مصر تربح من حرب لم تخضها: كيف حوّل إغلاق مضيق هرمز نمو الاقتصاد المصري إلى 5.2%؟
بيانات رسمية تكشف تسارع النمو المصري وسط حرب إيران، فيما تراهن الحكومة على «وثيقة ملكية الدولة» لبلوغ نمو 7% بحلول 2030
سفينة تعبر قناة السويس باتجاه البحر الأحمر — الممر المصري تحوّل إلى أحد المستفيدين غير المتوقعين من إغلاق مضيق هرمز (جيتي)
اقتصاد كان يُفترض أن تجتاحه حرب إقليمية مباشرة على حدوده الشرقية، خرج من الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية الحالية بمعدل نمو 5.2%، وهو أعلى من كل التوقعات التي صيغت عشية اندلاع حرب إيران في 28 فبراير الماضي. الأرقام الصادرة عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية لا تُخفي التناقض: الصدمة نفسها التي كانت تُنذر بانكماش، تحوّلت في جزء كبير منها إلى محرك نمو غير متوقع لقناة السويس وخط أنابيب السُّمَيد وقطاع الطاقة المصري.
هذا لا يعني أن الاقتصاد المصري خرج من الأزمة بلا أضرار. تراجع الجنيه أكثر من 10% أمام الدولار، وخرجت نحو 18 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية، ورفعت الحكومة أسعار الوقود والكهرباء بنسب استثنائية لاحتواء الضغط على الموازنة. لكن المحصلة النهائية جاءت مغايرة لسيناريوهات الانكماش التي رجّحها كثير من المحللين مطلع مارس.
من صدمة هرمز إلى ضغط الموازنة
مع اندلاع المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران في 28 فبراير، أُغلق مضيق هرمز (Hormuz) بشكل شبه كامل، وهو الممر الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً. ارتفعت أسعار الطاقة العالمية بسرعة، فاضطرت الحكومة المصرية إلى رفع أسعار المحروقات والكهرباء المنزلية بنسب استثنائية لتخفيف الضغط عن الموازنة العامة، في خطوة زادت العبء التضخمي على الأسر المصرية مباشرة.
ترافق ذلك مع مخاوف من نقص السلع نتيجة ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين البحري، وهبوط الجنيه المصري أكثر من 10% أمام الدولار بعد خروج نحو 18 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين. يصف صندوق النقد الدولي (IMF) رد الفعل المصري بأنه "سريع وحاسم"، مشيراً إلى أن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وترشيد استهلاك الطاقة الحكومي حدّا من تأثير الحرب على الاقتصاد الكلي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على زيادة الإنفاق الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر ضعفاً.
مسار نمو الاقتصاد المصري — نسبة سنوية
المصدر: وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية
المستفيد غير المتوقع: كيف ربحت مصر من إغلاق هرمز؟
بينما كانت دول المنطقة تحسب خسائرها من الحرب، وجدت مصر نفسها في موقع المستفيد في عدة ملفات متزامنة. أعادت ناقلات النفط الباحثة عن طرق بديلة لمضيق هرمز توجيه مسارها جزئياً عبر قناة السويس والبحر الأحمر، وارتفع عدد ناقلات النفط العابرة للقناة بنسبة 28% في أبريل مقارنة بالعام السابق، لترتفع عائدات القناة إلى أعلى مستوى لها منذ مطلع 2024.
قناة السويس
عائدات مرور أعلى مستوى منذ 2024
خط أنابيب السُّمَيد(SUMED)
ممر استراتيجي بديل للنفط الخليجي
تأجير الصهاريج
تأجير صهاريج نفط عملاقة لدول الخليج
صمود السياحة
تعافي سريع رغم إلغاءات أولية للحجوزات
"قناة السويس تحوّلت لمستفيد غير متوقع من الحرب في الشرق الأوسط." — محمد أبو باشا، رئيس قسم التحليل الاقتصادي الكلي في بنك الاستثمار إي إف جي هيرميس (EFG Hermes)
إلى جانب ذلك، أعلنت مصر سداد كامل المديونيات المتأخرة المستحقة للشركات الأجنبية العاملة في قطاع الغاز والنفط، وهي خطوة تفتح الباب أمام استثمارات جديدة قد ترفع الإنتاج المحلي نحو مستويات الاكتفاء الذاتي من الغاز والزيت الخام. زيادة عائدات القناة، وفق محللين، قد تساهم في تخفيف العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات عبر رفع المعروض من الدولار في السوق المحلية.
المالية العامة: عجز أقل وديون في مسار تنازلي
يرى تقرير صادر عن مؤسسة BMI (بي إم آي) التابعة لفيتش سولوشنز (Fitch Solutions) أن المالية العامة المصرية تتجه لتحسن أسرع من المتوقع خلال السنة المالية 2026-2027، مدفوعاً بانخفاض تكلفة الدين وتراجع أسعار النفط وتعافي الجنيه. رفعت المؤسسة توقعاتها للعجز الكلي للموازنة إلى 6.7% من الناتج المحلي في 2026-2027، مقارنة بتقدير سابق يبلغ 7.6%.
| المؤشر | 2025-2026 | 2026-2027 (توقع) |
|---|---|---|
| عجز الموازنة الكلي | 7% | 6.7% |
| الفائض الأولي | 4.8% | 5% |
| نسبة الضرائب إلى الناتج | — | +1.2 نقطة مئوية |
| الدين العام / الناتج المحلي | 78.3% | 72.2% |
يستمر الدين العام في مساره النزولي منذ أن بلغ ذروته عند 95.4% من الناتج المحلي في نهاية السنة المالية 2022-2023. ويعزو التقرير هذا التراجع إلى تحسن النمو الاقتصادي، وجهود الحكومة لإطالة آجال استحقاق الدين، إذ يمثل الدين المحلي نحو 75% من إجمالي الدين العام، بينما يستحق نحو 40% منه خلال عام واحد فقط — ما يجعل تكلفة الاقتراض حساسة بسرعة لأي خفض في أسعار الفائدة.
مسار الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
المصدر: تقرير مؤسسة BMI التابعة لفيتش سولوشنز
مخاطر لا تزال قائمة
يحذّر التقرير من أن اتساع العجز المالي يبقى وارداً إذا ارتفعت أسعار النفط مجدداً، أو بقيت أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو تعرّض الجنيه المصري لضغوط جديدة — وهو ما قد يرفع أعباء الدعم وخدمة الدين.
هدف 7%: رهان «وثيقة ملكية الدولة»
تتبنى الحكومة المصرية خطة طموحة للوصول بمعدل النمو إلى أكثر من 7% خلال العام المالي 2029-2030، عبر تعزيز دور القطاع الخاص الذي يُفترض أن يشكّل أكثر من 65% من إجمالي الاستثمارات مستقبلاً. الأداة الرئيسية لهذا التحول هي «وثيقة ملكية الدولة»، التي تقوم على تخارج الدولة تدريجياً من قطاعات بعينها لصالح القطاع الخاص.
توقعات بنك إتش إس بي سي (HSBC) لنمو الاقتصاد المصري
| السنة المالية | معدل النمو المتوقع |
|---|---|
| 2025-2026 | 4.7% |
| 2026-2027 | 5.4% |
| 2027-2028 | 5.5% |
| 2028-2029 | 6% |
| 2029-2030 | 7% |
يشدد صندوق النقد الدولي على أن التقدم الحاسم في الإصلاحات الهيكلية لا يزال ضرورياً لدعم نمو يقوده القطاع الخاص، بما يشمل تسريع إصلاحات بيئة الأعمال وتكافؤ الفرص وتعزيز الحوكمة. وأشارت بلومبيرج (Bloomberg) إلى أن مبيعات الأصول الحكومية الأخيرة استوفت أهداف مراجعة الصندوق، ما مهّد الطريق أمام الإفراج عن تمويل جديد.
صناعة تبحث عن توازنها التصديري
في المقابل، يبقى الملف الصناعي نقطة ضعف بنيوية. كشف وزير الصناعة المصري خالد هاشم أن الميزان التجاري لنحو 12 من أصل 13 مجلساً تصديرياً في مصر "سلبي"، ووعد بمعالجة هذا الوضع قبل الحديث عن استهداف صادرات بقيمة 100 مليار دولار سنوياً، مقارنة بنحو 48 مليار دولار سُجّلت في 2025.
✅ مكاسب الأزمة
- ارتفاع عائدات قناة السويس إلى أعلى مستوى منذ 2024
- خط أنابيب السُّمَيد كممر بديل لنفط الخليج
- سداد متأخرات شركات الغاز والنفط الأجنبية
- صمود نسبي لقطاع السياحة
⚠️ تحديات هيكلية باقية
- عجز تجاري في 12 من 13 مجلساً تصديرياً
- تراجع الجنيه أكثر من 10% أمام الدولار
- خروج نحو 18 مليار دولار من أدوات الدين
- تضخم عند 14.6% في مايو 2026
يكشف أداء الاقتصاد المصري خلال أزمة إيران عن مفارقة تستحق التوقف: اقتصاد يقع على مسافة جغرافية قريبة من ساحة حرب إقليمية مباشرة، لكنه يستخرج من موقعه اللوجستي — قناة السويس، السُّمَيد(SUMED)، الموانئ — مكاسب توازن جزءاً كبيراً من أضرار التضخم وهروب رأس المال. السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو هل تكفي هذه المكاسب المؤقتة لتمويل رهان طموح كهدف نمو 7% بحلول 2030، أم أن الإصلاحات الهيكلية في الصناعة والتصدير هي وحدها الكفيلة بترسيخ هذا المسار بعد أن تهدأ جبهة إيران؟
المصادر:
الوسوم
اقتصاد مصر | حرب إيران | قناة السويس | نمو 5.2% | صندوق النقد الدولي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار