الصمّام الأخير: كيف حمت الصين أسواق النفط من الانفجار.. وهل ينتهي دورها الآن؟

-- دقائق
اقتصاد وطاقة

واردات صينية عند أدنى مستوى منذ عقد، مخزونات عالمية شبه فارغة، وخفض تاريخي في أسعار أرامكو لآسيا — ثلاثة خيوط تتقاطع في لحظة حرجة بمضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز قرب سواحل بندر عباس الإيرانية

سفن في مضيق هرمز قرب سواحل بندر عباس الإيرانية، 21 يونيو 2026 (رويترز)

منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة في 28 فبراير 2026، وتعطل أكثر من 10 ملايين برميل يومياً من تدفقات مضيق هرمز، كان المنطق الاقتصادي البسيط يقول إن أسعار النفط لا بد أن تنفجر. لكنها لم تفعل، لا بالقدر المتوقع على الأقل. وراء هذا الصمود لاعبٌ واحد لم يكن يظهر في نشرات الأخبار بقدر ظهور الناقلات المحترقة والصواريخ الباليستية: الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، التي اختارت أن تسحب من مخزوناتها الضخمة بدل أن تتهافت على الشراء من سوق شحيح.

هذا القرار الهادئ كان بمثابة صمام أمان حقيقي لأسعار الطاقة العالمية طوال أربعة أشهر. لكن مؤشرات عدة تتقاطع الآن لتقول إن هذا الصمام قد يُغلق قريباً، في توقيت شديد الحساسية يتزامن مع تصعيد عسكري متجدد في هرمز، وخفضٍ سعودي غير مسبوق في أسعار النفط لآسيا.

7.12م ب/ي واردات الصين من الخام في يونيو 2026 — أدنى مستوى منذ أكتوبر 2016
41.3% انخفاض الواردات الصينية سنوياً خلال يونيو
1.2-1.3 مليار برميل الاحتياطيات الصينية المقدّرة قبل الحرب
11 دولاراً خفض أرامكو لسعر خامها الآسيوي — الأكبر منذ 26 عاماً

من ذروة الاستيراد إلى الانسحاب الهادئ

أظهرت بيانات الجمارك الصينية الرسمية أن واردات البلاد من النفط الخام تراجعت في يونيو الماضي إلى 29.27 مليون طن، أي ما يعادل 7.12 مليون برميل يومياً، بانخفاض 41.3% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. الرقم يمثل أدنى مستوى شهري منذ أكتوبر 2016، وهو يختتم ثلاثة أشهر متتالية من مستويات استيراد متدنية للغاية، إذ خفّضت بكين وارداتها الشهر الماضي بما يُقدَّر بـ4.4 مليون برميل يومياً مقارنة بمتوسط عام 2025 بأكمله.

واردات الصين من النفط الخام — مليون برميل يومياً

المصدر: الجمارك الصينية، رويترز، Oilprice.com

ما جعل هذا الانسحاب ممكناً دون أن يتسبب في أزمة إمدادات داخلية هو المخزون الضخم الذي راكمته بكين قبل اندلاع الحرب: ما بين 1.2 و1.3 مليار برميل في احتياطياتها التجارية والاستراتيجية مجتمعة، وربما أكثر من ذلك، لأن بيانات المخزون الصيني سرٌّ مغلق تماماً. هذا الاحتياط سمح للصين بأن تصبح، بحسب وصف تقرير موقع "أويل برايس (Oilprice.com)" المتخصص بأخبار الطاقة، "المُشتري الحاسم الذي يضبط توازن الطلب" في السوق العالمية منذ فبراير الماضي.

لماذا قد ينتهي الدرع الصيني قريباً؟

المفارقة أن الصين نفسها بدأت تسحب من هذا الاحتياط، وليس فقط من الاستيراد. تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA) في تقريرها الشهري الأخير إلى أن بكين سحبت في يونيو وحده 41 مليون برميل من مخزوناتها، بعد أن بدأت عمليات السحب في مايو. ورغم ذلك، لا تبدو الصين، وفق مذكرة لبنك "غولدمان ساكس (Goldman Sachs)" نقلتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، في عجلة من أمرها لاستئناف الشراء بكثافة، لأنها لا تريد استنزاف ما بنته بسرعة كبيرة.

لكن نقطة التحول، بحسب محللي غولدمان ساكس، قد تكون قريبة جداً؛ فهم يتوقعون أن تُكثّف الصين مشترياتها خلال يوليو وأغسطس، خصوصاً أن منتجي الخليج خفّضوا أسعارهم الرسمية لهذين الشهرين بشكل لافت — عامل يجعل العودة الصينية إلى السوق أقل تكلفة من أي وقت سابق.

✅ ما أبقى الأسعار تحت السيطرة

  • مخزون صيني ضخم مُراكَم قبل الحرب
  • أكبر عملية سحب منسّق للمخزونات الاستراتيجية العالمية في التاريخ
  • مذكرة تفاهم أمريكية-إيرانية أعادت فتح هرمز جزئياً في يونيو

⚠️ ما يهدد بانتهاء هذه الحماية

  • مخزونات الوقود في الأسواق الرئيسية "شبه فارغة" دون احتياطي عازل
  • هجمات متجددة على ناقلات قرب هرمز منذ أوائل يوليو
  • حاجة صينية لإعادة بناء ما استنزفته من احتياطياتها

هرمز يعود إلى الواجهة من جديد

النافذة التي فتحتها مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في منتصف يونيو، والتي سمحت لمنتجي الخليج بضخ ما تجمّع من نفط خلال الأشهر السابقة إلى الأسواق، أُغلقت بشكل مفاجئ مع تجدد الأعمال العدائية في يوليو. فبين 6 و7 يوليو، أصابت هجمات ناقلة الغاز القطرية وناقلة نفط سعودية عملاقة قرب المضيق، ورفعت السلطات البحرية مستوى التهديد إلى "شديد"، ما دفع عدة ناقلات لتغيير مسارها بعيداً عن المضيق.

  • 28 فبراير 2026

    اندلاع الحرب وتعطل تدفقات هرمز

    توقف أكثر من 10 ملايين برميل يومياً من التدفقات عبر المضيق مع بدء المواجهة العسكرية.

  • أبريل 2026

    حصار أمريكي على الموانئ الإيرانية

    تشديد الحصار يدفع الصين لمواصلة خفض وارداتها بدل المجازفة في سوق شحيح.

  • منتصف يونيو 2026

    مذكرة تفاهم أمريكية-إيرانية

    انفراجة مؤقتة تسمح لمنتجي الخليج بضخ مخزونهم المتراكم إلى الأسواق الآسيوية.

  • أوائل يوليو 2026

    أرامكو تخفض أسعارها لآسيا بأكبر وتيرة منذ 26 عاماً

    خفض 11 دولاراً للبرميل وسط تدفق خليجي مكثف ومنافسة روسية وإيرانية على السوق الصينية.

  • 6-7 يوليو 2026

    هجمات جديدة قرب هرمز

    إصابة ناقلة غاز قطرية وناقلة نفط سعودية عملاقة، ورفع مستوى التهديد الملاحي إلى "شديد".

  • 13-17 يوليو 2026

    تصعيد جديد وقفزة في الأسعار

    ضربات أمريكية متجددة على إيران، وبرنت يقفز إلى مستويات قريبة من 87-88 دولاراً، أعلى مستوى في نحو شهر.

"تُختبر الآن بشدة حالة الرضا الزائد في الأسواق تجاه استمرار تدفقات هرمز." — أمريتا سين، مؤسسة ومديرة الأبحاث في "إنرجي أسبكتس (Energy Aspects)"

أرامكو تُقامر في التوقيت الأصعب

ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً هو أن قرار أرامكو خفض أسعارها الرسمية للخام العربي الخفيف المتجه إلى آسيا بمقدار 11 دولاراً للبرميل لشهر أغسطس — وهو أكبر خفض شهري تسجله بيانات السوق منذ أكثر من عقدين — اتُّخذ في مطلع يوليو، أي قبل أيام فقط من التصعيد العسكري الجديد. الخفض بدا حينها تحركاً دفاعياً منطقياً: استعادة تدفقات الخليج عبر هرمز، وتراجع هوامش تكرير المصافي الآسيوية، ومنافسة شديدة من الخامات الروسية والإيرانية المخفّضة على حصة السوق الصينية والهندية.

لكن مع تجدد الهجمات، يجد المنتجون السعوديون أنفسهم في موقف متناقض: خفضٌ سعري يهدف لاستعادة الزبائن الآسيويين في لحظة تتصاعد فيها بالتحديد المخاطر التي كانت هي نفسها السبب في ارتفاع الأسعار قبل أشهر قليلة. وبحسب "غولدمان ساكس"، فإن هذا الخفض قد يكون هو ما يُسرّع من عودة الصين إلى السوق أسرع مما كان متوقعاً — أي أنه قد يُطلق الشرارة التي ستُنهي الدرع الصيني بشكل أسبق من حساباتها.

السيناريوهات الثلاثة للأسابيع المقبلة

السيناريوالشرط الجوهريالمآل السعري
الأرجح — عودة صينية تدريجية تباطؤ الهجمات وصمود جزئي للتهدئة ارتفاع محسوب في الأسعار مع تراجع تدريجي للدرع الصيني
الأخطر — انهيار الهدنة إغلاق فعلي متكرر لهرمز مع عودة صينية متزامنة للشراء قفزة سعرية حادة وربما تحول أسواق العقود إلى تراجع حاد (Backwardation)
البديل — استقرار نسبي استمرار خصومات الخليج في تأجيل الشراء الصيني المكثف تذبذب الأسعار ضمن نطاق محدود دون انفجار واضح
🚨

تحذير من "إنرجي أسبكتس"

استنزف العالم ما يقارب 600-700 مليون برميل من مخزوناته منذ بدء الحرب، ولم يتبقّ من الفوائض المتاحة للأسواق "ما يقارب الصفر"، بحسب أمريتا سين، التي حذّرت من أن الأسوأ قد يكون لا يزال في الطريق خلال الربع الثالث أو أوائل الربع الرابع من العام.

لأربعة أشهر، كانت الصين تلعب دوراً لم يمنحها أحد إياه رسمياً: ضابط توازن الطلب العالمي على النفط. لكن هذا الدور كان يعتمد على مخزون تتناقص سيولته شهراً بعد شهر، وعلى هدنة هشة في هرمز بدأت تتصدع من جديد. السؤال الذي ستحدده أرقام يوليو وأغسطس ليس فقط متى ستعود الصين للشراء بكثافة، بل هل ستفعل ذلك في لحظة يكون فيها العالم، بلا مخزونات احتياطية تُذكر، قد فقد آخر خطوط دفاعه أمام ارتفاع أسعار الطاقة.

المصادر:

  1. Oilprice.com عبر Yahoo Finance — China Could Be About to Remove Oil's Biggest Safety Net (16 يوليو 2026)
  2. الشرق الأوسط (Aawsat) — واردات الصين النفطية تهبط لأدنى مستوى في نحو 10 سنوات (يوليو 2026) — بيانات الجمارك الصينية
  3. جريدة الرياض — أرامكو تخفض سعر النفط لآسيا بأكبر وتيرة منذ 20-26 عاماً (8 يوليو 2026)
  4. صوت بيروت إنترناشونال عبر رويترز — تراجع أربع ناقلات نفط وغاز عن عبور هرمز (8 يوليو 2026)
  5. الدستور — النفط يشتعل: برنت يقفز قرب 87 دولاراً مع تصاعد مخاطر الخليج (14 يوليو 2026)

الوسوم

النفط | الصين | مضيق هرمز | أرامكو | الطاقة

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"