الكأس المرّة التي تنتظر ترمب: فريدمان يحذر من ثمن الحرب مع إيران الذي قد يُحطّم إرث "الصفقات"
المحلل الأميركي البارز يرى أن الرئيس يقترب من لحظة لا يُحتمل فيها التأجيل: إما التراجع بما يُذلّ، أو التقدم بما يُدمّر — فما هي الكؤوس المرّة التي تنتظره إذا اختار الحرب؟
ملاحظة تحريرية
هذا التحليل مبني على إطار مقالة توماس فريدمان المنشورة في الجزيرة نت بتاريخ 27 مايو/أيار 2026، وعلى المعطيات الاستراتيجية المتوفرة حتى هذا التاريخ. التطورات اللاحقة قد تُعدّل بعض جوانب هذا التحليل.
لم يكن تعبير "لحظة الحسم العسكري" — الذي استخدمه توماس فريدمان لوصف موقف الرئيس دونالد ترمب تجاه إيران — مجرد استعارة بلاغية فارغة. فالمحلل الأميركي البارز، الذي عاصر حروباً وصفقات من الخليج إلى غزة، يرى أن ترمب يقترب من لحظة مصيرية لا تُحتمل التأجيل: هل يشرب كأس الحرب مع إيران، أم يجد مساراً للتراجع قبل أن تُغلق الأبواب؟
السؤال الذي يطرحه فريدمان ليس عن احتمالية الحرب فحسب، بل عن عدد الكؤوس المرّة التي سيتجرعها ترمب — وسيتجرعها الأميركيون معه — إذا انزلقوا نحو مواجهة عسكرية مباشرة. والأهم: هل "إرادة الناخب الأميركي" تقتضي فعلاً شرب هذه الكأس؟
لماذا يقترب ترمب من كأس المرارة رغم تحذيراته السابقة؟
يستند فريدمان في تحذيره إلى تناقضٍ بنيويٍّ يحكم السياسة الخارجية الأميركية حيال إيران. فترمب، الذي بنى جزءاً من قاعدته السياسية على رفض "الحروب التي لا نهاية لها"، يجد نفسه اليوم في موقع يُهدّد بإلغاء هذا الإرث. السياسة التي أطلقها إدارته من "ضغط أقصى" جديدة — عقوبات خانقة، وعزل دبلوماسي، وتهديدات عسكرية متصاعدة — لم تُضعف النظام الإيراني بالشكل المطلوب، بل دفعته نحو خيارات أكثر تصعيداً.
الاستراتيجية الأميركية الحالية تعاني من خلل منطقي: فهي تريد منع إيران من امتلاك السلاح النووي دون أن تقدم بديلاً دبلوماسياً قابلاً للحياة. وفي الوقت ذاته، تُبقي قواتها وقواعدها في الخليج عرضةً للاستهداف من قبل ميليشيات إيران. هذا التوتر المزدوج — بين التهديد العسكري والعجز عن التفاوض — هو ما يُنتج لحظة الحسم التي يتحدث عنها فريدمان: لحظة يكون فيها التراجع مذلاً، والتقدم مدمّراً.
تناقض استراتيجي
السياسة الأميركية تُهدد بحرب لا تريد خوضها، وتغلق أبواباً لا تملك مفاتيح بديلة لها. هذا الوضع هو بيئة خصبة للانزلاق العسكري غير المقصود.
كيف يُعيد الفشل الدبلوماسي رسم خريطة المواجهة؟
لا يمكن فهم لحظة فريدمان دون العودة إلى مسار الاتفاق النووي المنهار. فالانسحاب الأميركي من الاتفاق عام 2018، ثم الفشل الذريع لإدارة بايدن في إحيائه، تركا إيران في وضعٍ لم تعد فيه ملزمةً بتقييد برنامجها النووي. النتيجة: اقترب البرنامج النووي الإيراني من عتبة "الدولة المتقدمة" (Threshold State)، حيث يصبح امتلاك السلاح مسألة قرار سياسي لا قدرة تقنية.
هذا التحول يُغيّر طبيعة المخاطر. فالردع الأميركي التقليدي — القائم على منع إيران من امتلاك القدرة — يفقد فعاليته. والبديل الوحيد المتبقي هو الردع بالقوة العسكرية المباشرة، أي الحرب. وهنا يكمن معنى "الكأس المرّة": فالحرب لن تكون غزواً سهلاً كالعراق 2003، بل مواجهة إقليمية معقدة تستنزف القوات الأميركية في بيئةٍ جغرافية وسياسية أشد عدائيةً بكثير.
أين تتقاطع مصالح الإقليم وتبدأ حسابات الحرب؟
لا تقع لحظة فريدمان في فراغ جيوسياسي. فالمشهد الإقليمي اليوم يختلف جذرياً عن عام 2003. إسرائيل، التي تُصرّ على منع إيران من امتلاك السلاح النووي حتى لو اقتضى الأمر عملاً عسكرياً منفرداً، تضغط باتجاه المواجهة. لكنها في الوقت ذاته غير قادرة — عسكرياً — على تدمير البرنامج النووي بشكل كامل دون دعم أميركي حاسم. هذا يخلق ديناميكية خطرة: ضغطٌ إسرائيلي متصاعد لضرب إيران، وتراجعٌ أميركي عن تقديم ضمانات أمنية بديلة.
من جهةٍ أخرى، تتصرف دول الخليج العربي ببراغماتية متناقضة. السعودية والإمارات، اللتان تريدان احتواء إيران، تدركان أن حرباً شاملة ستُدمّر اقتصاد المنطقة وتُعيد إنتاج الفوضى التي شهدتها العقد الماضي. لكنهما في الوقت ذاته غير قادرتين على رفض المظلة الأميركية إذا ما انطلقت الحرب. الصين وروسيا، من جهتهما، تستخدمان الملف الإيراني كورقة ضغطٍ على واشنطن، دون أن تقدما بديلاً أمنياً قابلاً للتطبيق.
ما هي الكؤوس المرّة التي تنتظر الرئيس الأميركي؟
يستخدم فريدمان استعارة "الكؤوس" بشكلٍ متعمد: فالحرب مع إيران ليست كأساً واحداً، بل سلسلة من المرارات المتتالية. يمكن تفكيكها كالتالي:
الكؤوس الخمس للحرب مع إيران
- الكأس الأولى — الاستنزاف البشري: مواجهة مع إيران لن تكون ضربات جوية "نظيفة". فالرد الإيراني — عبر الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن — سيُعيد سيناريو الاستنزاف، لكن بأضعاف ما شهدته المنطقة.
- الكأس الثانية — الصدمة الاقتصادية العالمية: إغلاق مضيق هرمز، أو حتى تهديده المستمر، سيُطلق موجة تضخمية عالمية. أسعار النفط قد تتجاوز حاجزاً لم تشهده الأسواق منذ عقود.
- الكأس الثالثة — التفتت الإقليمي: لن تبقى الحرب محصورةً بين واشنطن وطهران. فالعراق ولبنان وسوريا واليمن مصائرها مترابكة بالملف الإيراني، وستتحول سريعاً إلى مسارح حرب فرعية.
- الكأس الرابعة — الإنهاك الداخلي الأميركي: الرأي العام الأميركي، الذي انتخب ترمب جزئياً بسبب وعوده بإنهاء الحروب، لن يتقبل بسهولة إرسال آلاف الجنود إلى معركةٍ جديدة في الشرق الأوسط.
- الكأس الخامسة — تحطيم الإرث السياسي: ترمب الذي يتباهى بأنه "صانع صفقات" سيجد نفسه في التاريخ كـ"قائد حرب" فاشل، مثل سلفه الجمهوري جورج بوش الابن.
من المستفيد ومن المتضرر إذا انكسرت الكؤوس؟
التحليل الاستراتيجي لا يكتمل دون قراءة مصالح الأطراف. فالحرب مع إيران — رغم كلفتها الباهظة — ليست خسارةً للجميع. المستفيدون قصارى المدى هم: المتشددون الأمنيون في إسرائيل الذين يرون في الضربة الأميركية فرصةً لتصفية حسابات إقليمية؛ وشركات الصناعات العسكرية الأميركية التي ستجني ثمار التصعيد؛ وبعض الدول الخليجية التي تريد إعادة رسم التوازن الإقليمي لصالحها.
✅ المستفيدون المحتملون
- المتشددون الأمنيون في إسرائيل (تصفية البرنامج النووي)
- الصناعات العسكرية الأميركية (عقود تسليح ضخمة)
- دول خليجية تسعى لإعادة التوازن الإقليمي
⚠️ المتضررون المباشرون
- المدنيون الإيرانيون (آلاف الضحايا)
- الجنود الأميركيون (استنزاف بشري مجهول)
- الاقتصاد العالمي (صدمة طاقوية وتضخمية)
- الشعوب العربية المجاورة (تفكك ونزوح)
أما المتضررون فهم أكثر عدداً وأشدّ تأثراً: المدنيون الإيرانيون الذين سيُدفعون ثمن سياسات نظامهم؛ والجنود الأميركيون الذين سيُرسلون إلى معركةٍ لا نهاية لها؛ والاقتصاد العالمي الذي سيُصاب بصدمةٍ طاقوية؛ والشعوب العربية في العراق ولبنان واليمن التي ستتحول أراضيها ساحات حرب.
السيناريوهات الثلاثة: أيهم الأرجح؟
يقتصر فريدمان على التحذير، لكن المنطق الاستراتيجي يفرض تقييم مسارات المستقبل. هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
مسارات المستقبل المفتوح
السيناريو الأرجح: مواجهة محدودة وسباق نووي مستمر. ضربات أميركية-إسرائيلية محدودة تستهدف منشآت نووية، يردّ عليها الإيرانيون بعمليات إرهابية وميليشيات، دون حرب شاملة. النتيجة: لا حسم عسكري، ولا عودة للدبلوماسية.
السيناريو الأخطر: حرب إقليمية شاملة. توسع المواجهة لتشمل مضيق هرمز والميليشيات في أربع دول عربية على الأقل. النتيجة: ركود عالمي، وإنهاك أميركي، وفراغ جيوسياسي تملأه الصين وروسيا.
السيناريو البديل: صفقة مفاجئة تحت الضغط. ترمب، الذي يكره الهزائم، قد يُحوّل الضغط العسكري إلى "أفضل صفقة على الإطلاق" مع طهران. لكن هذا يتطلب وسطاء موثوقين ووقتاً لا تملكه الساعة الرملية النووية.
ماذا يعني هذا للقارئ العربي؟
السؤال الذي يتجاوز التحليل الأميركي الداخلي هو: كيف تنعكس هذه اللحظة على العالم العربي؟ الجواب: بشكلٍ مباشر وقاسٍ. فأي مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران ستُعيد إنتاج الفوضى التي عاشها العراق وسوريا، لكن بأبعادٍ إقليمية. أسعار النفط والغذاء ستقفز، والاستثمارات ستهرع للخروج من الأسواق العربية، واللاجئون سيتدفقون من جديد.
المعنى العملي: المنطقة العربية ليست مجرد مسرحٍ جانبي للصراع الأميركي-الإيراني، بل هي الأرض التي ستتحول ساحةً للمعركة. وفي هذا السياق، تبدو سياسات "النأي بالنفس" التي تتبناها بعض الدول العربية أقل فعاليةً مما تبدو. فالحرب — إذا اندلعت — لا تُقبل الحياد.
لا يقدّم توماس فريدمان وصفة سحرية لإنقاذ ترمب من لحظة الحسم العسكري. لكنه يطرح سؤالاً أخلاقياً واستراتيجياً في آنٍ واحد: هل يستحق السلاح النووي الإيراني كأس حربٍ تُدمّر إرث رئيسٍ وتُعيد تشكيل الشرق الأوسط بدمٍ ونار؟ الإجابة — وفقاً لمنطق فريدمان — هي لا. لكن السؤال الأصعب يبقى: هل يسمع ترمب هذا التحذير قبل أن تُسكب الكؤوس؟
المصادر:
- الجزيرة نت — "توماس فريدمان: كم كأساً مرة سيتجرعها ترمب في حرب إيران؟" — 27 مايو 2026 — مصدر أولي (ترجمة مقال نيويورك تايمز)
- نيويورك تايمز — المقال الأصلي لتوماس فريدمان — 27 مايو 2026 — مصدر أولي (تحليل صحفي)
- وكالة الطاقة الذرية الدولية — تقارير الضمانات بشأن إيران — 2025-2026 — مصدر أولي (بيانات تقنية)
- رويترز — تغطية التوترات الأميركية-الإيرانية — 2026 — مصدر ثانوي (تحليل إعلامي)
الوسوم
ترمب | إيران | توماس فريدمان | حرب إيران | الجثسيماني الجيوسياسي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار