المسجد الأقصى بين مطرقة «جماعات الهيكل» وسندان الائتلاف: هل يلفظ «الوضع القائم» أنفاسه الأخيرة؟

-- دقائق
القدس المحتلة

مؤتمر «إدارة جبل الهيكل» بحضور وزراء ونواب من الليكود لم يكن فعالية موسمية عابرة، بل إعلان انتقال أجندة اقتحام الأقصى من هامش اليمين الديني الإسرائيلي إلى صلب السياسة الحكومية الرسمية

المعطيات المتوفرة حتى 17 يوليو/تموز 2026؛ التطورات اللاحقة قد تُعدّل التحليل

المسجد الأقصى بين مطرقة «جماعات الهيكل» وسندان الائتلاف: هل يلفظ «الوضع القائم» أنفاسه الأخيرة؟

باحات المسجد الأقصى — المساحة البالغة 144 دونماً التي تتصاعد حولها معركة فرض الوقائع (صورة تعبيرية)

حين يقف نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي ليقول علناً إن المسجد الأقصى «يجب أن يُغلق أمام العرب»، فنحن إزاء ما هو أبعد من تصريح ناري عابر. فالرجل لم يتحدث من على منبر معارض، بل من داخل مؤتمر نظمته «إدارة جبل الهيكل» في القدس المحتلة مساء الأربعاء 15 يوليو/تموز 2026، وحضره وزير الطاقة إيلي كوهين والوزيرة عيديت سيلمان والوزير زئيف إلكين وعدد من أعضاء الكنيست عن حزب الليكود الحاكم، بحسب ما كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت.

المؤتمر، الذي ترأسه الحاخام شمشون البويم، اختار مناسبة مزدوجة ذات دلالة محسوبة: مرور «عقد على التحول الإيجابي» في المسجد، و59 عاماً على احتلاله. والرسالة أوضح من أن تُقرأ على أنها احتفالية: جماعة كانت قبل عشر سنوات هامشاً متطرفاً تلاحقها الشرطة، باتت اليوم تحتفي بها حكومة بأكملها. فما الذي تغيّر فعلاً داخل باحات الأقصى خلال هذا العقد؟ وهل بات «الوضع القائم» مجرد صيغة لفظية تنتظر من يعلن رسمياً وفاتها؟

60 ألفاً يهودياً اقتحموا الأقصى خلال عام وفق إحصاء الشرطة الإسرائيلية
25,604 مقتحماً في النصف الأول من 2026 وحده — محافظة القدس
26 اقتحاماً سُجّلت خلال يونيو/حزيران 2026 فقط
762 قرار إبعاد عن الأقصى والقدس القديمة خلال 6 أشهر

لماذا يُعدّ مؤتمر القدس نقطة تحوّل لا فعالية موسمية عابرة؟

لا تكمن أهمية المؤتمر في مضمون التصريحات — فمثلها يتكرر منذ سنوات — بل في طبيعة الحاضرين ومكان انعقاده. فللمرة الأولى يقف وزراء يتولون حقائب سيادية في حكومة بنيامين نتنياهو، إلى جانب نائب رئيس الكنيست، تحت مظلة تنظيمية لجماعات «الهيكل»، معلنين تبنّيهم الكامل لبرنامجها: توسيع الاقتحامات، وتطبيع الصلاة اليهودية العلنية، وصولاً إلى المطالبة الصريحة بإغلاق المسجد أمام المسلمين.

الأكثر دلالة كان تصريح عضو الكنيست موشيه سعادة الذي قال إن منع صعود اليهود خلال الأعياد الإسلامية «لا تقف خلفه الأجهزة الأمنية، بل المستشارة القانونية ومن يدورون في فلكها». بعبارة أخرى: المعركة لم تعد ميدانية مع الشرطة والشاباك — اللذين تكيّفا مع الواقع الجديد — بل باتت قانونية بحتة، هدفها إسقاط آخر السدود المؤسسية الإسرائيلية أمام مخططات الجماعات.

ℹ️

ما هي «إدارة جبل الهيكل»؟

مظلة تنظيمية لجماعات يهودية متشددة تنشط منذ سنوات لتطبيع الصلاة اليهودية داخل المسجد الأقصى — الذي تسمّيه «جبل الهيكل» — وتروّج، وفق أدبياتها، لإعادة بناء «الهيكل» مكانه. وقد تحوّلت خلال عقد من مجموعات يصفها الإعلام العبري نفسه بالهامشية إلى فاعل سياسي يحظى بغطاء وزراء وأعضاء كنيست.

«يجب إغلاق المسجد الأقصى أمام العرب حتى نصل إلى الوضع القائم الوحيد المقبول هنا، وهو أن يصل اليهود يومياً وبحرية إلى المكان. إذا لم نصلْ بحرية فلا حاجة لأن يصل أحد إلى المكان». — نيسيم فاتوري، نائب رئيس الكنيست، لصحيفة يديعوت أحرونوت

لاحظ المفارقة في صلب التصريح: فاتوري يستعير مصطلح «الوضع القائم» نفسه — الصيغة التي رسّخها الاحتلال بعد 1967 وتقضي بإدارة الأوقاف الإسلامية للمسجد واقتصار الصلاة فيه على المسلمين — لكنه يفرغه من محتواه ويعيد تعريفه على أنه «وصول يهودي يومي حر». هكذا تُستخدم لغة التسوية ذاتها أداةً لهدمها.

كيف سقطت «المحرّمات» واحداً تلو الآخر خلال عقد؟

الأرقام تروي قصة «العقد الإيجابي» الذي احتفل به المؤتمر. فعام 2010 لم يتجاوز عدد المقتحمين 5,792 في السنة كلها. وبحلول 2023 قفز الرقم إلى 51,483، ثم سجّل 2024 رقماً قياسياً بلغ 58 ألفاً، قبل أن يوثّق تقرير لصحيفة «يسرائيل هيوم» — نشره موقع العربي الجديد — نحو 60 ألف مقتحم خلال عام واحد وفق إحصاء الشرطة ذاتها، وهو الرقم نفسه الذي تباهى به الوزير إيلي كوهين في المؤتمر، مضيفاً أنه قاد بنفسه مجموعة اقتحام وأدى الصلاة في باحات المسجد.

لكن التحول الأعمق نوعي لا كمّي. فطقوس كانت محظورة حتى وقت قريب — الصلاة الجماعية، «السجود الملحمي»، الغناء والرقص، الوقوف للنشيد الوطني الإسرائيلي، النفخ في البوق (الشوفار)، إدخال لفائف توراتية — باتت ممارسات علنية شبه يومية. وتغيّر سلوك الشرطة من اعتبار المقتحمين «عبئاً أمنياً» إلى معاملتهم، وفق وصف الصحيفة العبرية، «بلطف واحترام»، بل تدرس حالياً — بطلب من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير — توفير «حماية مكانية» شاملة لهم داخل المسجد، ما يتيح الوصول إلى مناطق إضافية منه.

تصاعد أعداد المقتحمين للمسجد الأقصى سنوياً — من عُشر الرقم إلى عشرة أضعافه

المصادر: يسرائيل هيوم/الشرطة الإسرائيلية عبر العربي الجديد (2010 و2025) — مرصد الأزهر (2023–2024). وفي النصف الأول من 2026 وحده: 25,604 مقتحمين وفق محافظة القدس

وربما كان أخطر ما كشفه التقرير العبري اعتراف مسؤول سابق في جهاز الشاباك بأن الواقع الذي تغيّر في الأقصى «لن يعود على الأرجح إلى الوراء... وحتى عندما يرحل بن غفير، فإن ما جرى ترسيخه سيبقى إلى حد كبير للأجيال القادمة». وهو اعتراف من قلب المؤسسة الأمنية بأن التحول لم يعد مرتبطاً بشخص وزير، بل غدا بنية ثابتة.

ماذا تكشف أرقام النصف الأول من 2026 عن المرحلة المقبلة؟

إذا كانت أرقام العقد تشرح كيف وصلنا إلى هنا، فأرقام الأشهر الستة الأولى من 2026 ترسم وجهة المسار. فقد وثّق تقرير محافظة القدس النصف سنوي اقتحام 25 ألفاً و604 مستوطنين للمسجد حتى نهاية يونيو/حزيران، بينهم 26 اقتحاماً في يونيو وحده، تزامناً مع إغلاق المسجد بالكامل بين 28 فبراير/شباط و9 أبريل/نيسان أمام المصلين المسلمين.

اللافت أن الاقتحامات لا تتحرك منفردة بل ضمن حزمة ضغط متكاملة: 762 قرار إبعاد عن الأقصى والبلدة القديمة، و666 اعتقالاً بينهم 35 طفلاً و21 سيدة، و288 عملية هدم وتجريف — وهي الأعلى لنصف عام منذ خمس سنوات — و11 شهيداً في القدس، و269 اعتداء للمستوطنين، و89 مخططاً استيطانياً يشمل 2,435 وحدة جديدة. بعبارة أدق: ما يجري ليس «تصعيداً في الاقتحامات» بل إعادة هندسة شاملة لديموغرافيا المدينة ومقدساتها.

حزمة الضغط على القدس والأقصى — أدوات النصف الأول من 2026 (بالحالة)

المصدر: التقرير النصف سنوي لمحافظة القدس — يوليو 2026

من يقود مَن؟ الحكومة أم «جماعات الهيكل»؟

السؤال لم يعد افتراضياً. فحين يقود وزير الطاقة بنفسه مجموعة اقتحام، ويعدّ وزير الأمن القومي سجل اقتحاماته الشخصية (16 مرة منذ توليه منصبه حتى أبريل/نيسان 2026)، ويعد عضو الكنيست بوعز بيسموت الجماعات بأن «شعب إسرائيل بأكمله سيسير خلفكم إلى جبل الهيكل»، فالعلاقة بين الطرفين لم تعد ضغطاً من الشارع على القرار، بل اندماجاً عضوياً: الجماعات تقترح الأجندة، والوزراء يحوّلونها سياسة، والشرطة توفر الغطاء الميداني.

  • 2010

    نقطة الأساس

    5,792 مقتحماً في العام كله؛ جماعات الهيكل هامش متطرف تُقيّده الشرطة وتحذّر منه الأجهزة الأمنية.

  • ديسمبر 2022

    الجماعات داخل الحكومة

    إيتمار بن غفير وزيراً للأمن القومي؛ تتحول الاقتحامات من نشاط جماعات إلى سياسة يحميها وزير.

  • 2024

    رقم قياسي جديد

    58 ألف مقتحم خلال عام واحد، والطقوس العلنية — من السجود الملحمي إلى النفخ بالبوق — تصبح روتيناً.

  • سبتمبر 2025

    توثيق «الانقلاب»

    يسرائيل هيوم تكشف نحو 60 ألف مقتحم سنوياً وسقوط المحظورات، ومسؤول سابق بالشاباك يقرّ بأن الواقع «لن يعود إلى الوراء».

  • 15 يوليو 2026

    الأجندة في قلب الائتلاف

    مؤتمر «إدارة جبل الهيكل» بحضور وزراء ونائب رئيس الكنيست، ومطالبة علنية بإغلاق الأقصى أمام المسلمين.

وحده السد القضائي ما زال قائماً — شكلياً على الأقل. تصريح موشيه سعادة عن المستشارة القانونية يكشف أن الجولة المقبلة ستدور داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها: بين ائتلاف يريد إسقاط القيود القانونية الأخيرة، وجهاز قضائي يتشبث بها خشية الانفجار. وهو صدام يرتبط عضوياً بمعركة الحكومة الأوسع ضد القضاء منذ 2023.

من يربح ومن يخسر من إعادة تعريف «الوضع القائم»؟

✅ من يستفيد؟

  • جماعات الهيكل: تنتقل من مطالِب محتج إلى شريك في صناعة القرار بغطاء وزراء.
  • الائتلاف اليميني: يعبّئ قاعدته الدينية-القومية بملف يوحّدها قبل أي استحقاق انتخابي.
  • تيار الصهيونية الدينية: يحوّل الأقصى من قضية حزبية إلى مشروع «إجماع وطني» — بشهادة تصريح بيسموت.

⚠️ من يتضرر؟

  • المقدسيون والأوقاف: تفريغ ممنهج — إبعاد حراس وموظفين وحتى قضاة شرعيين، واعتقال إداري لموظفي الأوقاف.
  • الوصاية الأردنية: تُهمَّش عملياً رغم أن الأوقاف الأردنية الجهة الوحيدة المخولة إدارة المسجد وفق الوضع التاريخي.
  • أمن إسرائيل ذاتها: الأجهزة التي حذرت عقوداً من «برميل البارود» ترى مفاهيمها تسقط «آلاف المرات» وفق الإعلام العبري.

أما على الأرض، فالفاتورة يدفعها الفلسطيني يومياً: قيود عمرية وتصاريح وبطاقات ممغنطة خفّضت عدد المصلين في جمعة رمضان من 250 ألفاً قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 80 ألفاً في رمضان 2025، ومنعٌ للاعتكاف لأول مرة منذ 2014. وفي المقابل، تتواصل الدعوات الفلسطينية إلى تكثيف الرباط والتصدي لفرض الوقائع. وإقليمياً، تتجه الأنظار إلى موسم الأعياد اليهودية في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول المقبلين، حيث يراهن المتشددون على «تطبيع» النفخ في البوق داخل المسجد — وهي الشرارة الرمزية التي سبق لمشاهد أقل منها أن أشعلت مواجهات واسعة، كما في مايو/أيار 2021.

أيّ سيناريوهات تنتظر الأقصى في الأشهر المقبلة؟

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل «الوضع القائم»

السيناريومؤشراتهأثره المحتمل
الأرجح: الزحف التدريجيتوسيع الطقوس العلنية و«الحماية المكانية» دون إعلان رسمي، استناداً إلى سلوك العقد الماضيتقسيم زماني بحكم الأمر الواقع، وتهميش إضافي لدور الأوقاف
الأخطر: انهيار السد القانونيتحييد المستشارة القضائية أو التفاف تشريعي، بالتزامن مع موسم الأعياد (سيناريو تخميني لكن مؤشراته قائمة)مواجهة شاملة في القدس قد تتجاوزها، على نمط مايو 2021 وأوسع
البديل: تهدئة موسميةضغط أردني-أميركي يفرض تجميداً مؤقتاً للتصعيد (احتمال أقل)تثبيت المكاسب الحالية دون تراجع — تجميد للمسار لا عكس له

والتمييز هنا ضروري: السيناريو الأول استنتاج من نمط سلوكي موثّق على مدى عشر سنوات، بينما يبقى الثاني والثالث في حدود التقدير الذي قد تعدّله التطورات الميدانية والمواقف الإقليمية في الأسابيع المقبلة.

المعركة على المسجد الأقصى لم تعد — كما يُصوَّر أحياناً — نزاعاً على «من يصلّي أين»، بل على من يملك حق تعريف «الوضع القائم» نفسه. وحين تنتقل الاقتحامات من فعل جماعات هامشية إلى سياسة حكومية تُقاس بأرقام قياسية سنوية، ويصبح إغلاق المسجد أمام المسلمين مطلباً يطرحه نائب رئيس الكنيست علناً، يفقد السؤال التقليدي «متى سيتغير الوضع القائم؟» معناه، ليحل محله سؤال أقسى: من بقيَ أصلاً يستطيع أن يزعم أنه ما زال قائماً؟

المصادر:

  1. الجزيرة نت — وزراء وأعضاء بالكنيست: يجب إغلاق المسجد الأقصى أمام العرب — 16 يوليو 2026 — المصدر الرئيسي (نقلاً عن يديعوت أحرونوت)
  2. الجزيرة نت — في نصف عام: 11 شهيداً بالقدس وأكثر من 25 ألف مستوطن يقتحمون الأقصى — 2 يوليو 2026 — إحصائي (تقرير محافظة القدس)
  3. العربي الجديد — انقلاب في الأقصى يسبق النفخ بالبوق.. هكذا غيّرت إسرائيل الوضع القائم — 24 سبتمبر 2025 — تحليلي (نقلاً عن يسرائيل هيوم)
  4. مرصد الأزهر لمكافحة التطرف — 58 ألف يهودي يقتحمون الأقصى خلال عام 2024 — يناير 2025 — إحصائي

الوسوم

لمسجد الأقصى | جماعات الهيكل | اقتحامات الأقصى | الوضع القائم | القدس المحتلة | الكنيست

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

ترمب يهدد بـ«الإبادة» وطهران ترفض «الاستسلام»: ثلاث عواصم تتسابق لإنقاذ هدنة إيران من الانهيار

من "البلوكشين" إلى خزانة الدولة: كيف حوّلت النيابة المصرية 318 مليون دولار من عملات مشفرة "ممنوعة" قانونًا إلى أصول حقيقية؟

9.5 مليارات دولار "أموال ساخنة" فرّت من بورصة مصر مع اشتعال حرب المنطقة.. فكيف تراجع عجز ميزان المدفوعات إلى 1.8 مليار فقط؟