20 مليار دولار حتى 2043: مصر توسّع اعتمادها على غاز "تمار" الإسرائيلي رهن انتخابات أكتوبر
مذكرة تفاهم غير ملزمة بين "إسرامكو" و"مبادلة للطاقة" تفتح الباب لخامس عقد غاز إسرائيلي لمصر في ثماني سنوات، وسط بند جديد يتيح للقاهرة إعادة تصدير الفائض كغاز مسال
منصة إنتاج حقل ليفياثان للغاز الطبيعي قبالة حيفا، الحقل المجاور لـ"تمار" الذي يشمله الاتفاق الجديد مع مصر (رويترز)
على الورق، الصفقة لا تتجاوز مذكرة تفاهم غير ملزمة. لكن الأرقام التي تحملها كافية لتفسير سبب اهتمام أسواق الطاقة الإقليمية بها: 80 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، بقيمة تقترب من 20 مليار دولار، وأفق زمني يمتد حتى عام 2043. الأطراف هذه المرة ليست دولتين فقط، بل شركة إسرائيلية وشريكة إماراتية تتفقان على تزويد مستورد مصري لم يُكشف عن اسمه بعد.
وقّعت شركتا "إسرامكو" (Isramco) الإسرائيلية و"مبادلة للطاقة" (Mubadala Energy) الإماراتية، التابعة لحكومة أبوظبي، مذكرة التفاهم مع الجهة المصرية لتصدير الغاز من حقل "تمار"، بحسب ما ذكرت نشرة "ميس" (Mees) المتخصصة في شؤون الطاقة. وتمتلك الشركتان مجتمعتين 39.75% فقط من الحقل، وهو ما يجعل تحويل المذكرة إلى اتفاقية ملزمة مشروطا بانضمام باقي الشركاء.
خامس عقد في ثماني سنوات
مذكرة تفاهم لا اتفاقية نهائية
تبقى الصفقة في طور مذكرة التفاهم، وتحتاج إلى اتفاقية ملزمة، وموافقة الحكومة الإسرائيلية، وتراخيص تصدير وفق القانون الإسرائيلي، إضافة إلى مراجعة سياسة تصدير الغاز الجارية عبر لجنة "دايان".
تغطي المذكرة مبدئيا الفترة من 2031 إلى 2038، مع تمديد تلقائي حتى 2043 حال تجديد امتياز إنتاج حقل تمار، وهو إجراء وصفته "ميس" بأنه شكلي إلى حد كبير. وتتضمن آلية تسعير مرتبطة بخام برنت مع حد أدنى للأسعار، إلى جانب شرط "الدفع أو الاستلام" (Take or Pay) المعتمد في العقود السابقة بين الجانبين، والذي يُلزم المشتري المصري بسداد قيمة الكميات المتفق عليها حتى لو لم يستلمها كاملة.
وبحسب تقديرات "ميس"، يبلغ متوسط السعر المحقق طوال مدة الاتفاق نحو 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بمتوسط بلغ 5.5 دولارات دفعته مصر خلال عام 2025 مقابل وارداتها من حقلي تمار وليفياثان معا. صحيح أن هذا يعني ارتفاعا في كلفة الاستيراد المستقبلية مقارنة بالماضي القريب، إلا أن الرقم الجديد يظل أقل من أسعار الغاز الطبيعي المسال العالمية التي قفزت في أثناء التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية الإيرانية.
تباين في الأرقام المرجعية
بعض التقارير العربية التي استندت أيضا إلى "ميس" ذكرت أن متوسط سعر 2025 كان 7.60 دولارات لا 5.5، وأن السعر الجديد أدنى منه، لا أعلى. التباين قائم بين المصادر ولم يصدر توضيح رسمي حاسم بعد.
من يملك حقل تمار؟
لا تُصدّر "إسرامكو" و"مبادلة" الغاز بمفردهما؛ فحقل تمار موزّع بين سبع جهات، ما يفسر إشارة "ميس" إلى ترقب انضمام الشركاء الآخرين، وعلى رأسهم "شيفرون" (Chevron) الأميركية التي تشغّل الحقل فعليا وتقول إنه يوفر نحو 70% من احتياجات إسرائيل المحلية من الطاقة، فيما تُصدَّر الكميات المتبقية إلى مصر والأردن.
توزيع ملكية حقل تمار بين الشركاء
المصدر: إفصاح الشركاء لبورصة تل أبيب، عبر مصر 360 و"الطاقة"
هذا التشتت في الملكية هو نفسه ما يجعل مسار المذكرة نحو التوقيع النهائي بحاجة إلى وقت؛ فحصة "إسرامكو" و"مبادلة" وحدهما لا تتجاوز الأربعين بالمئة، بينما تحتفظ "شيفرون" و"تمار بتروليوم" بأكثر من 41% إضافية لم تُعلن موقفها منها بعد.
فجوة الغاز التي تدفع القاهرة للاستيراد
الصفقة الجديدة ليست ترفا استراتيجيا بقدر ما هي استجابة لفجوة متسعة بين الاستهلاك المصري والإنتاج المحلي. سجّلت مصر خلال مايو/أيار 2026 استهلاكا بلغ نحو 6.39 مليار قدم مكعبة يوميا، في مقابل إنتاج محلي لم يتجاوز 3.86 مليار قدم مكعبة يوميا، وفق بيانات وحدة أبحاث الطاقة.
الاستهلاك اليومي — مايو 2026
6.39مليار قدم مكعبة يوميا
الإنتاج المحلي — مايو 2026
3.86مليار قدم مكعبة يوميا
هذه الفجوة تفسر أيضا سبب قفز واردات مصر من الغاز الإسرائيلي بنسبة 30.5% على أساس سنوي في مايو الماضي وحده، لتسجل من أعلى مستوياتها. واستحوذت القاهرة خلال العام الماضي على 75% من صادرات الغاز الإسرائيلي، في مقابل 25% للأردن، وهو ما يجعلها العميل الأكبر بلا منازع لصناعة الغاز الإسرائيلية.
البند الجديد: مصر بوابة إعادة تصدير
✅ ما تكسبه القاهرة
- بند تجاري جديد يتيح إعادة بيع الغاز خارج السوق المحلية
- إمكانية توجيه الفائض إلى محطتي إسالة إدكو ودمياط لإعادة التصدير
- تسعير مرتبط ببرنت مع حد أدنى يحدّ من التقلب الحاد
- مرونة زمنية طويلة تمتد حتى 2043 عند تجديد الامتياز
⚠️ ما تتحمله من مخاطر
- مذكرة غير ملزمة قد لا تتحول إلى عقد نهائي بالسرعة المتوقعة
- شرط "الدفع أو الاستلام" يُلزم بالسداد حتى دون استلام كامل الكمية
- الملف مرهون بانتخابات الكنيست في أكتوبر ومراجعة لجنة "دايان"
- سابقة اتفاق ليفياثان التي تعثرت لأشهر رغم توقيعها فعليا
هذا البند وحده يحمل دلالة تتجاوز الصفقة الحالية: فإذا فُعّل، لن تكون مصر مجرد مستورد يغطي عجزه المحلي، بل محطة عبور يمكنها توجيه فائض الغاز الإسرائيلي إلى السوق الأوروبية عبر محطتي الإسالة، مع تقاسم العوائد مع شركاء حقل تمار — دور يعتمد بدرجة كبيرة على استكمال مشروعات البنية التحتية، وفي مقدمتها خط أنابيب نيتسانا، وخط الغاز العربي عبر الأردن، وخط أشدود-عسقلان البحري الذي دخل الخدمة أخيرا.
مسار طويل مليء بالمحطات السياسية
تجربة العلاقة الغازية بين القاهرة وتل أبيب تعلّم درسا واحدا: التوقيع لا يعني التنفيذ. فاتفاق ليفياثان الموقّع في أغسطس/آب 2025 بقيمة 35 مليار دولار لتوريد 130 مليار متر مكعب حتى 2040 — وقتها وصفه وزير الطاقة الإسرائيلي بأنه "أكبر صفقة غاز في التاريخ" — تعثر لاحقا لأشهر بسبب تعليمات من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعدم استكمال التنفيذ إلا بموافقته المباشرة، وسط ضغوط أميركية مضادة لتمريره.
-
2019
أول اتفاق تصدير شامل
دخول اتفاق تصدير غاز تمار وليفياثان إلى مصر حيز التنفيذ بقيمة تقارب 19.5 مليار دولار.
-
فبراير 2024
توسعة إضافية من تمار
اتفاقية لتوريد 43 مليار متر مكعب إضافية خلال عشر سنوات، مرتبطة باستكمال خط أنابيب نيتسانا.
-
أغسطس 2025
اتفاق ليفياثان الضخم
توريد 130 مليار متر مكعب حتى 2040 بقيمة 35 مليار دولار، تعثر تنفيذه لأشهر لاعتبارات سياسية داخلية إسرائيلية.
-
يوليو 2026
مذكرة تمار الجديدة
مذكرة تفاهم غير ملزمة لتوريد 80 مليار متر مكعب حتى 2043 بقيمة تقديرية 20 مليار دولار.
الطريق من المذكرة إلى الاتفاقية الملزمة
مذكرة تفاهم
الحالة الراهنة — غير ملزمة
انضمام الشركاء
شيفرون وتمار بتروليوم ودور غاز ويونيون إنرجي
موافقات وتراخيص
الحكومة الإسرائيلية ولجنة "دايان" لسياسة التصدير
اتفاقية ملزمة
التوقيع النهائي وتحديد جدول الإمدادات
ورجّحت "ميس" تأجيل البت النهائي في الاتفاقية إلى ما بعد انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، انتظارا لتشكيل حكومة جديدة واستكمال مراجعة سياسة تصدير الغاز التي تجريها لجنة "دايان" — وهو ما يعني عمليا أن مصير الملف مرتبط بمعادلة سياسية داخلية إسرائيلية أكثر من ارتباطه بجدوى الصفقة اقتصاديا.
قيمة اتفاقيات الغاز الكبرى بين مصر وإسرائيل (مليار دولار)
المصدر: العربي الجديد، الجزيرة نت، RT Arabic — القيم بالدولار الأميركي
السيناريوهات المحتملة
إلى أين تتجه المذكرة بعد أكتوبر؟
| السيناريو | الشرط الجوهري | المآل المتوقع |
|---|---|---|
| الأرجح | مصادقة الحكومة بعد الانتخابات وانضمام باقي الشركاء | تحويل المذكرة إلى اتفاقية ملزمة، وبدء ضخ محدود من 2031 |
| الأخطر | تعثر سياسي على غرار تجربة ليفياثان 2025 | تجميد الملف لأشهر رغم التوقيع، وضغط إضافي على واردات الغاز المسال المصرية |
| البديل | مصادقة جزئية بمشاركة إسرامكو ومبادلة فقط | تراجع الكمية عن 80 مليار م³ وإعادة تفاوض مع بقية الشركاء لاحقا |
بند إعادة البيع خارج السوق المحلية هو أكثر تفصيل يستحق التوقف عنده في هذه الصفقة؛ فهو يحوّل السؤال من "كم تستورد مصر؟" إلى "هل تصبح القاهرة محطة عبور حقيقية لغاز شرق المتوسط نحو أوروبا؟". لكن هذا الطموح يظل مرهونا بمعادلة أثبتت تجربة اتفاق ليفياثان أنها متقلبة: توقيع تجاري يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى ورقة ضغط سياسية بيد تل أبيب، في وقت لا تملك فيه مصر سوى الانتظار حتى تنجلي نتائج صندوق الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر.
المصادر:
- RT Arabic — صفقة غاز محتملة بـ20 مليار دولار تعزز صادرات إسرائيل إلى مصر (28 يوليو 2026)
- مصراوي — صفقة غاز محتملة بـ20 مليار دولار تعزز شراكة مصر وإسرائيل حتى 2043 (27 يوليو 2026)
- العربي الجديد — اتفاق غاز إسرائيلي لمصر بـ20 مليار دولار في ثالث عقد طويل الأجل (27 يوليو 2026)
- الطاقة — صفقة غاز إسرائيلي إلى مصر مع شريك "غامض" وشركة إماراتية (28 يوليو 2026)
- مدى مصر — غاز أكثر من إسرائيل! (27 يوليو 2026)
الوسوم
غاز تمار | إسرامكو مبادلة | صادرات الغاز المصرية | اتفاقية غاز إسرائيل مصر | أمن الطاقة المصري

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار