الجوع يتراجع عالميًا للعام الثالث تواليًا.. فلماذا سجّل العالم أول مجاعتين متزامنتين في تاريخ الرصد؟
645 مليون جائع أقل من العام السابق حسب الأمم المتحدة، لكن غزة والسودان يكسران رقمًا لم يسبق له مثيل — وتقرير أممي يحذر من أن كلفة الغذاء الصحي ترتفع أسرع من تراجع الجوع
نازحون فلسطينيون يحاولون الحصول على طعام الإفطار من مطبخ جماعي في خان يونس بقطاع غزة، 18 فبراير 2026 (أسوشيتد برس)
في الأسبوع نفسه الذي أعلنت فيه الأمم المتحدة أن الجوع في العالم تراجع للعام الثالث على التوالي، كانت وكالاتها نفسها قد أقرّت قبل أسابيع بأن العالم شهد للمرة الأولى في تاريخ الرصد إعلان مجاعتين رسميتين في وقت واحد — في قطاع غزة والسودان. المفارقة ليست خطأ في الأرقام، بل نتيجة طبيعية لكون التقريرين يقيسان شيئين مختلفين تمامًا، وهو خلط شائع في التعليقات المتداولة حول الجوع العالمي.
فبحسب تقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026" (SOFI) الذي أصدرته خمس وكالات أممية الثلاثاء، انخفضت نسبة من عانوا من الجوع المزمن إلى 7.8% من سكان العالم في 2025، أي نحو 645 مليون شخص، بانخفاض 14 مليونًا عن 2024 و43 مليونًا عن 2022. لكن هذا المؤشر يقيس سوء التغذية طويل الأمد، لا الأزمات الحادة الناجمة عن الحروب والكوارث التي يتتبعها تقرير مختلف تمامًا، هو "التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية" (GRFC)، والذي رصد قبل أسابيع فقط تفاقمًا غير مسبوق في الجوع الحاد.
الأرقام الأساسية: تحسّن حقيقي لكنه غير متساوٍ
نسبة من يعانون الجوع المزمن عالميًا — 2022 إلى 2025
المصدر: تقرير SOFI 2026 — الفاو والبرنامج العالمي للأغذية واليونيسف
يعزو كبير الخبراء الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ماكسيمو توريرو، جانبًا كبيرًا من هذا التحسن إلى قفزة شهدتها آسيا، والهند على وجه التحديد، إلى جانب أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. وبدأت مجموعة من الدول الأفريقية أخيرًا في كسر مسار تدهور استمر سنوات، وإن كان بوتيرة بطيئة جدًا لا تغيّر الصورة الكلية للقارة.
فأفريقيا، وإن انخفضت فيها نسبة الجوع بشكل طفيف من 20.3% إلى 20.0%، أصبحت لأول مرة تضم العدد الأكبر عالميًا من الجوعى في أرقام مطلقة — 309 ملايين شخص، مقابل 292 مليونًا في آسيا — نتيجة النمو السكاني السريع الذي يلتهم أي تحسن نسبي.
تقريران لا تقرير واحد
SOFI يقيس سوء التغذية المزمن الممتد لسنوات ويصدر عن خمس وكالات أممية بقيادة الفاو. أما GRFC فيقيس انعدام الأمن الغذائي الحاد الناجم مباشرة عن الحروب والكوارث، ويصدر عن تحالف من 18 جهة إنسانية وتنموية. هذا يفسر كيف يتراجع مؤشر عالمي بينما يتفاقم مؤشر آخر في بؤر محددة كغزة والسودان وجنوب السودان.
غزة والسودان: حين ينهار المؤشر الحاد بينما يتحسن المؤشر المزمن
بحسب التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية 2026، تعرّض قطاع غزة والسودان لأول إعلان مجاعتين رسميتين في وقت واحد منذ بدء اعتماد نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC). في غزة وحدها، وصل 640,700 شخص إلى المرحلة الكارثية، أي 32% من سكان القطاع — أعلى نسبة مسجلة عالميًا لأي بلد أو منطقة. كما تضاعف عدد من يواجهون هذه المرحلة الأشد خطورة تسع مرات خلال عقد واحد فقط.
قبل عقد (2016 تقريبًا)
~156 ألفًاعدد من واجهوا المرحلة الكارثية (الخامسة) عالميًا
2025
1.4 مليونتسعة أضعاف الرقم — موزعون على غزة والسودان بشكل أساسي
ويوضح توريرو في تصريحات لرويترز أن الحرب في قطاع غزة لم تُحرّك بشكل ملموس الأرقام العالمية للجوع المزمن في تقرير SOFI، لأن هذا التقرير يتتبع سوء التغذية الممتد، لا انعدام الأمن الحاد الناجم عن الصراعات مباشرة. وأشار إلى أن وصول إمدادات الغذاء إلى غزة تحسّن أخيرًا وساعد على استقرار نسبي، لكن إعادة بناء القطاع الزراعي المدمر هناك ستحتاج سنوات، لأن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية الزراعية تعرض للتدمير.
كلفة الغذاء الصحي: الفجوة الصامتة التي لا تظهر في نسبة الجوع
الكلفة اليومية للفرد لنمط غذائي صحي (دولار بتعادل القوة الشرائية)
المصدر: تقرير SOFI 2026 — الفاو ومنظمة الصحة العالمية
بينما تراجعت نسبة الجوع، ارتفعت كلفة الحصول على غذاء متوازن بأكثر من 45% في ثماني سنوات. ورغم أن عدد العاجزين عن تحمل هذه الكلفة تراجع من 2.97 مليار شخص (37.4%) في 2021 إلى 2.69 مليار (32.7%) في 2025، يبقى واحد من كل ثلاثة أشخاص على كوكب الأرض بلا قدرة على شراء غذاء صحي. ويفسر التقرير هذه الكلفة المرتفعة بأن أنشطة ما بعد المزرعة — النقل والتخزين والمعالجة والتوزيع — تستحوذ على 70 إلى 75% من السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك، بينما تمثل المواد الخام الزراعية نفسها حصة صغيرة نسبيًا.
| المنطقة | انعدام الأمن الغذائي المعتدل/الحاد 2025 | العاجزون عن كلفة غذاء صحي |
|---|---|---|
| أفريقيا | 56.6% | 66.6% |
| أمريكا اللاتينية والكاريبي | 22.9% | نسبة أقل من نصف أفريقيا |
| آسيا | 20.3% | نسبة أقل من نصف أفريقيا |
| أمريكا الشمالية وأوروبا | 8.7% | الأدنى عالميًا |
الفجوة الأفريقية هنا مضاعفة: القارة التي تضم أكبر عدد جوعى في العالم هي أيضًا الأكثر عجزًا عن تحمل كلفة أي تحسن غذائي حقيقي، ما يجعل أي مكسب في خفض نسبة الجوع بطيئًا وهشًّا وقابلًا للانعكاس عند أي صدمة اقتصادية أو مناخية جديدة.
مضيق هرمز والنينيو: التهديدات التي قد تعكس المسار قبل 2030
يربط تقرير SOFI 2026 بشكل مباشر بين اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز — الممر الحيوي لصادرات الطاقة والأسمدة الزراعية — وارتفاع تكاليف الوقود والنقل والإنتاج الغذائي عالميًا. وحسب توقعات التقرير، قد يظل ما بين 510 و520 مليون شخص يعانون من الجوع بحلول 2030، مقارنة بتوقع أدنى بلغ 503 ملايين في سيناريو ما قبل تصعيد الشرق الأوسط. وهذه التوقعات لا تأخذ في الحسبان بعد احتمال عودة ظاهرة النينيو المناخية في 2026 و2027، والتي قد تضغط أكثر على الإنتاج الزراعي في المناطق الأكثر هشاشة.
ثلاثة مسارات محتملة نحو 2030
| السيناريو | الشرط الجوهري | المآل التقديري |
|---|---|---|
| الأرجح | استمرار التراجع الحالي دون تصعيد إضافي | 510-520 مليون جائع بحلول 2030 |
| الأخطر | تصعيد جديد في الشرق الأوسط + عودة النينيو | توقف التراجع أو انعكاسه جزئيًا |
| الأفضل | استقرار جيوسياسي وزيادة تمويل الأنظمة الزراعية | تسريع التراجع دون تحقيق "صفر جوعاً" بحلول 2030 |
"التقرير يظهر أن التقدم ممكن، لكن يجب أن نتحرك بسرعة أكبر." — كيو دونغيو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)
ما لا تراه نسبة الجوع: السمنة والتقزم في آن واحد
✅ مؤشرات تتحسن ببطء
- تراجع التقزم لدى الأطفال دون الخامسة عالميًا
- ارتفاع معدلات الرضاعة الطبيعية الخالصة في معظم المناطق
- تحسن نسبي في أفريقيا وآسيا لأول مرة منذ سنوات
⚠️ مؤشرات تتفاقم بصمت
- سمنة البالغين ترتفع من 12.1% (2012) إلى 16.2% (2024)
- فقر الدم بين النساء يتفاقم في معظم المناطق
- 30.8% فقط من الأطفال بين 6 و23 شهرًا يحصلون على الحد الأدنى من التنوع الغذائي
150 مليون طفل دون الخامسة يعانون من التقزم في وقت واحد مع ارتفاع مطرد في السمنة بين البالغين — وهو ما يصفه خبراء التغذية بـ"العبء المزدوج"، حيث يتقاطع نقص التغذية وسوء التغذية داخل المجتمع والبلد الواحد، بل داخل الأسرة الواحدة أحيانًا.
الرقم الإجمالي للجوع العالمي يتراجع لأن آسيا الكبرى تتحسن وأفريقيا تكفّ عن التدهور. لكن هذا التحسن الإحصائي لا يمحو حقيقة أن غزة والسودان سجّلا معًا أسوأ تصنيف غذائي معروف للبشرية في نفس العام الذي احتُفي فيه بتراجع الجوع. المؤشر الكلي يقيس اتجاه العالم، لا معاناة كل بؤرة فيه — وطالما بقيت كلفة الغذاء الصحي ترتفع أسرع من قدرة الفقراء على الدفع، فإن أي احتفال بالأرقام العالمية سيبقى منقوصًا في المناطق التي تحتاجه أكثر من غيرها.
المصادر:
- برنامج الأغذية العالمي (WFP) — البيان الرسمي لتقرير SOFI 2026 (21 يوليو 2026)
- منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) — صفحة تقرير SOFI 2026
- بوابة الشروق نقلًا عن رويترز — تصريحات ماكسيمو توريرو (21 يوليو 2026)
- الجزيرة الإنجليزية — تقرير الأزمات الغذائية العالمية GRFC 2026 (24 أبريل 2026)
- الشرق الأوسط — المقال الأصلي (21 يوليو 2026)
الوسوم
الجوع العالمي | الأمن الغذائي | تقرير الفاو | مجاعة غزة والسودان | كلفة الغذاء الصحي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار