كوهين يكشف "تحركات سياسية في الخفاء": هل تتحول إسرائيل إلى جسر النفط الخليجي لأوروبا؟

-- دقائق
طاقة وجيوسياسة

وزير الطاقة الإسرائيلي يؤكد تقدم مفاوضات سرية لنقل النفط السعودي والإماراتي عبر أراضي الاحتلال إلى أوروبا — مشروع يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية ويختبر حدود التطبيع العربي

كوهين يكشف "تحركات سياسية في الخفاء": هل تتحول إسرائيل إلى جسر النفط الخليجي لأوروبا؟خطوط الطاقة تعيد تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط وسط سباق على طرق النفط نحو أوروبا.

في تصريح لم يحظَ بالتغطية الواسعة التي يستحقها، كشف وزير الطاقة والبنية التحتية الإسرائيلي إيلي كوهين عن "تحركات سياسية تجري في الخفاء" لإنشاء مسار جديد لنقل النفط من مناطق الإنتاج في السعودية والإمارات إلى أوروبا عبر إسرائيل. التصريح، الذي جاء في سياق حديث صحفي مطلع مايو 2026، لم يكن مجرد إشارة عابرة، بل اعتراف علني بأن المفاوضات التي تربط الخليج بالمتوسط عبر تل أبيب تجاوزت مرحلة "الأفكار الاستراتيجية" إلى فضاء التفاصيل التقنية واللوجستية.

ما يُضفي على الكشف أهمية استثنائية هو التوقيت. يأتي في لحظة يتصارع فيها العالم على إعادة رسم خطوط إمداد الطاقة بعد انهيار الاعتماد الأوروبي على النفط والغاز الروسي، وفي ظل استمرار تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز. أوروبا، التي تستهلك نحو 10% من الطاقة العالمية، تبحث عن بدائل موثوقة، وإسرائيل تقدّم نفسها كـ"جسر" لا كمجرد طرف ثالث.

لماذا يُعيد هذا المشروع رسم خريطة الطاقة الآن؟

السياق المُنتج لهذا المشروع ليس وليد اللحظة. في أبريل 2025، قدّم كوهين لوزير الطاقة الأمريكي كريس رايت خطة لمد أنبوب نفط بري بطول 700 كيلومتر من السعودية إلى مدينة إيلات الإسرائيلية على البحر الأحمر، لينتقل النفط عبر خط أنابيب إيلات–عسقلان (EAPC) القائم منذ السبعينيات، ومن هناك عبر ميناء عسقلان على البحر المتوسط إلى أوروبا.

المسار المقترح يُجنّب عابريه قناة السويس ومضيق هرمز معاً. وفق تقديرات كوهين، سيُصبح "الأقصر والأسرع والأكثر أماناً" لنقل النفط الخليجي إلى الأسواق الأوروبية. لكن الأرقام وحدها لا تكفي لتفسير الحماسة الإسرائيلية؛ فالمشروع يقع ضمن مبادرة أوسع هي الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، التي أعلن عنها في قمة مجموعة العشرين بنيودلهي عام 2023 بدعم أمريكي-أوروبي، وتهدف لربط موانئ الهند بالاتحاد الأوروبي عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل.

المسارات المقارنة لنقل النفط الخليجي إلى أوروبا

المسار الطريق المسافة / التفاصيل نقاط الضعف
المسار التقليدي مضيق هرمز ← بحر العرب ← قناة السويس ← المتوسط ~9,500 كم بحري تهديدات الحوثيين؛ ازدحام القناة؛ رسوم العبور
المسار الإسرائيلي المقترح أنبوب بري 700 كم ← إيلات ← عسقلان ← ناقلات بحرية توفير 80% من الزمن مقارنة بالطرق التقليدية (تقديرات إسرائيلية) اعتماد على استقرار سياسي عربي-إسرائيلي؛ تكلفة البنية التحتية
مشروع الغاز الإسرائيلي حقول كاريش/ليفياثان ← قبرص ← اليونان ← أوروبا قيد الدراسة؛ تكلفة تقنية عالية معارضة تركيا؛ تحديات بحرية عميقة

المصدر: بيانات وزارة الطاقة الإسرائيلية، صحيفة معاريف، وكالة رويترز — 2025-2026

ما الذي يجعل "الخط السري" ممكناً الآن؟

الإجابة لا تكمن في الجغرافيا ولا في الاقتصاد وحدهما، بل في التحول السياسي الإقليمي. اتفاقيات إبراهيم (2020) فتحت قنوات رسمية بين إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب، لكن ما يُخطط له اليوم يتجاوز "التطبيع الدبلوماسي" إلى "التكامل الاستراتيجي". في 2020، وقعت شركة خطوط الأنابيب الأوروبية الآسيوية الإسرائيلية (EAPC) مذكرة تفاهم مع شركة "Med-Red" الإماراتية-الإسرائيلية لنقل النفط الإماراتي إلى أوروبا عبر إسرائيل. وفي 2021، تراجعت الحكومة الإسرائيلية عن الاتفاق تحت ضغط بيئي وسياسي داخلي، لكن الفكرة لم تمت؛ بل دخلت في سبات عميق انتظر "الظروف المواتية".

تلك الظروف بدأت تتبلور مع عودة إدارة ترامب إلى واشنطن. كوهين، الذي كان رئيساً سابقاً للموساد قبل توليه وزارة الطاقة، يتحرك بمنطق "الأمن القومي" لا الاقتصاد البحت. في نوفمبر 2025، التقى في أثينا بوزراء طاقة اليونان وقبرص والولايات المتحدة لإحياء مشروع خط الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، مؤكداً أن "الهدف هو بناء ممر بنية تحتية يوفر بديلاً للمسار الروسي ويتجاوز الحوثيين". الرسالة واضحة: إسرائيل تريد أن تكون العقدة التي لا يمكن تجاوزها في جغرافيا الطاقة الجديدة.

<
"الهدف هو بناء ممر بنية تحتية يوفر بديلاً للمسار الروسي ويتجاوز الحوثيين… للأوروبيين، الهدف هو تخفيض الأسعار." — إيلي كوهين، وزير الطاقة الإسرائيلي، بعد اجتماع أثينا نوفمبر 2025

من يستفيد ومن يخسر إذا تحول المشروع إلى واقع؟

معادلة المصالح والخسائر

الطرف المكسب المحتمل الخطر / الخسارة
إسرائيل رسوم عبور بالمليارات؛ تعزيز مكانة إقليمية؛ ضمان أمني أمريكي استهداف البنية التحتية؛ تبعات سياسية داخلية وإقليمية
السعودية / الإمارات تنويع مسارات التصدير؛ تعزيز علاقات مع الغرب ردود فعل إيرانية؛ ضغط شعبي داخلي؛ رهن الاستقرار بعلاقة مع تل أبيب
أوروبا بديل موثوق للنفط الروسي؛ تخفيض تكاليف النقل اعتماد جديد على ممر غير مستقر جيوسياسياً
مصر لا شيء مباشر خسارة رسوم قناة السويس؛ تآكل مكانة كقناة عبور عالمية
إيران / الحوثيون لا شيء إضعاف أوراق الضغط عبر تهديد الملاحة؛ تعزيز محور معادي

المشروع إن تمّ، سيُضعف من مكانة قناة السويس كشريان رئيسي للنفط الخليجي، ويُقلص من أهمية مصر اللوجستية. كما سيُضعف أوراق الضغط التي تمتلكها إيران عبر تهديداتها لمضيق هرمز والملاحة في البحر الأحمر، إذ سيتحول جزء من التدفق النفطي إلى مسار بري محصن نسبياً. لكن السؤال الأكثر تعقيداً هو: هل يمكن لدول الخليج أن تربط اقتصادها الاستراتيجي بأمن إسرائيل دون أن تدفع ثمنًا سياسياً داخلياً وإقليمياً؟

هل يصمد المشروع أمام اختبار الجغرافيا السياسية؟

التجربة السابقة لاتفاق 2020-2021 بين EAPC و"Med-Red" تُظهر أن العوائق ليست تقنية بل سياسية. الحكومة الإسرائيلية تراجعت آنذاك خوفاً من ردود فعل بيئية ودبلوماسية. اليوم، مع تصعيد التوترات الإقليمية وتراجع الأولوية البيئية في عهد ترامب، تبدو الظروف أكثر تسامحاً مع المشاريع الهيدروكربونية الضخمة.

لكن العائق الأكبر قد يكون داخلياً في الدول العربية المنتجة. السعودية، التي لم توقع اتفاق سلام علنياً مع إسرائيل، تتعامل مع الملف بحساسية قصوى. أي تسريب عن "تعاون نفطي استراتيجي" مع تل أبيب قد يُستخدم كورقة ضغط داخلية وإقليمية. كوهين يدرك هذا جيداً، لذلك تحدث عن "تحركات في الخفاء" لا عن "اتفاقات موقعة". الفارق لغوي لكنه سياسي بالغ الدلالة: المفاوضات تسير، لكنها تسير في الظل.

ثلاثة سيناريوهات لمسار المشروع

السيناريو الأرجح: تقدم تدريجي بعيداً عن الأضواء. استمرار المفاوضات السرية مع تفعيل جزئي لخط EAPC القائم لنقل كميات محدودة من النفط الإماراتي والسعودي كـ"اختبار نموذجي"، دون إعلان رسمي عن أنبوب جديد. هذا يُحقق لإسرائيل عائداً مبكراً وللخليج "تنويعاً" دون مواجهة.

السيناريو الأخطر: تسريب يُفجّر المفاوضات. في مناخ إقليمي مشحون، قد يؤدي كشف التفاصيل إلى ردود فعل إيرانية مباشرة أو غير مباشرة عبر وكلائها، أو إلى اضطرابات سياسية داخلية في الدول المعنية. المشروع، رغم جاذبيته الاقتصادية، يظل هشاً أمام صدمة سياسية واحدة.

السيناريو البديل: تحول المشروع إلى "ممر أخضر". بدلاً من النفط التقليدي، يتم توجيه الاستثمار نحو الهيدروجين الأخضر، حيث تستفيد السعودية (مشروع نيوم) وإسرائيل (خبرة تقنية) من الموقع الجغرافي لإنشاء "جسر طاقة نظيفة" إلى أوروبا. هذا السيناريو أقل إثارة للجدل، لكنه يتطلب استثمارات أضعافاً مضاعفة.

ماذا يعني هذا للقارئ العربي؟

المشروع ليس مجرد خط أنابيب يمر عبر خرائط جغرافية بعيدة. إنه إعادة صياغة للتحالفات. إذا نجحت "التحركات السرية" التي تحدث عنها كوهين، فسيعني ذلك أن الاقتصاد الخليجي بدأ يرتبط بشكل غير قابل للعكس بأمن إسرائيل، وأن أوروبا ستجد نفسها مرة أخرى معتمدة على ممر طاقة يمر بمنطقة غير مستقرة، لكن هذه المرة الممر يبدأ في الخليج وينتهي في المتوسط عبر أرض فلسطين المحتلة.

للقارئ في دول الخليج، السؤال ليس تقنياً بل سياسياً: هل التنويع الاقتصادي يبرر تبني مسار يُضعف من مكانة القضية الفلسطينية ويُعمق من التبعية الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب؟ وللقارئ في مصر، المخاطرة ليست نظرية: كل برميل نفط يتجاوز قناة السويس هو خسارة مباشرة في العملات الصعبة. وللقارئ في أوروبا، "البديل الروسي" قد يتحول سريعاً إلى "البديل الإسرائيلي" دون أن تتاح له فرصة تقييم الكلفة الأخلاقية والسياسية للمسار.

ما يكشفه إيلي كوهين ليس مجرد خطة أنابيب، بل خريطة طريق لشرق أوسط جديد يُعاد رسمه بالنفط والغاز. "التحركات السرية" التي تحدث عنها تُذكّر بأن الجغرافيا السياسية لا تتغير دائماً بالمعاهدات المعلنة، بل أحياناً بالعقود التي تُوقع في الغرف المغلقة وتُعلن بعد أن تصبح حقائق لا يمكن عكسها. السؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس ما إذا كان المشروع ممكناً تقنياً — فالأنابيب يمكن مدها — بل ما إذا كانت المنطقة مستعدة لتحمل ثمن تحوله من فكرة استراتيجية إلى واقع اقتصادي يعيد توزيع الأوراق.

المصادر:

  1. حساب Meemmag على X — تصريح وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين عن تحركات سرية لتمرير النفط (مايو 2026) — مصدر أولي
  2. العربي الجديد — كوهين يطالب واشنطن بإقناع السعودية بخط نفط إسرائيلي إلى أوروبا (5 أبريل 2025) — مصدر تحليلي ثانوي
  3. جيروزاليم بوست — Israel's major gas pipeline to Europe back on the table (6 نوفمبر 2025) — مصدر أولي
  4. الخليج أونلاين — اتفاق لنقل نفط الإمارات إلى أوروبا عبر السعودية و"إسرائيل" (20 أكتوبر 2020) — مصدر أولي
  5. الجزيرة نت — شركة أنابيب إسرائيلية توقع اتفاقا لتوريد النفط الإماراتي إلى أوروبا (20 أكتوبر 2020) — مصدر أولي
  6. TRT عربي — غاز الخليج لأوروبا عبر إسرائيل.. مخطط يحرم مصر امتيازاتها (21 سبتمبر 2020) — مصدر تحليلي ثانوي

الوسوم

النفط الخليجي | إسرائيل | قناة السويس | خطوط الطاقة | الشرق الأوسط

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران