روبيو يُلمح لاتفاق مع إيران "اليوم": هل تُجيد واشنطن لعبة "العصا والجزرة" مع طهران؟
وزير الخارجية الأمريكي يتحدث عن اكتمال 95% من الاتفاق، فيما تُحذّر إسرائيل من "الدفاع عن النفس" وتتعثر معاهدة عدم الانتشار
حدود المعرفة الزمنية
المعطيات المتوفرة حتى 25 مايو 2026؛ التطورات اللاحقة قد تُعدّل التحليل. المصدر الرئيسي: الجزيرة نت، ووكالة رويترز.
لم يكن تصريح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مجرد تلميح عابر حين قال، مغادراً نيودلهي، إن الاتفاق مع إيران "قد يُبرم اليوم". وراء هذه العبارة تتراكم أسابيع من المفاوضات المكثفة، ورسائل عسكرية مبطنة، وضغط دبلوماسي غير مسبوق يُمارسه الرئيس دونالد ترمب على طهران. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط متى يُبرم الاتفاق، بل ما ثمنه، و<من يدفع الفاتورة، و<هل يُغيّر هذا الاتفاق — إن تحقق — ميزان القوى في الشرق الأوسط؟
السياق يقول إن واشنطن تتبنى نهجاً يمزج بين "الدبلوماسية المحددة زمنياً" و"التهديد الضمني بالبدائل". روبيو لم يُخفِ أن الولايات المتحدة إما تتوصل إلى "اتفاق جيد" أو تتعامل مع إيران "بطريقة أخرى". هذه اللغة، التي تُذكّر بأسلوب ترمب في التفاوض، تضع المفاوضات في إطار لا يُجيده سواه: العصا والجزرة، لكن هذه المرة مع سقف زمني يُهدد بانفجار المنطقة إن انهار.
لماذا تسارعت وتيرة المفاوضات الآن؟
الإجابة تكمن في تراكم ثلاثة عوامل متزامنة. الأول: الضغط العسكري الإسرائيلي المتصاعد ضد أهداف إيرانية في المنطقة، والذي يُضيق خيارات طهران. الثاني: العقوبات الاقتصادية المُحكمة التي تُفاقم أزمات إيران الداخلية. الثالث — وهو الأهم — إدراك الإدارة الأمريكية أن الوقت لا يعمل لصالحها؛ فكل تأخير يعني تقدماً إضافياً في برنامج إيران النووي، وكل تقدم يُقلّص هامش المناورة الدبلوماسية.
وفق مسؤولين أمريكيين نقلت عنهم فوكس نيوز، فإن ترمب "يميل إلى منح إيران بضعة أيام" إضافية، لكنه لن يتسامح مع المماطلة. وقد أُنجز — بحسب هؤلاء المسؤولين — 95% من إطار الاتفاق، والتفاوض الآن يدور حول "الصياغات" لا المضمون. هذا يعني أن الخلافات لم تعد جوهرية، بل شكلية، لكنها قد تكون كافية لإفشال الاتفاق إن تعثرت إرادة سياسية.
تحذير استراتيجي
تصريح روبيو بأن "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها" ليس مجرد موقف دبلوماسي تقليدي؛ إنه إذن ضمني باستمرار الضربات العسكرية حتى لو جرت مفاوضات. هذا يعني أن طهران تتفاوض تحت وطأة القصف، وهو سياق يُضعف قدرتها على المساومة.
كيف تتقاطع المصالح وتبدأ الخلافات؟
✅ ما تريده واشنطن
- تجميد البرنامج النووي الإيراني عند المستوى الحالي
- فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة
- مفاوضات "محددة زمنياً" لا تُمهل طهران
- تسوية إقليمية تُبعد إيران عن "محور المقاومة"
⚠️ ما تخشاه طهران
- التنازل عن برنامجها النووي دون ضمانات دولية ملزمة
- إلغاء العقوبات على الورق فقط دون تنفيذ فعلي
- فقدان ورقة الضغط الإقليمي (حزب الله، الحوثيون)
- تكرار سيناريو 2018: انسحاب أمريكي مفاجئ من الاتفاق
الخلاف الحقيقي لا يدور حول النصوص، بل حول الثقة. إيران، التي عاشت تجربة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018، تطلب ضمانات لا يستطيع ترمب تقديمها بشكل ملزم دون موافقة الكونغرس. وواشنطن، من جهتها، ترفض رفع العقوبات قبل التحقق من "تغيير السلوك" الإيراني، لا سيما فيما يتعلق بدعم الميليشيات.
هنا يتقاطع البروتوكول الأمني مع البروتوكول القانوني. معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) تُلزم إيران بالامتثال لاتفاق الضمانات، لكن فشل مؤتمر مراجعة المعاهدة لعام 2026 في التوصل إلى توافق — كما أعلنت الخارجية الأمريكية استياءها منه — يُظهر أن الإطار الدولي متآكل. هذا يُفضي إلى سؤال قانوني-سياسي: إذا فشلت آليات المعاهدة، فما القوة القانونية لأي اتفاق ثنائي جديد؟
أين تقف إسرائيل من هذا المشهد؟
موقف تل أبيب ليس هامشياً؛ بل هو عامل تسعير في المعادلة. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قال إن ترمب جدد تأكيده على حق إسرائيل في "الدفاع عن النفس" في جميع الساحات، بما فيها لبنان. وروبيو أضاف أن "لإسرائيل كل الحق في الرد" إذا هاجمها حزب الله.
هذا التزامن بين التفاوض والتهديد العسكري ليس صدفة. إسرائيل تلعب دور "العصا المُعلنة" بينما تلعب واشنطن دور "الجزرة المُفاوضة". الهدف: إقناع إيران بأن الاتفاق مع واشنطن هو "الخيار الأقل سوءاً" مقابل مواجهة عسكرية شاملة قد تستهدف منشآتها النووية واقتصادها.
"هناك أمر قوي جداً على الطاولة من حيث قدرتهم على فتح المضيق، وإجراء مفاوضات حقيقية وهامة ومحددة زمنياً بشأن القضية النووية، ونأمل أن نتمكن من تحقيق ذلك." — ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي
لماذا يُقلق فشل معاهدة عدم الانتشار واشنطن؟
في إطار متصل، عبّرت الخارجية الأمريكية عن استيائها من فشل مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (2026) في إصدار وثيقة ختامية. البيان الأمريكي حمّل بعض الدول الأطراف مسؤولية "عدم التعامل بجدية مع التهديد الإيراني" على النظام العالمي لعدم الانتشار.
هذا الموقف يكشف عن استراتيجية أمريكية مزدوجة: من ناحية، التفاوض الثنائي مع إيران خارج إطار المعاهدة؛ ومن ناحية أخرى، الضغط داخلياً على المعاهدة لتجديد شرعية المسار العقابي. الفشل في التوافق الدولي يُعطي واشنطن ذريعة للعمل منفردة أو ضمن تحالفات مصغرة، وهو ما يُضعف القانون الدولي لصالح "الدبلوماسية القوية".
السيناريوهات المستقبلية: ماذا بعد تصريح روبيو؟
ثلاثة مسارات محتملة
الأرجح (60%): إبرام اتفاق إطاري مؤقت خلال 48-72 ساعة، يتضمن تجميداً جزئياً للبرنامج النووي مقابل تخفيف محدود للعقوبات، مع إرجاء القضايا الجوهرية (الصواريخ الباليستية، الميليشيات) إلى جولات لاحقة.
الأخطر (25%): انهيار المفاوضات بسبب صياغة قانونية أو رفض إيراني مفاجئ، يتبعه تصعيد عسكري إسرائيلي-أمريكي ضد منشآت نووية إيرانية، مع تداعيات إقليمية غير محسوبة.
البديل (15%): تمديد ضمني للمفاوضات عبر "اتفاق تكتيكي" يلبي مطالب ترمب الظاهرية (فتح المضيق) دون المساس بالبرنامج النووي بشكل جوهري، ما يُبقي الأزمة مفتوحة لكن تحت سيطرة.
كيف يعيد هذا الاتفاق — إن تحقق — تشكيل المشهد الإقليمي؟
المستفيد الأبرز من أي اتفاق أمريكي-إيراني لن يكون طرفي التفاوض فحسب، بل دول الخليج. روبيو أشار صراحةً إلى أن "كل دولة استعرضنا معها الأمر تُدرك أنه ليس فقط معقولاً، بل هو الشيء الصحيح". هذا يعني أن الاتفاق — إن جاء — سيكون محاطاً بدعم خليجي، وربما بتمويل إعادة إعمار اقتصادي لإيران مقابل تغيير سلوكها الإقليمي.
المتضرر الأوّل: محور المقاومة. أي تفاهم أمريكي-إيراني سيتضمن — ضمنياً أو صراحةً — تقليص الدعم العسكري والمالي لحزب الله والحوثيين والفصائل العراقية. هذا لا يعني انتهاء المحور، لكنه يعني تحوّلاً في طبيعته من "مقاومة مُمولة" إلى "مقاومة مُحاصرة".
المتضرر الثاني: روسيا والصين. أي انفتاح إيراني على الغرب — حتى لو كان محدوداً — يُقلّص مناعة طهران في مواجهة العقوبات، ويُضعف ورقة "المحور الأوراسي" التي تعتمد عليها موسكو وبكين في مواجهة الهيمنة الأمريكية.
ماذا يعني هذا للقارئ العربي؟
بعيداً عن تفاصيل الصياغات، يتعلق الأمر بـاستقرار المنطقة وأسعار الطاقة. إذا نجح الاتفاق، قد نشهد انخفاضاً في أسعار النفط بفضل عودة الصادرات الإيرانية، وتراجعاً في حدة التوتر في مضيق هرمز. لكن إذا فشل، فإن احتمالات مواجهة عسكرية تُهدد بارتفاع الأسعار وإرباك الأسواق العالمية.
على المستوى الأمني، فإن أي اتفاق يُقيد البرنامج النووي الإيراني يُقلّص — نظرياً — خطر سباق تسلح نووي إقليمي. لكن التاريخ يُعلمنا أن اتفاقات من دون ضمانات دولية صلبة تبقى هشة، وأن الشرق الأوسط يتقن فن الاستفادة من "الفراغات القانونية".
ليس الاتفاق مع إيران — إن أُبرم — نهاية المشكلة، بل بداية مرحلة أعقد. فواشنطن تسعى لشراء الوقت، وطهران تسعى لشراء الاستقرار، وإسرائيل تسعى لشراء الأمن. لكن السؤال الذي سيُحدد المستقبل ليس من يُبرم الاتفاق، بل من يضمن عدم انهياره؟ وفي غياب إجابة واضحة، يبقى الشرق الأوسط رهينة "اتفاقات مؤقتة" تُولد أزمات دائمة.
المصادر:
الوسوم
أمريكا | إيران | الشرق الأوسط | التصعيد العسكري | التوتر النووي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار