حرب الاتهامات الإعلامية: لماذا تُصوِّر إسرائيل مصرَ عدواً في شاشاتها قبل أن تُعلنها عدواً على حدودها؟

-- دقائق
جيوسياسة - العلاقات المصرية الإسرائيلية

تصعيد إعلامي إسرائيلي منظّم ضد القاهرة يتجاوز السجال اليومي نحو منطق استراتيجي أعمق — والرد المصري يكشف أن ثمة ما هو أكبر من مجرد مقالات في الصحف

حرب الاتهامات الإعلامية: لماذا تُصوِّر إسرائيل مصرَ عدواً في شاشاتها قبل أن تُعلنها عدواً على حدودها؟قمة كامب ديفيد 1978 حين وقّع السادات وبيغن معاهدة السلام برعاية كارتر. اليوم تواجه هذه المعاهدة أشد اختباراتها منذ التأسيس. (أرشيف)

لم تكن مقالات الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين التي تتهم مصر بـ"اللعبة المزدوجة" وتُصوِّر مناوراتها العسكرية في سيناء باعتبارها إنذاراً وجودياً — مجرد رأي فردي عابر. فحين تتبنى صحيفتا "معاريف" و"جيروزاليم بوست" هذه الاتهامات بصورة متزامنة، وحين يُصرّح السفير الإسرائيلي في واشنطن يشيئيل ليتر بأن "مصر في انتهاك خطير لاتفاقية السلام"، وحين يُطالب وزير الدفاع يسرائيل كاتز بتدخل أمريكي لإلزام القاهرة بتفكيك بنيتها العسكرية — تتجاوز الصورة حدود السجال الإعلامي إلى ما يشبه الحملة المنسّقة ذات غاية استراتيجية واضحة.

السؤال الجوهري ليس: هل ينتقد الإعلام الإسرائيلي مصر؟ بل: لماذا الآن؟ ولصالح من؟ وإلى أين يؤدي هذا التصعيد على علاقة عمرها 46 عاماً؟

فحص المصدر: من يتحدث ومن يموّل الخطاب؟

تُصنَّف المنابر الإعلامية الإسرائيلية التي تقود هذه الحملة — وأبرزها "معاريف" و"إسرائيل هيوم" و"يديعوت أحرونوت" — في خانة الميل التحريري نحو تيار نتنياهو أو المتاخم له. ورصد المحللون الإسرائيليون أنفسهم تناقضاً جوهرياً في طبيعة هذه الحملة وتوقيتها.

أشار الباحث آساف دافيد من معهد فان لير بالقدس إلى أن "التحريض واضح"، محذراً من احتمال أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى تهميش مصر بوصفها وسيطاً — لا سيما في ضوء ما بات يُعرف بـ"فضيحة قطرغيت" (Qatargate)، التي أسفرت عن اعتقال مستشارين في مكتب نتنياهو بتهمة التنسيق مع جهات قطرية وما خلّفته من شكوك حول نوايا الحكومة الإسرائيلية في تهميش وسطاء المنطقة.

اعترفت جيروزاليم بوست ذاتها بأن كثيراً من الفيديوهات المتداولة لدبابات مصرية في سيناء تعود إلى سنوات سابقة، وأنها "فجأة بدت أكثر إثارة للقلق" في السياق الراهن — إقرار ضمني بأن التوقيت مُهندَس، لا عفوي.

خريطة الاتهامات: أربعة محاور في آنٍ واحد

مسار الاتهام الجهة المتهِمة الرد المصري الرسمي
حشد عسكري في سيناء يتجاوز اتفاقية السلام السفير ليتر، وزير الدفاع كاتز التحشيد منسَّق وفق تعديل 2005 ومرتبط بمكافحة الإرهاب
تهريب أسلحة لغزة عبر سيناء إسرائيل هيوم، مواقع دينية متشددة هيئة الاستعلامات: معظم أسلحة حماس تصل بحراً تحت رقابة البحرية الإسرائيلية
التحريض الإعلامي المصري ضد إسرائيل كوهين، معاريف، حملات رقمية استجابة طبيعية للاستفزازات الإسرائيلية المتواصلة وانعكاس للشعور الشعبي
"اللعبة المزدوجة" في ملف حماس ليتر، التيار الداعم لنتنياهو مصر وسيط استضاف مفاوضات الهدنة وتعارض حماس أيديولوجياً بوصفها امتداداً للإخوان

غير أن ثمة سياقاً معكوساً يكاد يُغفله هذا الإعلام: وفقاً لتقارير موثوقة، أصدر وزير الدفاع الإسرائيلي كاتز أوامر بتعزيز التحصينات العسكرية على الحدود المصرية — في ما وصفه خبراء قانونيون مصريون بأنه "انتهاك صريح للمعاهدة" من الجانب الإسرائيلي ذاته، وتحديداً في منطقة "محور فيلادلفيا" (Philadelphi Corridor) الذي تُصرّ مصر على انسحاب إسرائيل منه.

الجذر الاستراتيجي: غزة والخط الأحمر المصري

لا يمكن فهم هذا التصعيد الإعلامي بمعزل عن ملف واحد يهيمن على كل التوترات: مقترح ترحيل الفلسطينيين إلى سيناء. منذ أن طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مطلع 2025 فكرة "تهجير غزة وإعادة بنائها"، وقفت القاهرة بحزم مطلق ضد أي تهجير قسري، معتبرةً إياه "خطاً أحمر" يمسّ الأمن القومي المصري في جوهره.

رصدت الجزيرة الإنجليزية في أبريل 2026 أن التدريبات العسكرية المصرية في سيناء، رغم تنسيقها مسبقاً مع إسرائيل وفق شروط المعاهدة، قد صوّرها إعلام إسرائيلي على أنها جزء من "أجندة أشمل ومقلقة" — وهو ما وصفه المحللون بمحاولة لتأطير موقف دفاعي مشروع باعتباره تهديداً هجومياً.

قالت الوزيرة الإسرائيلية السابقة ميرا أورون في تعليق كاشف: "مصر ستردّ إذا هوجمت — لدينا معاهدة سلام. الناس فقدوا عقولهم. هناك موجة قذرة في إسرائيل ضد مصر." وأضافت إن المصريين "يرون إسرائيل دولةً فوق القانون، ويريدون أن يقولوا لها: لا تتجرأ علينا."

الإعلام المصري: ردٌّ عاطفي أم وعي استراتيجي؟

في مواجهة هذه الحملة، برز الإعلاميون المصريون — وفي مقدمتهم نشأت الديهي — بردود حادة وصفت اتهامات كوهين بأنها "حملة تشويه منسّقة" تهدف إلى الإضرار بالعلاقة بين البلدين. ونقلت صحيفة "معاريف" العبرية ما وصفته بـ"هجوم غير مسبوق" من إعلامي مصري بارز، في حين أشارت إلى وجود حالة "صدمة" إسرائيلية من حدّة الردود المصرية على مقالات من قبيل "حرب باردة" و"مناورات مصر ضد إسرائيل: من دعم إيران إلى التدريبات العسكرية على الحدود".

والأهم من حدّة الردود أن مراقبين إسرائيليين رصينين انتقدوا هم أيضاً الخطاب التصعيدي في بلادهم. وصف بعضهم ما يجري بـ"طبل الحرب"، محذرين من أن كسر الثقة مع القاهرة يُقوِّض الإطار الأمني الإقليمي برمّته.

طبقة التأثير: من يكسب ومن يخسر؟

المستفيد الأول: تيار نتنياهو الذي يسعى إلى إعادة تأطير معاهدة كامب ديفيد كورقة ضغط بدلاً من التزام ثابت، وإقصاء مصر من دور الوسيط في أي تسوية قادمة لغزة.

المستفيد الثاني: المتشددون الإسرائيليون الذين يتطلعون إلى تثبيت الوجود الإسرائيلي في محور فيلادلفيا دون قيد دبلوماسي مع القاهرة.

المتضرر الأول: استقرار منظومة السلام الإقليمية — إذ يرى المحللون أن تآكل الثقة بين القاهرة وتل أبيب يُهدد الآلية الوحيدة المتاحة للتواصل في الأزمات.

المتضرر الثاني: مصر اقتصادياً — إذ جمّدت إسرائيل في أكتوبر 2025 صفقة تصدير الغاز الطبيعي بقيمة 35 مليار دولار بذريعة مخاوف التهريب، مما يُثبت أن الاتهامات الإعلامية تمتلك ذيلاً اقتصادياً حقيقياً.

ثلاثة سيناريوهات لمسار الأزمة

السيناريو المؤشرات الداعمة الاحتمال
الأرجح: احتواء التوتر دبلوماسياً البلدان حليفان لأمريكا، ولكليهما مصلحة في استقرار الحدود، وتاريخ 46 عاماً من الصمود أمام الاختبارات مرتفع
الأخطر: تصعيد يُجمِّد الوساطة المصرية تهميش مصر يُفقدها حافزاً لاحتواء الجنوب، ما يُعيد تأجيج الأزمة الإنسانية وإطالة أمد الحرب متوسط
البديل: إعادة تفاوض على ملحق المعاهدة ضغط أمريكي على الطرفين لتحديث الاتفاقية بما يعكس الواقع الميداني الراهن منذ 1979 منخفض لكنه الأجدى

ماذا يعني هذا على أرض الواقع؟

ثمة ثلاثة تداعيات عملية مباشرة تمسّ القارئ المصري والإقليمي على حدٍّ سواء:

أولاً: صفقة الغاز المجمّدة (35 مليار دولار) تُمثّل ورقة ضغط حقيقية على الاقتصاد المصري الذي يواجه أصلاً ضغوطاً متراكمة في ظل فاتورة الديون الخارجية الثقيلة.

ثانياً: تصوير مصر دولياً وسيطاً "مُتحيّزاً" بدلاً من "وسيط ذي مصداقية" يُضعف ورقتها التفاوضية في ملفات إقليمية متعددة تمتد من ليبيا إلى السودان.

ثالثاً: الخطاب التصعيدي من كلا الجانبين — الإسرائيلي والمصري — يُشكِّل رأياً عاماً يضيّق هامش المناورة الدبلوماسية ويجعل أي تسوية هادئة أصعب سياسياً، حتى حين تكون ممكنة تقنياً.

ما يجري ليس سجالاً إعلامياً عادياً بين دولتين جارتين. إنه مرآة لصراع استراتيجي أعمق حول من يملك حق تشكيل مستقبل غزة وترتيبات اليوم التالي في المنطقة. إسرائيل تريد أن تجعل من مصر متهمة قبل أن تكون شريكاً في أي تسوية. ومصر ترفض هذا التأطير بكل ما تملكه من أدوات دبلوماسية وإعلامية وعسكرية.

السؤال المفتوح الذي سيحدد مسار المرحلة: هل تملك واشنطن — التي تحاول بناء صفقة إقليمية كبرى — الإرادة لكبح هذا التصعيد قبل أن يُهدم الجسر الوحيد المتبقي بين القاهرة وتل أبيب؟

المعطيات المتوفرة حتى مايو 2026؛ التطورات اللاحقة قد تُعدّل بعض مسارات التحليل.

المصادر:

  1. Middle East Eye — Israel accused of incitement against Egypt over Sinai troop buildup claims (أبريل 2025)
  2. Newsweek — Israel Warns Egypt Over Military Buildup (مارس 2025)
  3. الجزيرة الإنجليزية — هل تهدد مصر إسرائيل عبر مناوراتها؟ (أبريل 2026)
  4. The New Arab — Israel is militarising Egypt border in violation of peace treaty (نوفمبر 2025)
  5. Jerusalem Post — Egypt's Sinai military moves spark Israeli warnings (فبراير 2025)

الوسوم

مصر | إسرائيل | غزة | الإعلام الإسرائيلي | التوتر الإقليمي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟