اليابان تهبط إلى المركز الثالث: كيف أسقطت الصين آخر أوراق التوت المالية لطوكيو؟
رغم تسجيل أصولها الخارجية مستوى قياسياً بـ3.5 تريليون دولار، فقدت اليابان مركزها كثاني أكبر دائن في العالم لصالح الصين — في ثاني صفعة تلقّاها التصنيف الياباني خلال عامين متتاليين
مقر بنك اليابان في طوكيو — تراجعت مكانة الين كملاذ آمن مع تساؤلات متزايدة حول قيمة الأصول الخارجية الضخمة التي تحتفظ بها طوكيو في عالم يشهد اضطرابات متصاعدة ( تعبيرية)لم يكن يكفي أن تسجّل اليابان رقماً قياسياً في أصولها الخارجية. بل إن هذا الرقم القياسي بالذات كشف حجم المفارقة: بلدٌ يزداد ثراءً على الورق بينما يتراجع مرتبةً إثر مرتبة في قائمة أكبر دائني العالم. أعلنت وزارة المالية اليابانية اليوم الثلاثاء أن صافي الأصول الخارجية لطوكيو بلغ 561.8 تريليون ين (نحو 3.5 تريليون دولار) بنهاية عام 2025 — أعلى مستوى في تاريخها. لكن الصين تجاوزتها بأصول تعادل 636.3 تريليون ين، لتدفع اليابان إلى المركز الثالث، فيما تتربّع ألمانيا بثبات في الصدارة بـ675.5 تريليون ين.
هذا التحوّل ليس مجرد رقم في جدول إحصائي. فمنذ عام 1991، شكّلت ريادة اليابان في هذا المؤشر ركيزةً صامتة من ركائز الثقة الدولية بالين، وبالاقتصاد الياباني ككل. ما يجري اليوم هو تآكل متواصل لهذه الهيمنة المالية، وسط تساؤلات متزايدة: هل لا يزال الاحتفاظ بتريليونات الدولارات في الخارج فضيلةً في عالم أكثر اضطراباً واحتجازاً للأصول؟
عامان، مرتبتان، سقوط مزدوج
لفهم حجم ما يحدث، يكفي تتبّع مسار عامين متتاليين بدت فيهما اليابان كمن يتراجع على درجتين إلى الخلف في لحظة واحدة. في مايو 2025، أعلنت وزارة المالية اليابانية أن ألمانيا أزاحت طوكيو عن العرش الذي حافظت عليه منذ 1991، لتصبح أكبر دولة دائنة في العالم. كان ذلك مفاجئاً — لكنه ظل مقبولاً نسبياً، إذ بقيت اليابان في المركز الثاني أمام الصين. أما اليوم، فإن بيانات نهاية 2025 تُكمل الصورة: الصين تتخطّاها هي الأخرى، وتنزلق طوكيو إلى المرتبة الثالثة.
-
1991 — 2023
اليابان الأولى عالمياً دون منافس
33 عاماً متواصلة في صدارة قائمة أكبر الدول الدائنة عالمياً، كانت خلالها الريادة اليابانية ركيزةً للثقة بالين كملاذ آمن.
-
مايو 2025
الصفعة الأولى: ألمانيا تزيح اليابان عن الصدارة
بنهاية 2024، بلغت أصول ألمانيا 3.95 تريليون دولار متجاوزةً اليابان بـ3.7 تريليون — أول مرة منذ 34 عاماً تفقد اليابان المركز الأول.
-
مايو 2026
الصفعة الثانية: الصين تأخذ المركز الثاني أيضاً
بنهاية 2025، تجاوزت الصين اليابان بأصول تعادل 636.3 تريليون ين مقابل 561.8 ترليون ياباني — لتهبط طوكيو إلى المرتبة الثالثة.
-
ما بعد 2026
السؤال الجوهري: هل تُعيد اليابان صياغة نموذجها؟
رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي تدفع بالاستثمار المحلي ركيزةً لأجندتها الاقتصادية — لكن الفجوة مع الصين وألمانيا تتسع بفعل الفوائض التجارية المتواصلة لكليهما.
التريليونات الثلاثة في مرآة المقارنة
صافي الأصول الخارجية لأكبر ثلاث دول دائنة — نهاية 2025 (تريليون دولار)
المصدر: وزارة المالية اليابانية — بلومبرج — مايو 2026 | الأرقام مقرّبة بالتحويل من الين
ما تقوله هذه الأرقام في جوهره أن الفجوة بين اليابان والصين تتسع بفعل عاملين هيكليين: فائض الحساب الجاري الصيني الذي يتراكم بوتيرة أعلى من الياباني بكثير، وارتفاع قيمة الأصول المحلية المملوكة للمستثمرين الأجانب في اليابان نفسها — لا سيما مع صعود أسعار الأسهم اليابانية وزيادة الالتزامات — مما يُخفّض صافي الأصول الخارجية النهائي.
اليابان — نمو الأصول الخارجية 2024→2025
+5.8%من 533 إلى 561.8 تريليون ين — نمو حقيقي لكنه أبطأ
الصين — نمو الأصول الخارجية 2024→2025
+23%من 516 إلى 636.3 تريليون ين مكافئ — وتيرة أسرع بكثير
الين الملاذ الآمن: هل انتهى هذا الدور؟
"بغض النظر عن التصنيف، لا تزال مراكز الأصول الأجنبية الصافية لليابان ضخمة. لكن السؤال هو ما إذا كان الاحتفاظ بهذا القدر الكبير من الأصول في الخارج لا يزال يُعدّ شيئاً إيجابياً في عالم اليوم الذي يشهد اضطرابات أكثر بكثير." — دايسوكي كاراكاما، كبير المحللين في بنك ميزوهو
المفارقة الأكبر أن الأصول الخارجية اليابانية الضخمة كانت تاريخياً تُفسّر جزئياً مكانة الين كعملة ملاذ آمن: حين يضطرب العالم، يُسرع المستثمرون اليابانيون إلى استرداد أموالهم من الخارج فيرتفع الطلب على الين فيرتفع سعره. لكن هذه المعادلة باتت أقل وضوحاً اليوم. الين يتداول قرب أدنى مستوياته منذ عقود، ويرى كاراكاما أن مجرد امتلاك أصول في الخارج صار يُثير تساؤلات حول "الأمن والحماية" في ظل عالم ترتفع فيه احتمالات تجميد الأصول أو إخضاعها لضغوط جيوسياسية.
لماذا تتقدم ألمانيا والصين بوتيرة أسرع؟ — القاسم المشترك
| الدولة | المحرك الأساسي للتقدم | ما يُضعف اليابان مقارنةً |
|---|---|---|
| ألمانيا 🇩🇪 | فائض تجاري ضخم + ارتفاع اليورو أمام الين عام 2024 بنحو 5% | الين المتراجع يُخفّض قيمة الأصول اليابانية بالمقارنة الدولية |
| الصين 🇨🇳 | فائض تجاري تاريخي مدفوع بصادرات التصنيع والتكنولوجيا | ارتفاع الأسهم اليابانية يزيد الأصول المحلية للأجانب ويُخفّض الصافي |
أجندة تاكايتشي والرهان على الداخل
في مواجهة هذا الواقع، تُراهن رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي على نموذج مختلف: تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر الوافد إلى اليابان، وإعادة توجيه جزء من الأصول الخارجية نحو إعمار الداخل. كبير المحللين كاراكاما يُقرّ بأهمية هذا التوجه، مُشيراً إلى أن التوازن بين الأصول الخارجية والاستثمار المحلي بات قضيةً استراتيجية لا مجرد تفضيل اقتصادي.
لكن الفجوة مع الصين وألمانيا تُحدّد التحدي: كلتاهما تُراكم ثروتها الخارجية من خلال فوائض تجارية هيكلية يصعب تعويضها بقرارات سياسية قصيرة الأمد. اليابان في المقابل تجد نفسها أمام معضلة تاريخية: اقتصادٌ أمضى عقوداً يبني قوته بالخارج، ويُطالَب الآن بإعادة التفكير في هذه المعادلة.
ما يحدث مع اليابان ليس مجرد تراجع في مؤشر إحصائي، بل هو مرآة لتحوّل بنيوي أعمق في موازين الثروة العالمية. بلدٌ يُسجّل رقماً قياسياً في أصوله الخارجية ويفقد مرتبته في آنٍ واحد يُخبرنا أن السرعة صارت تهزم الحجم، وأن الفوائض التجارية المتصاعدة للصين وألمانيا ليست مجرد أرقام اقتصادية — بل هي إعادة رسم لخريطة القوة المالية العالمية. السؤال الذي لن تُجيب عنه بيانات اليوم: هل تملك طوكيو، في ظل نموذجها الاقتصادي الراهن، ما يلزم لاستعادة مركزها — أم أن ما شهدناه في عامين متتاليين مجرد مقدمة لمسار أطول من التراجع؟
المصادر:
- بوابة الشروق نقلاً عن د.ب.أ — اليابان تتراجع إلى المركز الثالث (26 مايو 2026)
- جريدة البلاد — الدول الأكثر دائنية للعالم: اليابان تهبط للمركز الثالث (26 مايو 2026)
- Vietnam.vn عربي — اليابان تتراجع إلى ثالث أكبر دائن في العالم (26 مايو 2026)
- العين الإخبارية — ألمانيا تُنهي 34 عاماً من هيمنة اليابان (مايو 2025)
الوسوم
اليابان | دولة دائنة | الصين | ألمانيا | أصول خارجية
تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار