من 71 مليونا إلى 40 تريليونا: كيف تضخم الدين الأمريكي 55 ألف ضعف؟
من 71 مليون دولار اقترضتها حكومة ألكسندر هاملتون عام 1790 إلى دين يقترب اليوم من 40 تريليونا — رحلة عبر الحروب والأزمات تكشف كيف باتت واشنطن الأكبر عالميا في الاستدانة رغم متانة اقتصادها
مبنى الكابيتول في واشنطن — الدين الأمريكي يقترب من 40 تريليون دولار مع اقتراب الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة (Getty Images عبر AFP)
يحتفل الأمريكيون هذا الأسبوع بمرور 250 عاما على إعلان استقلال بلادهم، لكن الذكرى تتزامن مع رقم لا يقل دلالة عن تاريخها السياسي: دين عام يقترب من 40 تريليون دولار، بعدما بدأ برصيد لا يتجاوز 71 مليون دولار في أواخر القرن الثامن عشر. المفارقة أن أول من نظّر لهذا الدين، وزير الخزانة الأول ألكسندر هاملتون، لم يعتبره عبئا، بل وصفه بأنه "ثمن الحرية" و"نعمة وطنية" ما دام غير مفرط.
رصدت مجلة نيوزويك الأمريكية، في تقرير نقلته بوابة "اليوم السابع"، مسار هذا الدين عبر 236 عاما من الحروب والأزمات المالية والصدمات الاقتصادية، في مسار لم يمنع الولايات المتحدة من الحفاظ على مكانتها كأكبر اقتصاد في العالم — لكنه يطرح اليوم سؤالا يشغل كبار الاقتصاديين: إلى متى يمكن لواشنطن مواصلة الاستدانة بهذه الوتيرة دون ثمن باهظ؟
من "ثمن الحرية" إلى انهيار وول ستريت
يعود أول دين عام مسجَّل للولايات المتحدة، بحسب بيانات الخزانة الأمريكية، إلى أواخر القرن الثامن عشر، حين عمل هاملتون على توحيد التزامات الدولة الناشئة بموجب "قانون التمويل" لعام 1790. نشأ ذلك المبلغ — الذي يعادل نحو 2.6 مليار دولار بقيمة اليوم — عن الاقتراض من فرنسا ودائنين هولنديين لتمويل حرب الاستقلال، إضافة إلى ديون الولايات المنفردة التي تحملتها الحكومة الفيدرالية.
شكلت الحرب الأهلية الأمريكية أول نقطة تحول حقيقية: تجاوز الدين حاجز المليار دولار عام 1863، ليقترب من ثلاثة مليارات مع نهاية الحرب في إبريل (نيسان) 1865، بعدما كان لا يتعدى 65 مليون دولار عام 1860 فقط. ومع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى (World War I) عام 1917 سجل الدين قفزة حادة أخرى، تلتها زيادة أقل حدة بلغت عشرة مليارات دولار في أعقاب انهيار "وول ستريت" (Wall Street) عام 1929.
"دين الثورة هو ثمن الحرية، وهذا الدين الوطني، ما لم يكن مفرطا، سيكون بالنسبة لنا نعمة وطنية." — ألكسندر هاملتون (Alexander Hamilton)، أول وزير خزانة أمريكي، 1790
الحرب العالمية الثانية وريغان: حين انكسر حاجز التريليون
أحدثت الحرب العالمية الثانية الأثر الأعمق في تاريخ الدين الأمريكي: ارتفع من 43 مليار دولار عام 1940 إلى ما يزيد على 250 مليار دولار بحلول عام 1945، وهي المرة الأولى التي يتجاوز فيها الدين نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي، قبل أن يبلغ ذروته عند نحو 119% عام 1946. وبحسب الخزانة الأمريكية، سار نمو الدين بعد الحرب متوازيا مع معدلات التضخم، وتراجعت نسبته إلى الناتج المحلي حتى ثمانينيات القرن الماضي بفضل النمو الاقتصادي القوي.
غير أن الدين تجاوز حاجز التريليون دولار للمرة الأولى عام 1981 في عهد الرئيس رونالد ريجان (Ronald Reagan)، الذي اعتبره حينها "جرس إنذار" للقائمين على الشؤون المالية للبلاد. ورغم ذلك، تضاعف الرقم خلال ثلاث سنوات فقط، وقارب ثلاثة أضعافه بحلول نهاية ولايته عام 1989.
-
1790
71 مليون دولار — نشأة الدين الفيدرالي
هاملتون يوحّد ديون الثورة والولايات بموجب قانون التمويل.
-
1863–1865
الحرب الأهلية تدفع الدين فوق المليار دولار
قفزة من 65 مليون دولار عام 1860 إلى نحو 3 مليارات مع نهاية الحرب.
-
1940–1946
الحرب العالمية الثانية تكسر حاجز 100% من الناتج
الدين يقفز من 43 مليار إلى أكثر من 250 مليار دولار، بذروة نسبة 119% من GDP.
-
1981
أول تريليون دولار
ريغان يصف الرقم بـ"جرس الإنذار" — يتضاعف الدين خلال 3 سنوات فقط.
-
2020
جائحة كورونا تضيف 4.2 تريليون دولار في عام واحد
أكبر قفزة سنوية في تاريخ الدين الأمريكي.
من 11 سبتمبر إلى كورونا: التسارع الذي لم يتوقف
في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (September 11) والحروب الممتدة في أفغانستان (Afghanistan) والعراق، الممولة أساسا عبر الإنفاق بالعجز، تسارعت وتيرة الاستدانة مجددا، لتشهد الأزمة المالية لعام 2008 تجاوز الدين حاجز العشرة تريليونات دولار. وبلغت جائحة كورونا (COVID-19) ذروة هذا التسارع، إذ أضافت وحدها 4.2 تريليون دولار خلال عام 2020.
المفارقة الأبرز في هذا المسار هي تسارع وتيرته بشكل متتالٍ: استغرقت البلاد نحو قرنين كاملين لبلوغ أول تريليون دولار (1981)، ثم ثلاثة عقود فقط للوصول إلى عشرة تريليونات (2008)، و14 عاما إضافية فقط لتخطي الثلاثين تريليونا (نحو 2022). أما المسافة من الثلاثين إلى الأربعين تريليونا المتوقعة بحلول سبتمبر (أيلول) المقبل، فلا تتجاوز أربع سنوات.
تقلّص الزمن اللازم لإضافة كل شريحة جديدة من الدين الأمريكي
المصدر: الخزانة الأمريكية، نيوزويك، اليوم السابع — الأرقام الخاصة بشريحة 2026 تقديرية بناءً على وتيرة النمو الحالية
أين تقف واشنطن بين عمالقة الدَّين؟
يفوق الدين الأمريكي البالغ نحو 39 تريليون دولار نظيره في أي دولة أخرى في العالم، إذ يأتي في المرتبة الثانية الدين الصيني المقدر بنحو 19 تريليون دولار. وتمنح مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية، إلى جانب النظر إلى سندات الخزانة الأمريكية (US Treasury bonds) باعتبارها من أكثر الأصول أمانا، واشنطن هامشا واسعا للاستدانة يفوق ما تملكه أي اقتصاد آخر.
ومع ذلك، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي، البالغة نحو 126% وفق صندوق النقد الدولي (IMF)، تظل أدنى من نظيرتها في إيطاليا (138%) واليابان (204%)، فيما تُقارب مستوياتها في المملكة المتحدة وكندا والصين دون أرقام دقيقة معلنة لهذه المقارنة تحديدا.
نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي — مقارنة دولية مختارة
المصدر: صندوق النقد الدولي، عبر تقرير نيوزويك
لماذا لا تنهار أمريكا تحت وطأة الدين؟
الدولار الأمريكي يظل العملة الاحتياطية الأولى عالميا، وسندات الخزانة الأمريكية تُصنَّف من أكثر الأصول أمانا في الأسواق المالية. هذان العاملان يمنحان واشنطن قدرة على الاقتراض بتكلفة أقل نسبيا مقارنة بأي اقتصاد آخر، رغم ضخامة حجم دينها المطلق.
ثلاثة اقتصاديين وثلاث قراءات للمخاطر
انقسمت آراء الاقتصاديين بشأن حجم المخاطر التي يمثلها تصاعد الدين العام الأمريكي، بين من يرى فيه عبئا متصاعدا يستحق القلق العاجل، ومن يعتبره ضمن قدرة اقتصاد لا يزال الأقوى عالميا على الاستيعاب:
| الاقتصادي | المؤسسة | جوهر القراءة |
|---|---|---|
| جوناثان بورتيس (Jonathan Portes) |
كلية كينجز، لندن | ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج قد يقود لأزمة في مرحلة ما، لكن أمريكا لا تزال بعيدة نسبيا عن بلوغها |
| ستيف هانكي (Steve Hanke) |
جامعة جونز هوبكنز | الدين يمثل عبئا حقيقيا فعليا، إذ يلتهم نحو خمس الإيرادات الفيدرالية لسداد الفوائد وحدها |
| دوج إلمندورف (Doug Elmendorf) |
جامعة هارفارد | استمرار الارتفاع سيرفع أسعار الفائدة على مختلف أنواع الاقتراض، ويزيد احتمالات أزمة مستقبلية، وإن استبعدها في الأجل القريب |
ماذا بعد بلوغ الأربعين تريليون دولار؟
| السيناريو | الشرط الجوهري | المآل المتوقع |
|---|---|---|
| الأرجح — استمرار المسار الحالي | بقاء وتيرة العجز الفيدرالي دون تغيير تشريعي جوهري | تجاوز 40 تريليون دولار بحلول سبتمبر 2026، مع استقرار نسبي في نسبة الدين إلى الناتج |
| الأخطر — صعود كلفة الفائدة | ارتفاع أسعار الفائدة العالمية أو تراجع ثقة المستثمرين في السندات | تصاعد حاد في تكلفة خدمة الدين على حساب الإنفاق الاستثماري والاجتماعي |
| البديل — إصلاحات مالية تدريجية | ضغط سياسي متزايد من مؤسسات مثل مؤسسة بيترسون لكبح العجز | تباطؤ نسبي في وتيرة النمو دون معالجة جذرية للمسار العام |
ما يميز اللحظة الراهنة ليس ضخامة الرقم في حد ذاته — فأمريكا عاشت مع الدين منذ يوم تأسيسها ووصفه هاملتون بـ"النعمة الوطنية" — بل تسارع وتيرة تراكمه إلى حد غير مسبوق: من قرنين لبلوغ أول تريليون إلى أربع سنوات فقط لإضافة العشرة الأخيرة. السؤال الذي يشغل كبار الاقتصاديين اليوم، ولا تملك بيانات الخزانة إجابة عنه، هو: إلى متى يمكن لأكبر اقتصاد في العالم مواصلة الاستدانة بهذه الوتيرة قبل أن يتحول "جرس الإنذار" الذي أطلقه ريغان عام 1981 إلى واقع لا مفر منه؟
المصادر:
- اليوم السابع — من 71 مليون دولار إلى 39 تريليون.. رحلة الدين الأمريكي خلال 250 عاما (4 يوليو 2026)
- Al Jazeera English — US national debt surpasses a record $38 trillion (23 أكتوبر 2025)
- Al Jazeera English — How does US debt rank compared with the rest of the world?
- وزارة الخزانة الأمريكية — U.S. Treasury Fiscal Data
الوسوم
الدين الأمريكي | 40 تريليون دولار | ألكسندر هاملتون | الخزانة الأمريكية | نسبة الدين للناتج المحلي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار