بين 121 مليون وظيفة قائمة و24 مليونا موعودة.. الاقتصاد الدائري يوظّف العالم لكن نصفه بلا حماية

-- دقائق
اقتصاد عالمي وسوق العمل

منظمة العمل الدولية تكرر رقم الـ24 مليون وظيفة بحلول 2030، فيما تكشف بياناتها نفسها أن القطاع يشغّل بالفعل أكثر من 121 مليون شخص اليوم — أكثر من نصفهم في اقتصاد غير رسمي بلا حماية قانونية

بين 121 مليون وظيفة قائمة و24 مليونا موعودة.. الاقتصاد الدائري يوظّف العالم لكن نصفه بلا حماية

فرز النفايات القابلة لإعادة التدوير يمثل الحلقة الأولى في سلسلة الاقتصاد الدائري التي توظّف عشرات الملايين حول العالم (صورة تعبيرية)

الرقم الذي كرّرته منظمة العمل الدولية (ILO) عن 24 مليون وظيفة جديدة بحلول 2030 ليس تنبؤا جديدا، بل ركيزة قديمة أعادت المنظمة التذكير بها في سياق تقريرها الأحدث عن الاقتصاد الدائري. لكن القراءة الأدق للأرقام التي تنشرها المنظمة نفسها تكشف مفارقة أكبر: الاقتصاد الدائري لا ينتظر 2030 ليخلق وظائف، فهو يوظّف اليوم بالفعل ما بين 121 و142 مليون شخص حول العالم، وفق دراسة مشتركة نشرتها المنظمة مع البنك الدولي ومجموعة "Circle Economy" في ديسمبر 2025.

المفارقة الأعمق أن أكثر من نصف هذا العدد الهائل من العمال — أكثر من 74 مليون شخص — يعملون في القطاع غير الرسمي، بلا عقود ثابتة أو حماية اجتماعية أو أجور مضمونة. فالوعد المستقبلي بوظائف "لائقة" يتقدم بخطى أبطأ كثيرا من نمو القطاع نفسه.

142م أقصى تقدير لعدد العاملين حاليا في الاقتصاد الدائري عالميا
+74م منهم يعملون في القطاع غير الرسمي بلا حماية
24م وظيفة إضافية موعودة بحلول 2030 (تقرير 2018)
%5.8-5 من إجمالي العمالة العالمية خارج الزراعة

من أين جاء رقم الـ24 مليون أصلا؟

الرقم الذي تناقلته التقارير العربية هذا الأسبوع يعود في الأصل إلى تقرير "Greening with Jobs" الصادر عن منظمة العمل الدولية في مايو 2018، والذي قدّر أن التحول نحو اقتصاد أكثر مراعاة للبيئة بشكل عام — لا الاقتصاد الدائري فقط — سيخلق 24 مليون وظيفة عالميا بحلول 2030، في مقابل فقدان نحو 6 ملايين وظيفة أخرى معظمها في قطاع الوقود الأحفوري. الاقتصاد الدائري بمفرده، بحسب ذلك التقرير، مسؤول عن جزء محدود من هذا الرقم يقدّر بنحو 6 ملايين وظيفة فقط، فيما يأتي الجزء الأكبر من قطاعي الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة في المباني.

بعبارة أخرى، الرقم أوسع من الاقتصاد الدائري وحده، وأقدم من كونه توقعا جديدا. ما تغيّر فعليا خلال العامين الأخيرين هو أن المنظمة، بالتعاون مع شركاء آخرين، أعادت قياس الوضع الحالي للقطاع بدقة أكبر بكثير — فظهر أن الواقع الراهن يفوق التوقعات المستقبلية القديمة بأضعاف مضاعفة.

توزيع الأنشطة داخل الاقتصاد الدائري عالميا (% من الوظائف)

المصدر: منظمة العمل الدولية والبنك الدولي و"Circle Economy" — تقرير ديسمبر 2025

يتصدر الإصلاح والصيانة قائمة الأنشطة بنسبة 46% من إجمالي الوظائف، وهو ما يعكس طبيعة القطاع القائمة على تمديد عمر المنتجات بدل استهلاكها ورميها، تليه أنشطة التصنيع من مواد معاد تدويرها بنسبة 24.5%، ثم إدارة النفايات وفرزها بنسبة 8% فقط — رغم أنها الحلقة الأكثر ظهورا في الصورة الذهنية العامة عن القطاع.

"نحن نُلقي بضوء جديد على الشركات والعمال الذين يقدّمون كل يوم في كل بلد وكل قطاع خدمات أساسية لمجتمعاتنا وكوكبنا." — كاسبر إدموندز، رئيس وحدة الصناعات الاستخراجية والطاقة والتصنيع في منظمة العمل الدولية

خريطة جغرافية غير متكافئة

تتوزع وظائف الاقتصاد الدائري بشكل غير متساو جغرافيا، حيث تتركّز الحصة الأكبر في مناطق آسيا والمحيط الهادي وأميركا اللاتينية، بينما تسجّل الاقتصادات المرتفعة الدخل حصة أقل نسبيا من إجمالي العمالة في هذا القطاع.

أكبر منطقتين من حيث عدد وظائف الاقتصاد الدائري (بالمليون)

من إجمالي يتراوح بين 121 و142 مليون وظيفة عالميا — المصدر: منظمة العمل الدولية

⚠️

إنفوجرافيك التحذير: القطاع الأكبر ينمو في الظل

غالبية وظائف الاقتصاد الدائري في الجنوب العالمي غير مسجلة رسميا، ما يترك العاملين بلا تأمين صحي أو حد أدنى للأجور أو حماية من إنهاء الخدمة، في مقابل مساهمتهم المباشرة في خفض النفايات والانبعاثات.

وجهان لعملة واحدة

✅ ما يقدّمه القطاع

  • خلق فرص عمل بكثافة أعلى من الاقتصاد الخطي التقليدي
  • فرص واسعة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والتعاونيات
  • خفض الاعتماد على استيراد الخامات الأولية
  • خفض تكاليف الطاقة عبر بدائل مثل الوقود المشتق من المخلفات

⚠️ ما يخفيه القطاع

  • أكثر من نصف العمالة في القطاع غير الرسمي
  • غالبية هذه الوظائف تُصنَّف "غير ماهرة" بأجور متدنية
  • تمثيل ضعيف للمرأة في العمالة غير المباشرة
  • تركّز القطاعات الحرجة كالتشييد والتعدين على حصة دائرية منخفضة جدا

مصر.. من "أزمة القمامة" إلى سوق بـ3300 مصنع

يجد هذا التحول الاقتصادي العالمي صدى مباشرا في مصر، التي تنتج نحو 100 مليون طن من المخلفات سنويا، منها 25 مليون طن من المخلفات البلدية وحدها. ووفق تصريحات جهاز تنظيم إدارة المخلفات بوزارة البيئة منتصف يوليو 2026، ارتفعت كفاءة إعادة التدوير في مصر من 12% فقط عند انطلاق المنظومة عام 2019 إلى مستهدف 60% بنهاية 2026.

يواكب هذا التحول تمدد في القطاع الخاص: اتحاد الصناعات المصري يضم الآن نحو 3300 مصنع مسجل لتدوير المخلفات، إضافة إلى آلاف المنشآت غير الرسمية، بعد استقبال نحو 200 عضو جديد خلال فترة قصيرة، وسط بدايات اهتمام استثماري صيني وهندي بمجالات تدوير البلاستيك وتجديد الإطارات. ولا يختلف المشهد المصري كثيرا عن الصورة العالمية: النمو سريع، لكن دمج عمالة القطاع غير الرسمي في المنظومة الرسمية يبقى التحدي الأكبر الذي تشترك فيه القاهرة مع بقية اقتصادات الجنوب العالمي.

  • 📊

    2018

    تقرير "Greening with Jobs": وعد بـ24 مليون وظيفة عالمية بحلول 2030

  • 🔍

    ديسمبر 2025

    أول قياس عالمي شامل: 121-142 مليون وظيفة قائمة فعليا اليوم

  • 🚢

    مارس 2026

    تقرير التجارة الدائرية: نحو 6 ملايين وظيفة مرتبطة بصادرات المواد المعاد تدويرها

  • 📢

    يوليو 2026

    تكرار رقم الـ24 مليون في التغطيات الإخبارية دون سياق تاريخي واضح

ثلاثة مسارات محتملة حتى 2030

المسارالشرط الجوهريالمآل
الأرجح — نمو غير متوازن استمرار توسع القطاع بلا سياسات إدماج تضاعف عدد الوظائف مع بقاء نصفها في الاقتصاد غير الرسمي
الأفضل — إدماج مؤسسي استثمار حكومي في التمويل والتدريب المهني والحماية الاجتماعية تحويل جزء كبير من الوظائف غير الرسمية إلى عمل لائق مسجّل
الأخطر — تعثر التمويل غياب حوافز استثمارية وارتفاع كلفة تكنولوجيا الفرز والتدوير تباطؤ النمو وبقاء القطاع حبيس النطاق غير الرسمي بالكامل

رقم الـ24 مليون وظيفة بحلول 2030 صحيح من الناحية التقنية، لكنه يروي جزءا صغيرا من قصة أكبر بكثير: اقتصاد يوظّف بالفعل أكثر من 120 مليون إنسان اليوم، لكن أكثر من نصفهم يعملون بلا شبكة حماية تُذكر. السؤال الذي يحدد مستقبل هذا القطاع ليس "كم وظيفة سيخلق؟"، بل "كم من هذه الوظائف سيتحول إلى عمل لائق؟" — وهي المعادلة التي تتشارك فيها القاهرة مع معظم عواصم الجنوب العالمي.

المصادر:

  1. اليوم السابع — منظمة العمل الدولية: 24 مليون وظيفة جديدة بحلول 2030 (20 يوليو 2026)
  2. منظمة العمل الدولية — بين 121 و142 مليون شخص يعملون في الاقتصاد الدائري عالميا (ديسمبر 2025)
  3. منظمة العمل الدولية — تقرير "Greening with Jobs" (مايو 2018) — مصدر أولي تاريخي
  4. جريدة البورصة — "القمامة".. كنز اقتصادي تحت الطلب (12 يوليو 2026)
  5. Packaging News — تغطية ثانوية لتقرير منظمة العمل الدولية (ديسمبر 2025)

الوسوم

الاقتصاد الدائري | منظمة العمل الدولية | فرص عمل | إعادة تدوير | القطاع غير الرسمي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

اقتصاد الصين بسرعتين: صادرات قياسية تنقذ الواجهة بينما ينزلق النمو إلى 4.3% الأضعف منذ الجائحة

بكين تراكم الذهب في وجه الانهيار: أكبر إضافة شهرية منذ 2023 رغم أسوأ أداء للمعدن منذ 2008

هل يمكن لإيران ضرب الأراضي الأمريكية؟ تحليل واقعي للتهديد الصاروخي عابر القارات