مئة مليار دولار في مواجهة مضيق هرمز: خريطة الأصول الإيرانية المجمدة وورقة الضغط الأثقل في مفاوضات طهران

-- دقائق
جيوسياسة واقتصاد

طهران تجعل الإفراج عن أصولها شرطًا للتهدئة — وواشنطن تُبقيها ورقةً للمرحلة النهائية، فيما يظل مضيق هرمز رهينةً للمعادلة بأسرها

مئة مليار دولار في مواجهة مضيق هرمز: خريطة الأصول الإيرانية المجمدة وورقة الضغط الأثقل في مفاوضات طهرانطهران في مايو 2026 — إيران تسعى لربط الإفراج عن الأصول المجمدة بأي تسوية نهائية مع الولايات المتحدة (أسوشيتد برس)

ليس الرقم مجرد رقم. حين تُقدَّر قيمة الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج بما يتجاوز مئة مليار دولار، فإن هذا المبلغ يحمل في طياته تاريخًا ممتدًا منذ ثورة 1979، وعقودًا من العقوبات، وثلاثة اتفاقيات نووية انهارت تباعًا. اليوم، ومع دخول الحرب التي اندلعت أواخر فبراير 2026 مرحلة الهدنة، عادت هذه الأصول لتتصدر طاولة التفاوض بوصفها الورقةَ الأثقل التي تمسك بها طهران، والقيدَ الذي تحرص واشنطن على إبقائه مشدودًا حتى اللحظة الأخيرة.

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن إيران تضغط من أجل الإفراج الفوري عن أصولها المجمدة ضمن أي إطار اتفاق مع الولايات المتحدة، في حين يؤكد مسؤولون أمريكيون أن الجزء الأكبر من هذه الأموال لن يُتاح إلا بعد التوقيع على اتفاق نووي نهائي — وهو ما يجعل المشهد التفاوضي الراهن أشبه بلعبة شدّ حبال يتحكم فيها مضيق هرمز من جهة، وخبايا برنامج نووي من جهة أخرى.

قصة أموال بدأت قبل أن يولد أغلب المفاوضين

تعود جذور هذه الأصول إلى لحظة واحدة: نوفمبر 1979، حين أقدم الرئيس الأمريكي جيمي كارتر على تجميد ما يقارب اثني عشر مليار دولار من الأموال الإيرانية ردًا على اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز رهائنها. منذ تلك اللحظة، توسعت دائرة التجميد وتشعبت مع كل موجة عقوبات جديدة، حتى باتت شبكة مالية معقدة تمتد عبر بنوك وصناديق في أكثر من عشر دول.

ومع توقيع الاتفاق النووي الشامل (JCPOA) عام 2015، استردت إيران وصولًا واسعًا إلى تلك الأصول، قبل أن تعود إلى التجميد مجددًا بعد انسحاب إدارة ترامب الأولى من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض حزمة عقوبات مشددة. ومنذ ذلك الحين، يتراكم الرقم ويكبر مع كل عام تبقى فيه طهران محاصرة خارج منظومة التحويلات المالية الدولية.

الجغرافيا المالية: أين تختبئ المئة مليار؟

توزيع الأصول الإيرانية المجمدة حول العالم (تقديرية — مليار دولار)

الدولة / الجهة القيمة التقديرية التمثيل النسبي
الصين ~20 مليار $
الهند ~7 مليارات $
العراق ~6 مليارات $
قطر (محوّلة من كوريا الجنوبية) ~6 مليارات $
لوكسمبورغ ~1.6 مليار $
اليابان ~1.5 مليار $
الولايات المتحدة (مباشرة) ~2 مليار $

* أرقام تقديرية — المصادر: الجزيرة الإنجليزية، التلفزيون العربي، وول ستريت جورنال (مايو 2026). باقي المبلغ موزع في دول أوروبية وآسيوية متعددة.

النسبة الكبرى من هذه الأموال هي عائدات صادرات نفطية تراكمت على مدار سنوات في حسابات الدول المستوردة التي عجزت — بسبب العقوبات — عن تحويلها إلى طهران. وتبقى الصين صاحبة أضخم حصة بما يناهز عشرين مليار دولار، وهو ما يمنح العلاقة الصينية-الإيرانية بُعدًا اقتصاديًا يفوق ما تصفه الخطابات السياسية من قِبل الطرفين.

طهران تضع هرمز ورقةً للمقايضة

المطالب الإيرانية الراهنة تتشكل في ثلاثة محاور متشابكة: رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة الدولية، والإفراج عن جزء من الأصول المجمدة خلال مرحلة المفاوضات — لا بعد الانتهاء منها. وأكد مصدر لوكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية أنه "لن يكون هناك أي تفاهم مع الولايات المتحدة ما لم يتم الإفراج عن جزء محدد من الأموال في هذه المرحلة الأولى"، مطالبًا بـ"آلية واضحة تضمن استمرار الإفراج عن جميع الأموال المجمدة".

الموقف الأمريكي يسير في الاتجاه المعاكس. يؤكد مسؤولون في إدارة ترامب أن إيران لن تستطيع الوصول إلى الجزء الأكبر من هذه الأموال — التي ستوضع في صندوق إعادة إعمار تتولى واشنطن وحلفاؤها الإشراف عليه — إلا بعد الموافقة على اتفاق نووي نهائي. والفكرة صريحة: إبقاء الإغراء المالي حاضرًا في الأفق لتحفيز طهران على البقاء في المفاوضات وعدم الانسحاب.

"ترامب عليه أن يختار بين مخاطر التصعيد وانتقادات اتفاق يراه خصومه ضعيفًا — ولا أحد يعلم أي خيار سيتبناه في نهاية المطاف." — دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل لصحيفة وول ستريت جورنال

تناقض الروايات وثقة التفاصيل العالقة

المشهد التفاوضي يعيش اليوم على وقع تضارب الروايات. نقلت وكالة رويترز عن مصدر إيراني رفيع المستوى أن واشنطن "وافقت على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة في قطر وبنوك أجنبية أخرى" بوصفها "بادرة حسن نية". غير أن مسؤولًا أمريكيًا رفيعًا نفى لشبكة CBS News وجود أي موافقة من هذا القبيل، مضيفًا أن الاجتماعات لم تبدأ بعد. وبعيدًا عن هذا السجال اللحظي، أعلن الرئيس دونالد ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" أن مسودة إطار الاتفاق "شارفت على الانتهاء" وأن بنوده "جرى التفاوض على معظمها". مسؤول أمريكي آخر شدد على أن توقيع الاتفاق "غير متوقع اليوم" لأن بعض التفاصيل لا تزال عالقة.

المطلب الإيراني الموقف الأمريكي حالة الملف
الإفراج الفوري عن جزء من الأصول خلال المفاوضات مرفوض — الإفراج مشروط بالاتفاق النهائي خلافي رئيسي
آلية مضمونة للإفراج عن بقية الأموال الأموال تُودع في صندوق إعادة إعمار أمريكي الإشراف خلافي رئيسي
رفع الحصار البحري فورًا وإعادة فتح هرمز مرتبط بالتقدم التفاوضي الكلي معلق
مهلة 30-60 يومًا للتوصل لاتفاق نهائي مطروحة على الطاولة ضمن الإطار العام قيد البحث

لماذا تعني هذه الأموال طهران بهذا القدر؟

الإجابة ليست مالية بحتة. إيران تمر بأزمة اقتصادية هيكلية تراكمت عبر عقود من العقوبات التي قلّصت صادراتها النفطية وأعاقت جذب الاستثمار الأجنبي وحرمتها من تحديث قطاعاتها الصناعية والتقنية. الأصول المجمدة في الخارج تمثل بالنسبة لطهران ليس فقط سيولة مالية، بل رمزًا للخروج من العزلة الاقتصادية التي طالت فاتورتها الداخلية وباتت تُثقل كاهل المواطن الإيراني بتضخم مزمن وانهيار متواصل لقيمة العملة.

والمفارقة أن أكبر حصة من هذه الأموال — عشرون مليار دولار في الصين — تبقى في يد شريك استراتيجي لطهران، مما يعني أن الصين تمتلك نفوذًا اقتصاديًا على إيران يتجاوز ما تُظهره التصريحات الدبلوماسية الودية بين البلدين.

ثلاثة سيناريوهات لمصير الأصول

السيناريو الشرط المآل
اتفاق شامل إبرام اتفاق نووي نهائي خلال 60 يومًا إفراج تدريجي منضبط عبر صندوق مُشترك — سابقة 2015 تتكرر بشروط أشد
هدنة طويلة بلا اتفاق تمديد وقف إطلاق النار دون حسم نووي إفراج جزئي محدود كـ"بادرة حسن نية" — الجزء الأكبر معلق
انهيار المفاوضات استئناف التصعيد وإغلاق هرمز تجميد كامل + عقوبات إضافية + أزمة طاقة عالمية

مئة مليار دولار في الخارج ومضيق يتحكم في ربع تجارة النفط العالمية — هذا هو جوهر المعادلة التفاوضية بين طهران وواشنطن. طهران تريد المال شرطًا مسبقًا للتهدئة، وواشنطن تريد التهدئة ثمنًا للمال. بينهما تسعى المفاوضات لأن تجد صيغة تتيح لكلا الطرفين ادعاء الانتصار. والسؤال الذي لن تجيب عنه الأيام المقبلة فحسب، بل ربما العقد بأكمله: هل يكفي هذا المبلغ الضخم لشراء سلام حقيقي، أم أنه مجرد جولة أخرى في صراع متجذر لن تُنهيه أرقام البنوك مهما بلغت؟

المصادر:

  1. سكاي نيوز عربية — تتمسك بالإفراج عنها: كم تبلغ قيمة أصول إيران المجمدة؟ (مايو 2026)
  2. الجزيرة نت / وول ستريت جورنال — إيران تضغط للإفراج عن 100 مليار دولار (24 مايو 2026)
  3. الجزيرة نت — ما هي أصول إيران المجمدة البالغة 100 مليار دولار وأين تُحتجز؟ (أبريل 2026)
  4. التلفزيون العربي — طهران تطالب بها في المفاوضات: ماذا نعرف عن الأموال الإيرانية المجمدة؟ (أبريل 2026)
  5. سكاي نيوز عربية — مسؤول أمريكي: واشنطن لم توافق على الإفراج عن أي أصول إيرانية (مايو 2026) 

الوسوم

أصول إيران المجمدة | مضيق هرمز | مفاوضات إيران أمريكا | العقوبات الأمريكية | اتفاق نووي 2026

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران