هبوط النفط دون 100 دولار: السوق تسعّر سلاماً محتملاً قبل أن يولد
عقود برنت تهبط 2% إلى 98 دولاراً في ساعات الصباح الأولى، والخام الأمريكي يتراجع أكثر من 5%، لكن المفاوضات لا تزال عالقة بين "شبه الإنجاز" و"غير المقبول"
![]() |
| النفط يهبط لأن الأسواق تراهن على هدوءٍ لم يولد بعد |
في الساعة 01:11 بتوقيت موسكو، انزلقت العقود الآجلة لخام برنت إلى ما دون حاجز المئة دولار للبرميل لأول مرة منذ أيام، مسجلة 98.18 دولاراً بتراجع نسبته 2.03% عن إغلاق الجمعة. في الوقت نفسه، هبط خام غرب تكساس الوسيط (WTI) بقوة أكبر، بنسبة 5.26%، إلى 91.52 دولاراً. السبب المعلَن: ظهور "ملامح أولية" لاتفاق محتمل بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب المستعرة منذ 28 فبراير/شباط 2026.
لكن السؤال الذي يتجاوز الأرقام هو: لماذا تسعّر الأسواق تفاؤلاً لم يُولَد بعد، في حين أن المفاوضات لا تزال عالقة بين تصريح ترامب بأن الاتفاق "شبه منجز"، ووصفه في المقابل لرد إيران بأنه "غير مقبول تماماً"؟
لماذا تسعّر السوق أخباراً لم تُولَد بعد؟
الأسواق المالية، وأسواق السلع على وجه الخصوص، لا تتعامل مع الحقائق بل مع التوقعات المُسعّرة. ومنذ إعلان وقف إطلاق النار الهش في 7 أبريل/نيسان، عاشت أسواق النفط على إيقاع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تتأرجح بين التهديد بالضربات "الأشد عنفاً" والحديث عن "محادثات بنّاءة".
في 24 مايو/أيار، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن التقدم المحرز خلال 48 ساعة كان "كبيراً"، ولوّح بأخبار جيدة بشأن مضيق هرمز. لكن في 11 مايو، كان ترامب نفسه قد رفض الرد الإيراني عبر باكستان، معتبراً إياه "غير مقبول تماماً"، ما أدى إلى قفزة فورية في الأسعار. هذا التناقض هو الذي يفسر حركة السوق الحالية: المستثمرون يشتريون "احتمال السلام" بسعر مخفض، لكنهم يحتفظون بقدر من التأمين ضد فشل المفاوضات.
تنبيه تحليلي
تاريخ ترامب في التصريحات المتفائلة ثم التصعيد يُنذر بالحذر. في أبريل، تحدث مراراً عن "اقتراب التوصل إلى تسوية" قبل أن تعود التوترات للتصاعد مجدداً وتدفع الأسعار للارتفاع.
هرمز: شريان يتحكم فيه الخوف لا الحديد
مضيق هرمز ليس مجرد خط بحري؛ هو منظومة خوف تتحكم في أسعار النفط العالمية. قبل الحرب، كان يمر عبره نحو خُمس الإمدادات النفطية العالمية. منذ 28 فبراير/شباط، تحول إلى شريان مغلق شبه كامل، مع بقاء نحو 1500 سفينة تجارية و20 ألف بحار عالقين في منطقة الخليج، بحسب الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية.
الإغلاق لم يُحدث صدمة معروض فورية فحسب، بل أعاد رسم خريطة التدفقات النفطية. صادرات الخام الأمريكي إلى آسيا قفزت من 1.11 مليون برميل يومياً في يناير/كانون الثاني إلى 3.29 ملايين برميل يومياً في مايو/أيار، محاولةً سد الفجوة التي خلّفها إغلاق المضيق. لكن هذه الزيادة لا تقترب حتى الآن من تعويض الفاقد الكلي.
أرقام تكشف مدى هشاشة التفاؤل
التفاؤل الحالي يقف على أرضية رملية من البيانات المتضاربة. ففي الوقت الذي يتحدث فيه ترامب عن اتفاق "شبه منجز"، تُصرّ إيران على أن مضيق هرمز يبقى "تحت السيطرة الحاسمة للبحرية الثورية"، وتطالب بضمانات بعدم استئناف الضربات الأمريكية-الإسرائيلية. من جانبها، تُصرّ واشنطن على تفكيك التخصيب النووي ونقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى دولة ثالثة.
الفجوة بين الطرفين لا تزال واسعة. تقارير أكسيوس تشير إلى تفاهم مؤقت محتمل لـ60 يوماً يشمل فتح هرمز وتخفيفاً مشروطاً للعقوبات، مع تأجيل ملف التخصيب النووي. لكن نتنياهو حذر من أن الحرب "لم تنتهِ"، مطالباً بإخراج مخزون اليورانيوم المخصب. وهذا يعني أن أي اتفاق أمريكي-إيراني قد يواجه عقبة إسرائيلية قد تُفريغه من مضمونه.
قراءة في الأرقام
وفقاً لمحللي "سيتي"، استمرار إغلاق هرمز شهراً إضافياً قد يرفع إجمالي الخسائر إلى 1.3 مليار برميل، مع احتمال وصول الأسعار إلى 110 دولارات في الربع الثاني من 2026.
من يكسب ومن يخسر إذا تحول السلام إلى حقيقة؟
الانعكاسات ليست متساوية. الدول المستوردة للطاقة، وعلى رأسها الهند واليابان ودول أوروبا، ستكون المستفيد الأكبر من أي انخفاض مستدام في الأسعار. الهند، التي دعت علناً إلى ضمان حرية الملاحة، تعاني من ارتفاع فاتورة الاستيراد. أما الصين، فهي في وضع مزدوج: تستورد نفطاً بأسعار مرتفعة، لكنها في الوقت نفسه تستفيد من العقوبات على إيران لشراء خام إيراني بأسعار مخفضة.
على الجانب الآخر، شركات النفط الصخري الأمريكية قد تتضرر إذا استقر السعر دون 90 دولاراً لفترة طويلة، حيث ترتفع تكاليف الإنتاج. أما السعودية، فقد نجحت في تحويل جزء من صادراتها عبر أنبوب ينبع على الساحل الغربي، ما ساعد أرامكو على تسجيل زيادة 25% في الأرباح رغم الأزمة. لكن هذا البديل لا يُغنِ عن هرمز بالكامل.
✅ المستفيدون من انخفاض الأسعار
- الدول المستوردة: الهند، اليابان، أوروبا
- شركات الطيران والنقل العالمية
- المستهلكون عبر تباطؤ التضخم
⚠️ المتضررون إذا استمر الهبوط
- منتجو النفط الصخري الأمريكي (تكلفة إنتاج مرتفعة)
- الموازنات الخليجية المعتمدة على سعر مرتفع
- شركات التنقيب عن النفط البحري العميق
سيناريوهات ثلاثة: السلام المؤقت، الحرب المستمرة، والانهيار النووي المؤجل
المعطيات المتوفرة حتى 25 مايو/أيار 2026 تسمح برسم ثلاثة مسارات، لكنها جميعاً تحمل درجات عالية من عدم اليقين:
السيناريو الأرجح (55%): تفاهم مؤقت 60 يوماً
فتح جزئي لهرمز مقابل تخفيف محدود للعقوبات، وتأجيل ملف التخصيب النووي إلى جولة تفاوضية لاحقة. هذا السيناريو يبقي الأسعار في نطاق 90–100 دولار، مع تقلبات يومية حسب الأنباء.
السيناريو الأخطر (30%): عودة التصعيد العسكري
فشل المفاوضات، تجدد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، وإغلاق تام لهرمز. في هذه الحالة، قد تتجاوز الأسعار 110 دولارات بحسب تقديرات "سيتي"، مع صدمة تضخمية عالمية.
السيناريو البديل (15%): اتفاق شامل
تسوية تاريخية تشمل تخفيفاً كاملاً للعقوبات مقابل تجميد التخصيب ونقل اليورانيوم. هذا المسار قيدر السعر نحو 80–85 دولاراً، لكنه يحتاج إلى ضغط خليجي-دولي هائل وموافقة إسرائيلية ضمنية.
ماذا يعني هذا للقارئ العادي؟
انخفاض أسعار النفط ليس مجرد رقم على شاشات التداول. إذا استمرت موجة الهبوط، ستترجم خلال أسابيع إلى انخفاض في أسعار الوقود محلياً في معظم الدول المستوردة. كما أن تباطؤ التضخم الناتج عن انخفاض تكلفة النقل والطاقة قد يمنح البنوك المركزية، وعلى رأسها الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، هامشاً لتثبيت أسعار الفائدة أو خفضها.
لكن التحذير الأهم هو: لا تبيع التفاؤل قبل استلامه. السوق الحالية تشتري "احتمالاً" لا "حقيقة". أي خبر سلبي من طهران أو واشنطن قد يعكس الأسعار صعوداً بسرعة أكبر مما هبطت. للمستهلك، الاستراتيجية الأسلم هي مراقبة المؤشرات الفعلية — فتح هرمز، عودة السفن، إعلان رسمي — لا التصريحات الإعلامية.
النفط عند 98 دولاراً ليس سعراً للسلام، بل سعراً لـ"احتمال السلام". والفرق بين الاثنين هو الفرق بين عقلانية السوق وواقع الجيوسياسة. طالما أن هرمز مغلق، واليورانيوم الإيراني في مكامنه، ونتنياهو يرفض الإعلان عن النصر، فإن أي هبوط في الأسعار يبقى هشاً — مجرد انعكاس لأمل قد يتبدد بمنشور واحد على "تروث سوشال".
المصادر:
الوسوم
أسعار النفط | مضيق هرمز |مفاوضات أمريكا إيران | خام برنت | اتفاق محتمل

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار