انهيار الاحتياط أم انهيار النموذج؟ الجيش الإسرائيلي في مأزق الجنود المفقودي

-- دقائق
أمن واستراتيجية

رئيس الأركان إيال زامير يُنذر الكنيست للمرة العاشرة: الجيش "سينهار على نفسه" إذا لم تُقرّ حزمة التجنيد فوراً — والحكومة تُفضّل الحسابات الائتلافية على أمن الدولة

انهيار الاحتياط أم انهيار النموذج؟ الجيش الإسرائيلي في مأزق الجنود المفقودين
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (في الوسط) | المصدر: المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي

قالها صراحةً أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست: "الجيش الإسرائيلي سينهار على نفسه". لم يكن إيال زامير، رئيس أركان الجيش، يُجازف بالكلام، ولا يتعامل مع معادلات سياسية. كان يقرأ أرقاماً: منظومة الاحتياط تتآكل بوتيرة غير مسبوقة، والجبهات متعددة، والحكومة منشغلة بالحسابات الائتلافية. السؤال ليس إذا كان الجيش سينهار، بل: هل انهياره بدأ فعلاً منذ أشهر، ويُنذر به الآن فقط؟

لماذا يُنذر رئيس الأركان الآن، وما الذي تغيّر في المعادلة العسكرية؟

في العاشر من مايو 2026، وصل زامير إلى الكنيست مكرهاً بعد ضغوط من رئيس لجنة الخارجية والأمن، بوعز بيسموت، ليقدم مراجعة مفصلة عن حالة الجيش. لم يكن الحديث عن ميزانيات أو تسليح؛ كان عن بشر. قال زامير: "أنا لا أتعامل مع عمليات سياسية أو تشريعية، أنا أتعامل مع قتال متعدد الساحات". هذه الجملة تختزل الصدام المؤسسي بين الجيش والمستوى السياسي في إسرائيل: المؤسسة العسكرية ترى حرباً مفتوحة على ثلاث جبهات (غزة، لبنان، إيران)، بينما يرى الائتلاف الحاكم أولوية في الحفاظ على توازناته الداخلية.

الرقم الذي يقف وراء التحذير هو 15 ألف جندي: هذا حجم النقص المؤكد الذي أعلنه الجيش، من بينهم 7,000 إلى 8,000 مقاتل ميداني. لسد هذه الفجوة، يحتاج الجيش إلى تمديد فترة الخدمة الإلزامية من 30 إلى 36 شهراً، وتعديل قانون الاحتياط ليخدم الجنود 80 إلى 100 يوم سنوياً، وأخيراً — وأهم — سن قانون يلزم المتدينين اليهود (الحريديم) بالتجنيد. لكن هذه الحزمة التشريعية عالقة في دهاليز السياسة الإسرائيلية منذ سنوات.

"المستوى السياسي الذي أوصلنا إلى 7 أكتوبر يتلقى إنذاراً آخر... حكومة لا تطالب بالتجنيد للجميع، في ساعة مصيرية لإسرائيل، هي حكومة لا تستحق الاستمرار يوماً إضافياً."
— غادي آيزنكوت، رئيس حزب "يشار" ورئيس أركان سابق

من 7 أكتوبر إلى ثلاث جبهات: كيف تآكل "الجيش الذي لا يُقهر"؟

منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، دخل الجيش الإسرائيلي في حالة حرب شبه دائمة. لكن ما كان يُدار كعمليات محدودة تحول إلى استنزاف مفتوح: عام ونصف من القتال في غزة، ثم توسع المواجهة مع حزب الله في لبنان، ثم الحرب المباشرة مع إيران في مارس 2026. هذا التعدد لم يُعطِ الجيش فرصة إعادة التنظيم، ولا منح الاحتياط — العمود الفقري للقوة البرية الإسرائيلية — فرصة للتعافي.

النموذج الإسرائيلي التقليدي يقوم على فكرة "جيش صغير احتياطي ضخم": قوة نظامية محدودة تتضخم في الحروب بانضمام مئات الآلاف من جنود الاحتياط. لكن هذا النموذج يفترض ثلاثة شروط: أن تكون الحرب قصيرة، وأن يكون الاحتياط متاحاً اقتصادياً ونفسياً، وأن يُعوَّض النقص البشري بتجنيد شامل. اليوم، لا يتحقق أي من هذه الشروط. الحرب طويلة، والاحتياط يخدم 80 إلى 100 يوم سنوياً — ما يعني تدميراً لحياته المدنية — والتجنيد الشامل متوقف عند بوابة قانون يُعفي عشرات الآلاف من الحريديم.

المؤشر الرقم / الوضع الدلالة
النقص البشري المؤكد 15,000 جندي منهم 7,000–8,000 مقاتل ميداني حسب تصريح الجيش
خدمة الاحتياط السنوية 80–100 يوم معدل غير مسبوق يُفقد الجنود قدرتهم على العمل المدني
الخدمة الإلزامية المقترحة 36 شهراً تمديد من 30 شهراً؛ مرفوض سياسياً حتى الآن
نسبة الحريديم المعفيين عشرات الآلاف يمثلون نحو 13% من السكان الإسرائيليين

المصدر: تصريحات الجيش الإسرائيلي ويديعوت أحرونوت — مايو 2026

أين تتقاطع المصالح وتبدأ الخلافات؟ تشريح الصدام بين الجيش والائتلاف

الصراع ليس تقنياً بل سياسي-ديني صرف. يقف زامير — ممثلاً للمؤسسة العسكرية — في وجه ائتلاف يعتمد أحزابه الدينية (الصهيونية الدينية، شاس، يهودت هتوراة) على قاعدة ناخبة ترفض تجنيد الحريديم. عندما قال زامير إنه "لا يتعامل مع عمليات سياسية"، كان يُوجه رسالة ضمنية إلى رئيس الحكومة: الجيش ليس أداة للمساومات الائتلافية.

لكن الرد السياسي جاء سريعاً. أوهاد تال، من "الصهيونية الدينية"، هاجم زامير بشأن دمج المقاتلات في سلاح المدرعات — قضية رمزية تتعلق بدور المرأة في الجيش — وسأله لماذا يرفض الاجتماع بحاخامات التيار. رد زامير بحذر: "نحن نفعل كل شيء لدمج الجميع... لا يمكن لكل شخص أن يضع شروطاً للجيش الإسرائيلي". هذه المقابلة تكشف عن أزمة أعمق: الجيش يخوض حرباً خارجية ومعركة هوية داخلية في آن.

من الجهة المقابلة، يصرح بيسموت (رئيس لجنة الأمن، من الليكود) بأن الائتلاف يخطط لتشريع ثلاثة قوانين كحزمة واحدة: تمديد الخدمة النظامية، إعفاء الحريديم، وتعديل قانون الاحتياط. هذه الحزمة — لو مرت — قد تُعمّق الأزمة بدلاً من حلها؛ فإعفاء الحريديم يُبقي ثقباً سنوياً في هيكل التجنيد، بينما تمديد الخدمة يُثقل كاهل الشباب العلماني والعربي (الذي يُجند فعلياً) دون مقابل.

⚠️ أبرز نقاط التحذير (مايو 2026)

  • زامير: "الجيش سينهار على نفسه" إذا لم تُقرّ الحزمة التشريعية
  • العميد شاي طيب: بدون تمديد الخدمة، سيُحرم الجيش من آلاف المقاتلين
  • الاحتياط: يخدم 80–100 يوماً سنوياً — وهو معدل غير مسبوق
  • آيزنكوت: حكومة لا تُجند الجميع "لا تستحق الاستمرار"
  • نتنياهو: لن نوقف الحرب على حزب الله مقابل اتفاق مع إيران — مما يعني استمرار الاستنزاف

من المستفيد ومن المتضرر من انهيار منظومة الاحتياط؟

لا تقع تداعيات هذا الانهيار بالتساوي داخل إسرائيل وخارجها. داخلياً، يتضرر الاقتصاد الإسرائيلي بشكل مباشر: جنود الاحتياط هم عمال ومُدراء وأصحاب شركات؛ حين يغيبون 100 يوم سنوياً، تتوقف قطاعات بأكملها. كما يتعمق الاستقطاب المجتمعي بين علمانيين يحملون العبء العسكري كاملاً، ومتدينين يتمتعون بالإعفاء.

عسكرياً، يتراجع القدرة على شن عمليات برية واسعة في أكثر من جبهة. هذا يعني أن إسرائيل قد تلجأ إلى "الردع بالنار" بدلاً من "الردع بالجنود": مزيد من الغارات الجوية، مزيد من الدمار، وأقل من السيطرة الميدانية. وهو ما يُفسر جزئياً استمرار الحرب على غزة رغم عدم تحقيق أهدافها المعلنة.

الطرف الوضع التفصيل
حزب الله وإيران ✔ مستفيد تستغلان ضعف القدرة البرية الإسرائيلية للضغط على الجبهة الشمالية
المجتمع الإسرائيلي العلماني ✘ متضرر يتحمل العبء العسكري والاقتصادي دون مشاركة الحريديم
الفلسطينيون في غزة ⚠ خطر مضاعف نقص الجنود قد يُترجم إلى مزيد من القصف الجوي كبديل للتوغل البري
الأحزاب الدينية الإسرائيلية ⚠ رابحة سياسياً تحافظ على قاعدتها الانتخابية بتأجيج الخطاب ضد "تجنيد التوراة"
الاقتصاد الإسرائيلي ✘ متضرر غياب 100 يوم سنوياً للاحتياط يُعطل القطاعات الإنتاجية

ثلاثة مسارات لمصير الجيش الإسرائيلي في ما تبقى من 2026

السيناريو المحرّكات الأثر المتوقع
الأرجح
تشريع جزئي
يُقر الكنيست تمديد الخدمة إلى 36 شهراً وتعديل الاحتياط، لكن يُبقي إعفاء الحريديم جزئياً لإرضاء الأحزاب الدينية يستمر الاستنزاف التدريجي للاحتياط — القدرة على جبهتين تنخفض 20–30% — إسرائيل تلجأ إلى "حروب منخفضة الكثافة" مدعومة بالطيران
الأخطر
انهيار مؤسسي
تستمر الجبهات مفتوحة، يرفض الحريديم التجنيد، ويستقيل ضباط احتياط جماعياً — أو يتجاوز الكنيست الموعد دون تشريع تتراجع القدرة البرية بشكل حاد — حزب الله أو إيران قد يختبران الجبهة بعملية واسعة — وقد تُجبر إسرائيل على هدنة مذلة
البديل
صدمة انتخابية
انهيار الائتلاف الحاكم، انتخابات مبكرة، وتشكيل حكومة علمانية-يمينية تفرض التجنيد على الجميع دون استثناء تعيد بناء القدرة البشرية خلال 18–24 شهراً — لكنها تُشعل أزمة داخلية عميقة قد تصل إلى عصيان مدني في المستوطنات المتدينة

ماذا يعني ضعف الجيش الإسرائيلي للأمن الإقليمي والقارئ العربي؟

للقارئ العربي، قد يبدو انهيار منظومة الاحتياط الإسرائيلية خبراً ساراً على المستوى العاطفي، لكن التحليل الاستراتيجي يقترح قراءة مغايرة. الجيوش الضعيفة لا تُسقط حروبها؛ بل غالباً ما تُشددها. حين يفقد الجيش الإسرائيلي القدرة على السيطرة البرية، فإنه يتجه تلقائياً نحو الخيار الجوي والمدفعي المكثف — أي مزيد من الدمار دون احتلال. هذا ما حدث في غزة، وهو ما قد يتكرر في لبنان.

كذلك، فإن ضعف القدرة البرية قد يُشجع إيران وحلفاءها على تصعيد اختباراتهم للجبهة الشمالية. لكن هذا التصعيد ليس مضمون النتائج: إسرائيل لا تزال تمتلك ترسانة نووية وقدرة جوية هائلة، وضعف الجندي الميداني لا يعني ضعف الردع الاستراتيجي. السيناريو الأخطر هو حرب "الأطراف المكسورة": طرف يُدرك أنه لا يستطيع الانتصار الكامل، فيلجأ إلى ضربات مدمرة لإعادة التوازن.

هل ينهار الجيش فعلاً، أم ينهار النموذج الذي بنته إسرائيل منذ سبعين عاماً؟

ليس الجيش الإسرائيلي وحده من ينهار؛ بل النموذج الذي بنته الدولة منذ عام 1948: جيش احتياطي ضخم يقوم على مجتمع مدني صغير ومتماسك. حين يتآكل هذا النموذج — بسبب استنزاف مفتوح، وانقسام مجتمعي، ورفض قطاعات واسعة تحمل العبء — لا يتبقى سوى سؤال واحد يُعيد تأطير المشهد القادم: هل يمكن لدولة تُخوض حروباً دائمة أن تبقى دولة عسكرية من دون جنود؟

زامير رفع "10 أعلام حمراء" في مارس. في مايو، رفع العلم الحادي عشر. لكن الأعلام الحمراء — مهما كثرت — لا تُشعل حرباً ولا تُطفئها. هي مجرد إشارة إلى أن السفينة تتسرّب، والكابتن يصرخ، والركاب منشغلون بتوزيع مقاعدهم.

📌 خلاصة تحليلية

تحذير رئيس الأركان إيال زامير من "انهيار" الجيش ليس انزلاقاً إعلامياً، بل هو تعبير عن أزمة بنيوية في النموذج العسكري الإسرائيلي. المحرك الأساسي هو استنزاف الاحتياط في حرب متعددة الجبهات، مقابل عجز سياسي عن سن قانون تجنيد شامل. النتيجة ليست انهياراً فورياً، بل تراجع تدريجي في القدرة البرية قد يُحوّل إسرائيل من دولة "جيش احتياط" إلى دولة "سلاح جو وصواريخ" — مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر تصعيد غير محسوب على المنطقة.

المصادر

1. RT Arabic — رئيس الأركان إيال زامير: الجيش الإسرائيلي سينهار — النقل عن جلسة الكنيست 
2. يديعوت أحرونوت / Ynetnews — المصدر الأصلي لتصريحات زامير وطيب 
3. هآرتس — تقارير عن قانون تجنيد الحريديم والاستنزاف العسكري — تحليل سياسي 
4. Times of Israel — إحصائيات خدمة الاحتياط والنقص البشري — بيانات مؤسسية 
5. تصريحات غادي آيزنكوت رداً على جلسة الكنيست — موقف سياسي معلن 

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران