فاتورة الأمن: كيف حوّلت حرب هرمز الميزانية السعودية إلى ساحة معركة موازية؟
الإنفاق العسكري يقفز 26% في 90 يوماً، والعجز يُسجّل رقماً قياسياً عند 33.5 مليار دولار — ورقم النمو يُخفي تباطؤاً حاداً في القطاع الخاص
في مطلع مايو 2026، أعلنت وزارة المالية السعودية رقماً كافياً وحده لتغيير طريقة قراءة النمو الاقتصادي في الخليج: عجز ربعي بلغ 125.7 مليار ريال (33.5 مليار دولار)، وهو الأضخم في تاريخ الميزانية السعودية خلال ربع واحد. لكن الأشدّ دلالةً لم يكن العجز في حدّ ذاته، بل ما يقبع خلفه: فاتورة عسكرية قفزت 26% لتبلغ 64.7 مليار ريال في 90 يوماً — وهي لا تمثّل إنفاقاً مُخططاً بقدر ما تمثّل ضريبةً باهظةً لحرب أشعلت مضيق هرمز وأعادت رسم خارطة المخاطر الإقليمية.
عندما يصبح الدرع الجوي سطراً في الميزانية
لم تكن الزيادة العسكرية السعودية وليدة قرار استراتيجي مُدروس بعيد المدى، بل ردّ فعل مالي لحرب لم تُدرَج تكاليفها في موازنة 2026 الأصلية. فحين وقّعت المملكة موازنتها في ديسمبر 2025 بعجز مُقدَّر بـ165 مليار ريال سنوياً، لم يكن ثمة سطر يُخصَّص لإعادة ملء منظومات الاعتراض المُستنزَفة، ولا لتكلفة تحويل مسارات الشحن النفطي من هرمز إلى موانئ البحر الأحمر.
وفق ما رصدته تقارير AGBI، فإن جُلّ الزيادة العسكرية يذهب إلى تعويض الذخائر المُستهلَكة واستيراد منظومات دفاع جوي إضافية، إذ يتكشّف أن المملكة تُنفق لتحصين سمائها في الوقت نفسه الذي ينخفض فيه إنتاجها النفطي.
إجمالي الإنفاق الحكومي بلغ 386.7 مليار ريال خلال الربع الأول وحده — أي ما يعادل نحو 103 مليارات دولار في ثلاثة أشهر، بزيادة 20% على أساس سنوي، وهو الأعلى ربعياً في تاريخ المملكة. في المقابل، جاءت الإيرادات عند 261 مليار ريال فقط، ليتّسع الفجوة إلى مستويات لم تألفها الخزينة السعودية من قبل.
الإنفاق العسكري السعودي الربعي (مليار ريال) — 2025 إلى 2026
| 51.4 | 59.8 | 61.5 | 76.5 | 64.7 |
| الربع الأول 2025 |
الربع الثاني 2025 |
الربع الثالث 2025 |
الربع الرابع 2025 |
الربع الأول 2026 |
المصدر: وزارة المالية السعودية / بلومبرغ
النفط يتراجع والإنفاق يتضخّم: مقاربة أرقام الربع الأول
يُظهر الجدول التالي التناقض الهيكلي في أداء الميزانية خلال الربع الأول من 2026 مقارنةً بالعام السابق، ويكشف كيف تتّسع الهوّة بين حجم الدولة الإنفاقي والموارد المتاحة فعلياً:
| البند | الربع الأول 2025 | الربع الأول 2026 | التغيّر |
|---|---|---|---|
| إجمالي الإنفاق | 322.3 مليار ريال | 386.7 مليار ريال | ↑ 20% |
| الإنفاق العسكري | 51.4 مليار ريال | 64.7 مليار ريال | ↑ 26% |
| الإيرادات النفطية | 149.8 مليار ريال | 144.7 مليار ريال | ↓ 3% |
| الإيرادات غير النفطية | 113.8 مليار ريال | 116.3 مليار ريال | ↑ 2% |
| العجز الربعي | — | 125.7 مليار ريال | الأعلى تاريخياً |
المصدر: وزارة المالية السعودية — تقرير أداء الميزانية Q1 2026
نمو بـ 2.8% أم ركود مُقنَّع؟ قراءة في الأرقام الداخلية
حين أعلنت الهيئة العامة للإحصاء نمواً اقتصادياً بنسبة 2.8% خلال الربع الأول، بدا الرقم مطمئناً في ظاهره. لكن تحليل المكوّنات يكشف صورة مغايرة تماماً: الإنفاق العسكري المتضخّم والدعومات التي قفزت 170% وارتفاع الاستثمار الحكومي بنسبة 56% — كلها تُحتسب ضمن النشاط الاقتصادي غير النفطي. أي أن الرقم الكلي للنمو يُخفي في طياته حقيقة أكثر قسوة: النمو الحقيقي للقطاع الخاص غير النفطي لم يتجاوز 0.2% ربعياً، وهو مستوى لا يختلف عملياً عن الركود.
الدليل الأوضح جاء من مؤشر مديري المشتريات (PMI): انخفض إلى 48.8 في مارس 2026 — ما دون عتبة الخمسين للمرة الأولى منذ 66 شهراً. هذا المؤشر لم يسجّل تراجعاً مشابهاً طوال السنوات الخمس الماضية، وهو يعكس أن المؤسسات الخاصة تعاني بمعزل عن الضخّ الحكومي الهائل.
"المشكلة الأعمق للسعودية تتجاوز الأزمة الآنية — إذ ستظل تداعيات الحرب تؤثر على قدرة الرياض في استقطاب كوادر تنفيذية دولية، وتشجيع الشركات متعددة الجنسيات على إنشاء مقارّ إقليمية فيها."
— د. نيل كويليام، باحث بارز في تشاتام هاوس
أبرز المؤشرات — الربع الأول 2026
📉 إنتاج النفط: من 10.4 مليون برميل يومياً إلى 7.25 مليون — تراجع 30% بفعل اضطرابات هرمز
📈 الدين العام: ارتفع من 1.52 تريليون ريال إلى 1.67 تريليون في 90 يوماً فقط (زيادة 150 مليار ريال)
📉 الاستثمار الأجنبي المباشر: تراجع تقديري بين 60% و70% وفق تقديرات بنوك الاستثمار
📊 مؤشر PMI: 48.8 في مارس — الأول دون 50 منذ 66 شهراً
💰 الاحتياطيات الأجنبية: 400.9 مليار ريال — ثابتة نسبياً لكن الضغط يتصاعد
الدين يتراكم: 150 مليار ريال في ثلاثة أشهر
التمويل بالديون ليس ظاهرة جديدة في المالية السعودية منذ أزمة أسعار النفط في 2014، لكن وتيرته في الربع الأول من 2026 تجاوزت كل المنحنيات السابقة. ارتفع الدين العام من 1.52 تريليون ريال بنهاية 2025 إلى 1.67 تريليون في مارس 2026 — أي 150 مليار ريال إضافية في 90 يوماً، موّلت بالكامل من إصدارات الدين الداخلي والخارجي.
وكانت الرياض قد جمعت 11.5 مليار دولار في يناير من خلال إصدار سندات دولارية اجتذب طلباً ضخماً بقيمة 28 مليار دولار، وفق ما أوردته الشرق للأخبار، مما يشير إلى أن أسواق المال تُحتفظ بقدر من الثقة في الملاءة السعودية رغم الضغوط. غير أن مركز إدارة الدين أشار إلى جاهزيته للجوء إلى "القنوات الخاصة والأسواق المحلية" إذا اقتضت الحاجة تمويلاً إضافياً — في إشارة ضمنية إلى أن الضغط لم يصل ذروته بعد.
ثلاثة مسارات للمشهد القادم
| السيناريو | الوصف والمحرك | الأثر المالي |
|---|---|---|
| الأرجح تهدئة تدريجية |
تسوية دبلوماسية تتيح رفع الحصار جزئياً وعودة الإنتاج النفطي التدريجية. يعتمد على المفاوضات الأمريكية-الإيرانية ومخرجات زيارة ترامب للرياض. | انخفاض العجز إلى 3-4.2% من الناتج في 2026 |
| الأخطر تصعيد البنية التحتية |
ضربات تطال منشآت أرامكو أو موانئ البحر الأحمر المُحوَّلة. يُهدد ما تبقى من صادرات نفطية (السعودية تستهدف الحفاظ على 70% من صادراتها السابقة عبر موانئ بديلة). | تآكل الاحتياطي وضغط شديد على تصنيف الدين |
| البديل إطالة محدودة |
استمرار الصراع بوتيرة منخفضة دون تصعيد جذري. تواصل المملكة تمويل عجزها بالديون وتضخّ دعومات طوارئ للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. | الدين العام يتجاوز 35% من الناتج بحلول نهاية 2026 |
ملاحظة: السيناريوهات مبنية على معطيات متوفرة حتى مايو 2026؛ التطورات اللاحقة قد تُعدّل التحليل.
ماذا يعني هذا للمستثمر والمواطن في المنطقة؟
لمن يتابع المشهد الاقتصادي الإقليمي، تُشكّل هذه الأرقام إشارات عملية لا يمكن تجاهلها: الاستثمار المباشر في السوق السعودية يواجه حالة عدم يقين غير مسبوقة، مع تراجع تقديري للتدفقات بين 60% و70% في الربع الأول وحده. أسعار النفط الأعلى قد تمنح هامش أمان مؤقتاً إذا استأنف الإنتاج طبيعته، لكن مؤشر PMI دون الخمسين يعني أن ذلك ليس ما تشعر به المؤسسات الخاصة على أرض الواقع.
بالنسبة للدول المستوردة للنفط في المنطقة ومنها مصر، فإن استمرار اضطراب هرمز يعني استمرار الضغط على واردات الطاقة وأسعار الشحن والتأمين البحري. أما عودة الاستقرار فتُحرّر طاقات الاستثمار الخليجية في الخارج — ومنها المشاريع المشتركة وصفقات التمويل الإقليمية التي تجمّدت في انتظار رؤية أوضح.
خلاصة تحليلية
رقم النمو السعودي البالغ 2.8% في الربع الأول من 2026 ليس كذباً — لكنه ليس الحقيقة الكاملة. هو رقم تضخّمه نفقات الحرب التي تُحتسب إنتاجاً، وتُخفي وراءه قطاعاً خاصاً يكاد يقف في مكانه. المعادلة الحقيقية أبسط مما تبدو: المملكة تستدين بـ150 مليار ريال كل ثلاثة أشهر لتموّل ترسانة دفاعية تحميها من حرب لم تختَرها، بينما ينتظر القطاع الخاص والمستثمرون الأجانب إجابة عن سؤال واحد لم يتضح حتى الآن: متى تنتهي؟ والجواب على ذلك السؤال — لا على أرقام الميزانية — هو ما سيحدّد مسار رؤية 2030 في مرحلتها الأكثر اختباراً.
المصادر
1. وزارة المالية السعودية — تقرير أداء الميزانية العامة، الربع الأول 2026
2. House of Saud / AGSI — تحليل مفارقة الاقتصاد الحربي السعودي Q1 2026
3. AGBI — عجز قياسي في السعودية بسبب تكاليف الحرب، مايو 2026
4. الشرق للأخبار — الميزانية السعودية تتجاوز حرب إيران بأخف الأضرار، مايو 2026
5. CNBC Arabia — السعودية تسجّل عجزاً في الميزانية بالربع الأول وسط تداعيات الحرب، مايو 2026
الوسوم
مضيق هرمز | الميزانية السعودية | الإنفاق العسكري | النمو غير النفطي | العجز المالي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار