفعل أكبر أزمة في التاريخ. إذا جمعنا بين آثار أزمة النفط الحالية وأزمة الغاز المرتبطة بالحرب الروسية-الأوكرانية، نجد أنفسنا أمام وضع مركّب وغير مسبوق في أسواق الطاقة."
— فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، لإذاعة فرانس إنتر
المقصود بـ"الوضع المركّب" أن أسواق الطاقة العالمية لم تتعافَ بعد من صدمة الغاز الأوروبي التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، ثم جاءت صدمة النفط الراهنة لتضرب سوقاً لا يزال هشاً. الضرر المادي للبنية التحتية النفطية الإيرانية كان محدوداً نسبياً، لكن الإغلاق الفعلي للمضيق أفضى إلى توقف الإنتاج في دول خليجية مجاورة — العراق والكويت والإمارات والسعودية وقطر والبحرين — بإجمالي 10.5 مليون برميل يومياً خلال شهر أبريل.
أوضح الرئيس التنفيذي لأرامكو السعودية أمين الناصر أن إغلاق هرمز يُفقد السوق ما يصل إلى 100 مليون برميل أسبوعياً، وأن هذا المستوى من الاضطراب قد يؤخر التعافي الكامل لأسواق الطاقة حتى عام 2027. وزاد من تعقيد المشهد أن إلغاء وثائق التأمين دفع ناقلات النفط إلى تجنّب المنطقة تماماً، مما امتلأت معه مرافق التخزين بشكل استثنائي.
الفجوة التي لا يسدّها الإنتاج الأمريكي وحده
المنطق التقليدي يقول إن ارتفاع الأسعار يُحفّز إنتاج النفط الصخري الأمريكي وينعش دول أوبك غير الخليجية. هذا صحيح جزئياً، لكنه غير كافٍ في هذه الحالة. قدّر محللو المصارف الكبرى أنه "حتى لو أُعيد فتح المضيق غداً، فإن الوقت اللازم لإعادة تشغيل الحقول وإصلاح المصافي وإعادة تموضع ناقلات النفط يعني أن السوق في طريقه لخسارة مليار برميل إضافية خلال الفترة المتبقية من 2026".
بعبارة أوضح: الأزمة باتت تمتلك زخماً ذاتياً، مستقلاً عن مسار الحرب العسكرية نفسها. وتفترض إدارة معلومات الطاقة الأمريكية استمرار إغلاق المضيق حتى أواخر مايو الجاري، قبل أن تبدأ حركة الملاحة في الانتعاش في يونيو — وهو افتراض يرى كثير من المحللين أنه متفائل بمرحلة.
من يدفع الفاتورة؟ — التأثير على الاقتصادات النامية
ارتفاع أسعار النفط لا يوزّع آثاره بالتساوي. الدول المستوردة الصافية للطاقة — ومعظمها دول نامية — هي الأكثر تضرراً. في مصر تحديداً، ارتفع معدل التضخم السنوي للحضر إلى 15.2% في مارس 2026 مقابل 13.4% في فبراير، في حين بلغ التضخم الأساسي 14% — وهو مستوى يُصعّب على البنك المركزي تحقيق مستهدفه البالغ 7% بنهاية العام.
قامت الحكومة المصرية في التاسع من مارس برفع أسعار الوقود والغاز والمواد البترولية، في خطوة وصفها اقتصاديون بأنها "حتمية" في ظل ارتفاع أسعار الخام العالمية. لكن للأمر أبعاداً أخرى: انخفاض إيرادات قناة السويس بسبب تراجع حركة الناقلات، وتباطؤ تحويلات المصريين في الخليج، وتراجع توقعات النمو من 4.9% إلى 4.6% لعامَي 2026 و2027.
على مستوى أوروبا، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو منطقة اليورو من 1.4% إلى 1.1%، مع ارتفاع التضخم من 1.9% إلى 2.6% في مارس. وآسيا ليست بمنأى، إذ تأثرت الطلب في منطقتَي أوروبا وآسيا والمحيط الهادئ بنقص إمدادات الناقلات الناجم عن إغلاق المضيق.
ثلاثة سيناريوهات — وسؤال واحد مفتوح
| السيناريو | الشرط | أسعار برنت المتوقعة | التداعيات الكبرى |
|---|---|---|---|
| الأرجح: انفراجة جزئية في يونيو | تعافٍ تدريجي للملاحة عبر هرمز نهاية مايو | 85–95 دولار (نهاية 2026) | تضخم مرتفع لكن مُدار، تعافٍ بطيء في 2027 |
| الأخطر: صراع ممتد | استمرار الإغلاق وتصعيد عسكري إضافي | 120–140 دولار | ركود تضخمي عالمي، ضغط حاد على دول نامية |
| البديل: اتفاق دبلوماسي مفاجئ | تسوية سياسية إيرانية-أمريكية | 70–80 دولار | انخفاض سريع في الأسعار لكن فجوة الإمدادات تستغرق أشهراً للإغلاق |
التنويه الضروري: السيناريوهات المبنية على أدلة (الأول والثاني) تعكس توقعات مؤسسات متخصصة كـ EIA وغولدمان ساكس. أما السيناريو الثالث فهو الأقل احتمالاً في ضوء التصريحات الراهنة، لكنه يبقى الأهم للمتابعة كـ"نقطة انعكاس" محتملة للأسواق.
ماذا يعني ذلك لك أنت؟
إذا كنت مستهلكاً في دولة نامية، فأنت تدفع فاتورة هذه الأزمة مضاعفة: مباشرةً عبر ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء، وغير مباشرةً عبر تكاليف الشحن التي ترفع سعر كل سلعة مستوردة. إذا كنت مستثمراً أو صاحب قرار، فإن تحليل المصارف الكبرى يقول إن "الأسعار تعكس سلوكاً دفاعياً من الأسواق، لا تحسّناً في الطلب" — وهذا الفارق جوهري: الارتفاع الحالي ليس دليل صحة اقتصادي، بل دليل أزمة إمداد حقيقية.
وإذا كنت مسؤولاً عن سياسة طاقة في دولة مستوردة، فالرسالة أوضح: التنويع في مصادر الطاقة والاستثمار في البدائل المحلية لم يعد ترفاً استراتيجياً — بل ضرورة وجودية أثبتتها الأحداث مرة أخرى.
مضيق هرمز لم يكن يوماً مجرد ممرٍّ مائي؛ كان دائماً "الحنجرة" التي يمر عبرها خُمس نفط العالم. ما جرى منذ فبراير 2026 ليس اضطراباً عابراً، بل اختباراً قاسياً للهشاشة البنيوية التي يقوم عليها النظام العالمي للطاقة. السؤال الأهم الآن ليس "متى تنتهي الأزمة؟" — بل: "ما الذي سيتغير هيكلياً في أسواق الطاقة بعد أن يُفتح المضيق مجدداً؟"
مصادر
الوسوم
مضيق هرمز | أسعار النفط | أسواق الطاقة | الاقتصاد العالمي | أزمة تاريخية

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار