رسالة بيسنت لمسقط: صبر واشنطن ينفد و"مشروع الحرية" يتعثر

-- دقائق
جيوسياسة

ترامب يربط الاتفاق النووي بـ"أبراهام" وطهران تتشدد في هرمز، فهل تتحول التهدئة إلى مواجهة مفتوحة؟

رسالة بيسنت لمسقط: صبر واشنطن ينفد و"مشروع الحرية" يتعثر

في لحظة تبدو فيها المفاوضات الأمريكية الإيرانية أقرب إلى الجمود منها إلى الاتفاق، وجّه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت رسالة "تحذير" خاصة إلى سلطنة عمان، حاملة رسالة واحدة: صبر واشنطن ليس بلا حدود. التصريح، الذي أدلى به بيسنت خلال إحاطة صحفية في البيت الأبيض، جاء متزامناً مع إعلان الرئيس دونالد ترامب شروطاً جديدة للاتفاق تربطه بانضمام السعودية وقطر إلى اتفاقيات "أبراهام"، فيما يواصل الحرس الثوري الإيراني تضييق الخناق على مضيق هرمز.

لماذا الآن؟ لأن التفاهم المُعلن في 21 أبريل الماضي لتمديد وقف إطلاق النار يواجه اختباراً وجودياً. فبعد أكثر من شهر على الحصار البحري الأمريكي الذي فرضته واشنطن في 13 أبريل على الموانئ الإيرانية المطلة على المضيق، وثلاثة أيام فقط من عملية "مشروع الحرية" التي علّقت في 7 مايو، يبدو أن الطرفين يتبادلان رسائل الضغط العسكري والسياسي بانتظار من يُبادر بالتراجع.

13 أبريل: بدء الحصار البحري الأمريكي
21 أبريل: تمديد وقف إطلاق النار
7 مايو: تعليق "مشروع الحرية"
12 مليار دولار أموال إيرانية مجمدة في قطر

لماذا وجّه بيسنت تحذيره إلى مسقط تحديداً؟

اختيار سلطنة عمان كمستقبل للرسالة الأمريكية ليس عبثاً. مسقط تلعب تاريخياً دور الوسيط غير الرسمي بين واشنطن وطهران، وهي الدولة الخليجية الوحيدة التي تحافظ على علاقات دبلوماسية مستقرة مع الجانبين. لكن هذه المرة، الرسالة تحمل طابعاً مختلفاً: إنها ليست دعوة للتفاوض، بل إنذار بانتهاء الوقت.

قال بيسنت صراحةً: "صبرنا ليس بلا حدود. الرئيس ترامب سيفضل دائمًا التوصل إلى اتفاق سلمي، لكن إذا رأى أنه لا يمكنه التوصل إلى اتفاق، فإن خيار توجيه الضربات سيعود." هذا التصعيد اللفظي من وزير الخزانة — وليس وزير الدفاع أو مستشار الأمن القومي — يُشير إلى أن الضغط الاقتصادي والعسكري يُداران الآن بتوازٍ، وأن العقوبات قد تكون مقدمة للعمل العسكري لا بديلاً عنه.

⚠️

تنبيه تحليلي

تزامن تصريح بيسنت مع إدراج الولايات المتحدة "هيئة مضيق الخليج الفارسي" الإيرانية على قائمة عقوبات جديدة يُشير إلى أن واشنطن تُحاول تضييق الخناق الاقتصادي قبل أي قرار عسكري، لا سيما أن الهيئة تُشرف على إيرادات النفط عبر المضيق.

شرط ترامب الجديد: "أبراهام" مقابل الاتفاق النووي

في سياق متصل، أدخل ترامب متغيراً جيوسياسياً جديداً على المفاوضات عندما قال إنه "ليس متأكداً من إمكانية إبرام أي اتفاق مع إيران إذا لم تنضم السعودية وقطر إلى اتفاقيات أبراهام" للتطبيع مع إسرائيل. هذا الشرط، الذي وصفه بأن دول الشرق الأوسط "مدينة بالانضمام" إلى الاتفاقيات، يُعيد تشكيل الملف الإيراني من مسألة أمن نووي إلى مشروع إعادة ترتيب الإقليم برمته.

لكن هذا الشرط يُعقّد المفاوضات بشكل غير مسبوق. فالرياض والدوحة لم تُبديا حتى الآن استعداداً علنياً للانضمام إلى "أبراهام"، وربطهما بالاتفاق الإيراني قد يُفضي إلى مأزق إقليمي. من الناحية الإيرانية، يُعتبر هذا الشرط تدخلاً في شؤون الجوار، وقد يُقوّض أي تقدم أُحرز في محادثات الدوحة التي توصلت — وفق تقارير إعلامية أمريكية — إلى اتفاق هام قبل أيام، لكن إعلانه تأجّل بانتظار موافقة ترامب.

  • 13 أبريل 2026

    الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية

    فرضت واشنطن حصاراً بحرياً على جميع الموانئ الإيرانية المطلة على مضيق هرمز، مُعلنةً أن الهدف هو وقف تهريب النفط والسلاح.

  • 21 أبريل 2026

    تمديد وقف إطلاق النار

    استجابةً لطلب الوسيط الباكستاني، مدد ترامب تفاهم وقف إطلاق النار مع إيران إلى حين تقديم مقترح إيراني وانتهاء المفاوضات.

  • 7 مايو 2026

    تعليق "مشروع الحرية"

    بعد 3 أيام فقط من إطلاقها، علّقت واشنطن عملية تأمين الملاحة في هرمز وإخراج السفن العالقة، عقب تهديد الحرس الثوري باستهداف أي قوة أجنبية.

  • 28 مايو 2026

    تحذير بيسنت وشرط ترامب

    في يوم واحد، حذّر وزير الخزانة من نفاد الصبر، وربط ترامب الاتفاق بـ"أبراهام"، بينما أدرجت واشنطن هيئة مضيق الخليج الفارسي على قوائم العقوبات.

طهران ترد بالميدان: السيطرة على هرمز والضغط النفطي

لم تكتفِ طهران بالموقف الدفاعي. ففي موازاة التصريحات الأمريكية، أعلن الحرس الثوري الإيراني "السيطرة الكاملة" على مضيق هرمز، وبدأ باعتراض السفن التجارية التي تخالف إجراءات العبور التي فرضها. كما شهد المضيق مغادرة ناقلات نفط عملاقة مع إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال (AIS) لتجنب الرقابة.

في خطوة تصعيدية أخرى، أعلن الحرس الثوري استهداف قاعدة جوية أمريكية رداً على ما وصفه بهجوماً قرب مطار بندر عباس، فيما أدان النظام الإيراني انتهاك واشنطن لوقف إطلاق النار، معرباً عن تضامنه مع سلطنة عمان — ربما رسالة لاستبعاد مسقط من الحوار الأمريكي أو استمالتها.

✅ أوراق الضغط الأمريكية

  • الحصار البحري المستمر على الموانئ الإيرانية
  • عقوبات جديدة على هيئة مضيق الخليج الفارسي
  • تهديد باستئناف الضربات العسكرية المباشرة
  • ربط الاتفاق بملف "أبراهام" الإقليمي

⚠️ أوراق الضغط الإيرانية

  • السيطرة الفعلية على مضيق هرمز واعتراض السفن
  • تهديد استهداف القوات الأمريكية في المنطقة
  • تجميد الملاحة الدولية وتعطيل إمدادات النفط
  • ورقة الأموال المجمدة (12 مليار دولار في قطر)

ما وراء الرسائل: استنزاف المخزون و"نافذة الضعف"

في تطور يُضيف بُعداً استراتيجياً للأزمة، كشف تقرير أمريكي أن الحرب مع إيران استنزفت مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ المتطورة، مما فتح ما وصفه التقرير بـ"نافذة ضعف" أمام الصين. هذا الاستنزاف يُفسّر جزئياً تعليق "مشروع الحرية" بعد ثلاثة أيام فقط، ويُضعف القدرة الأمريكية على خوض مواجهة ممتدة.

من الجانب الإيراني، تُشير زيارة رئيس مجلس الشورى الإسلامي محمد باقر قاليباف إلى قطر إلى مسعى لتحرير 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة، وهو مبلغ قد يُخفف الضغط الاقتصادي على طهران ويمنحها هامشاً أكبر للمناورة في المفاوضات. لكن هذا المسعى يتوقف بدوره على توازن القوى في الميدان.

ℹ️

سياق إقليمي

تقارير إعلامية أمريكية (NBC News وAxios) تشير إلى أن واشنطن وطهران توصلتا في الدوحة قبل أيام إلى اتفاق هام، لكن إعلانه تأجل بسبب خلافات داخلية، بينما ذكرت مصادر إسرائيلية أن المرشد الإيراني لم يوافق على نص الاتفاق، وبالتالي لن يوافق عليه ترامب.

أين تتقاطع المصالح وتبدأ الخلافات؟

تتقاطع مصالح الطرفين حول نقطة واحدة: لا أحدهما يريد حرباً شاملة. لكن تعريف "الحرب" يختلف. واشنطن تريد اتفاقاً يُقيّد البرنامج النووي الإيراني ويُعيد ترتيب الإقليم عبر "أبراهام"، بينما تريد طهران رفع العقوبات والحصار دون التنازل عن نفوذها الإقليمي.

الخلاف الجوهري يكمن في التسلسل: هل يأتي رفع العقوبات أولاً أم التفكيك النووي؟ وهل يُمكن فصل الملف النووي عن الملف الإقليمي (النفوذ في سوريا واليمن ولبنان)؟ ترامب يرفض الفصل، وطهران ترفض الربط. هذه الدائرة المفرغة هي التي أدخلت المفاوضات في حالة الجمود الحالية.

السيناريوهات المستقبلية

السيناريوالشرطالنتيجة المحتملة
الاتفاق الجزئيقبول ترامب بتفاهم مؤقت دون "أبراهام"تبادل تخفيف عقوبات مقابل تجميد نووي
المواجهة المحدودةانفجار عسكري في هرمز أو استهداف قاعدةضربات أمريكية محدودة + تصعيد إيراني غير متماثل
الجمود الممتداستمرار التهديدات المتبادلة دون حسمتآكل وقف النار تدريجياً وعودة التصعيد البطيء

ماذا يعني هذا للقارئ والمنطقة؟

عملياً، يعني هذا أن منطقة الخليج تدخل مرحلة من التوتر المُدار قد تستمر أسابيع أو أشهر. للقارئ العربي، التداعيات المباشرة تتمثل في ثلاثة محاور: أولاً، أسعار النفط، التي قد تشهد تصاعداً في حال إغلاق هرمز جزئياً أو تعرض ناقلات لهجمات. ثانياً، استقرار الملاحة الدولية، التي تمر عبر المضيق بنسبة 20% من إمدادات النفط العالمية. ثالثاً، الانعكاسات الاقتصادية على دول الجوار، لا سيما دول الوساطة مثل عمان وقطر.

أما على المستوى الاستراتيجي، فإن ربط ترامب للاتفاق الإيراني بـ"أبراهام" يعني أن أي تسوية ستكون شاملة إقليمياً، لا ثنائية. هذا قد يُعيد رسم التحالفات في الشرق الأوسط، ويُضعف أو يُقوّي حسب النتيجة، دور الوسطاء التقليديين.

هل تتحول رسالة بيسنت إلى مسقط من تحذير دبلوماسي إلى مقدمة لعمل عسكري؟ يعتمد ذلك على سؤال واحد: هل ترامب مستعد لقبول اتفاق أقل من "أبراهام"، أم أن شرطه الجديد هو خط أحمر لا تراجع عنه؟ حتى ذلك الحين، يبقى مضيق هرمز ساحة المواجهة الأكثر قابلية للاشتعال، وسلطنة عمان على رغم حيادها التاريخي، قد تجد نفسها في قلب العاصفة.

المصادر:

  1. RT Arabic — 28 مايو 2026
  2. Sputnik Arabic — 28 مايو 2026
  3. Sputnik Arabic — 28 مايو 2026

الوسوم

بيسنت | إيران | هرمز | أبراهام | سلطنة عمان

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟