حرب إيران تُفجر فاتورة 25 مليار دولار.. والشركات العالمية تئنّ تحت وطأة "هرمز المغلق"

-- دقائق
أسواق وسلع

لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد عنوان سياسي عابر، بل آلة طحن اقتصادية عالمية تبتلع الأرباح وتبخر التوقعات في غضون أسابيع

حرب إيران تُفجر فاتورة 25 مليار دولار.. والشركات العالمية تئنّ تحت وطأة "هرمز المغلق"

حين تُغلق إيران مضيق هرمز شبه بالكامل، لا يتوقف العالم عند حافة الخبر العاجل فحسب، بل يتوقف عند حافة حساباته المالية. ففي غضون أسابيع معدودة، ارتفعت فاتورة الخسائر لتلامس 25 مليار دولار، وهو رقم يكبر بوتيرة تصاعدية مع استمرار إغلاق ذلك الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.

وفق تحليل دقيق أجرته وكالة "رويترز" استند إلى بيانات صادرة عن مئات الشركات المدرجة في أسواق الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، فإن تداعيات الحرب لم تعد مقتصرة على قطاع النفط، بل امتدت لتضرب شركات تصنع كل شيء تقريباً؛ من مستحضرات التجميل والمنظفات إلى الإطارات والأجهزة المنزلية، مروراً بشركات السياحة والطيران التي تشهد أسوأ أزمة وقود منذ عقود.

25 مليار دولار.. والعداد لا يزال يجري

أظهر التحليل أن 279 شركة على الأقل أشارت علناً إلى الحرب كأحد الأسباب الرئيسية التي دفعتها لاتخاذ إجراءات استثنائية للتخفيف من الأثر المالي، بما في ذلك رفع الأسعار، وخفض الإنتاج، وتعليق توزيعات الأرباح النقدية، وإعادة شراء الأسهم، وحتى تسريح موظفين.

ولوضع هذا الرقم في سياقه، فقد أشارت مئات الشركات بحلول أكتوبر الماضي إلى تكاليف تزيد عن 35 مليار دولار نتيجة للرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2025، ما يعني أن الحرب الحالية تقترب من تحقيق ثلاثة أرباع تلك الخسائر في فترة زمنية أقصر بكثير.

الشركة / القطاع التداعية المالية القيمة التقديرية
قطاع الطيران (إجمالي) ارتفاع وقود الطائرات لمثلي تقريباً ~15 مليار دولار
تويوتا (اليابان) خسارة تشغيلية وتكاليف إمدادات 4.3 مليار دولار
بروكتر أند غامبل (أمريكا) خسارة في الأرباح بعد خصم الضرائب 1 مليار دولار
كونتيننتال (ألمانيا) ارتفاع تكلفة المواد الخام (إطارات) 100 مليون يورو
ويرلبول (أمريكا) تعليق توزيعات الأرباح + خفض توقعات العام انكماش حاد (غير محدد)
ماكدونالدز (عالمية) تضخم تكاليف على المدى الطويل + ضعف الطلب تكاليف متصاعدة

مضيق هرمز في حكم المغلق.. والعالم يدفع الثمن

ليس الرقم وحده ما يرسم المشهد المظلم، بل "السبب" الذي يجعل هذه الخسائر تتكاثر كالثلج الكروي: إغلاق إيران شبه الكامل لمضيق هرمز. هذا الممر الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، تحول إلى نقطة ضعف مركزية تعصف بالاقتصاد الدولي.

نتيجة هذا الإغلاق، قفزت أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل، بزيادة تجاوزت 50% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. لكن الصدمة لم تتوقف عند أسعار الوقود، بل تفاقمت مع ارتفاع تكاليف الشحن البحري، وتقليص إمدادات المواد الخام، وقطع مسارات تجارة حيوية لتدفق البضائع بين آسيا وأوروبا.

مواد استراتيجية في دائرة الخطر

تأثرت إمدادات الأسمدة، والهيليوم، والألمنيوم، والبولي إيثيلين وغيرها من المواد الرئيسية التي يعتمد عليها القطاع الصناعي العالمي بشكل حيوي. كما شهدت 20% من الشركات التي شملتها المراجعة نكسات مالية مباشرة بسبب الحرب.

قطاع الطيران.. الأكثر دماً

إذا كان هناك قطاع يحمل على كاهله النصيب الأكبر من الألم، فهو بلا شك الطيران المدني. فقد تكبدت شركات الطيران العالمية وحدها خسائر تقدر بنحو 15 مليار دولار، إذ ارتفعت أسعار وقود الطائرات إلى مثلي تقريباً، مما أجبر الناقلات على إعادة حساباتها بالكامل، بينما يواجه المسافرون ارتفاعاً حاداً في أسعار التذاكر.

ولم تكن الخسارة مادية فحسب، بل امتدت لتشمل تعليق خطوط، وتقليص رحلات، وإلغاء طلبات شراء طائرات جديدة، فيما تدرس بعض الشركات طلب مساعدات طارئة من حكوماتها.

موجات الصدمة تصل المستهلك.. والربع الثاني ينذر بالأسوأ

مع دخول الحرب شهرها الثالث، بدأت الشركات بإطلاق إنذاراتها الحمراء واحدة تلو الأخرى. فشركة "ويرلبول" الأمريكية للأجهزة المنزلية، خفضت توقعاتها للعام بأكمله وعلقت توزيعات الأرباح النقدية، فيما صرح رئيسها التنفيذي مارك بيتزر بأن "مستوى تراجع القطاع الصناعي مماثل لما شهدناه خلال الأزمة المالية العالمية، بل ويفوق فترات أخرى من الركود."

"يحجم المستهلكون عن استبدال المنتجات ويفضلون إصلاحها."
— مارك بيتزر، الرئيس التنفيذي لشركة ويرلبول

من جهتها، حذرت "ماكدونالدز" من ارتفاع تضخم التكاليف على المدى الطويل، فيما أشار رئيسها التنفيذي كريس كيمبكزينسكي إلى أن "ارتفاع أسعار البنزين هو المشكلة الأساسية التي نرصدها الآن، وهو ما يضر بطلب المستهلكين ذوي الدخل المنخفض."

وفي اليابان، خفض المحللون تقديراتهم لنمو أرباح الربع الثاني إلى النصف، لتصل إلى 11.8% فقط. أما في أوروبا، فتوقع محللو "غولدمان ساكس" أن الشركات المدرجة على مؤشر "ستوكس 600" ستواجه ضغوطاً حادة على هوامش الربح بدءاً من الربع الثاني، مع انتهاء الحماية التي توفرها عمليات التحوط.

تعديلات توقعات الأرباح للربع الثاني 2026

المؤشر / المنطقة التعديل في توقعات الربع الثاني التأثير الرئيسي
ستاندرد أند بورز 500 (صناعي) -0.38 نقطة مئوية ضغط على هوامش الربح الصافي
ستاندرد أند بورز 500 (سلع غير أساسية) -0.14 نقطة مئوية تراجع الإنفاق الاستهلاكي
ستاندرد أند بورز 500 (سلع أساسية) -0.08 نقطة مئوية تكاليف إمدادات متصاعدة
المؤشر الياباني (أرباح الربع الثاني) خفض إلى النصف (11.8%) تراجع الصادرات وتكاليف الطاقة
مؤشر ستوكس 600 (أوروبا) ضغوط متوقعة >5% انتهاء عقود التحوط + تكاليف إضافية

المصدر: مذكرات غولدمان ساكس ويو بي إس وستاندرد أند بورز، مايو 2026

التضخم يتنفس من جديد.. وثقة المستهلك تتهاوى

يرى محللون أن القدرة على التسعير ستضعف في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وسيصبح استيعاب التكاليف الثابتة أكثر صعوبة، مما يهدد هوامش الربح في الربع الثاني وما بعده. ومن المرجح أن تؤدي الزيادات المستمرة في الأسعار إلى إذكاء التضخم من جديد، بما يضر بثقة المستهلكين الهشة أصلاً.

في هذا السياق، حذر جيري فاولر رئيس قطاع أسهم أوروبا في بنك "يو. بي. إس" من أن القطاعات المرتبطة بالمستهلكين، ومنها السيارات والاتصالات والمنتجات المنزلية، ستشهد تعديلات سلبية بأكثر من 5% خلال الـ 12 شهراً القادمة.

"من المرجح أن يظهر تأثيره علينا في أواخر الربع الثاني، ثم سيبلغ ذروته في النصف الثاني من العام."
— رولاند ويلزباخر، الرئيس التنفيذي لشركة كونتيننتال الألمانية

خلاصة: حرب لا تُحسب فقط بالصواريخ

ما يجري اليوم يؤكد أن الحروب الحديثة لا تُقاس بأعداد القتلى والدمار فحسب، بل بالمليارات التي تتبخر من حسابات الشركات، وبالمسارات التجارية التي تُقطع، وبثقة المستثمرين التي تتهاوى. وفي ظل غياب أي مؤشرات على قرب التوصل لاتفاق لإنهاء الحرب، يبدو أن فاتورة الـ 25 مليار دولار ليست سوى الفصل الأول من رواية اقتصادية طويلة قد تُعيد رسم خريطة التجارة العالمية لسنوات مقبلة.

المصادر:

  1. RT Arabic — حرب إيران تكبد الشركات العالمية نحو 25 مليار دولار (19 مايو 2026) — مصدر أولي
  2. Reuters — Iran-Israel war costs global companies $25 billion (19 May 2026) — مصدر تحليلي
  3. FactSet — بيانات الشركات المدرجة وأرباح الربع الثاني 2026
  4. Goldman Sachs — توقعات أرباح مؤشر ستوكس 600 (مايو 2026)
  5. UBS — تحليل قطاعات المستهلكين الأوروبية (مايو 2026)

الوسوم

حرب إيران | مضيق هرمز | خسائر الشركات | ارتفاع النفط | اقتصاد عالمي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران