تسعة علماء لا "كل الخبراء": كيف بنت إسرائيل رواية نصر في إيران تكذّبها استخباراتها؟

-- دقائق
أخبار إسرائيل

تحقيق استقصائي في يديعوت أحرونوت يكشف ضغوطا مورست على قادة الاستخبارات لتوقيع وثائق مزيّفة، بينما بقيت مئات كيلوغرامات اليورانيوم المخصّب بمنأى عن الدمار

تسعة علماء لا "كل الخبراء": كيف بنت إسرائيل رواية نصر في إيران تكذّبها استخباراتها؟

نتنياهو خلال مؤتمر صحفي في القدس عقب الاتفاق الأمريكي الإيراني، 15 يونيو 2026 (رويترز)

حين تتحول "الحقيقة" إلى أول ضحايا الحرب، فإن أخطر ما فيها ليس كذبة عابرة، بل منظومة كاملة تُجنَّد لتخليدها. هذا بالضبط ما كشفه تحقيق استقصائي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، موثّقا حملة تضليل ممنهجة قادها المستوى السياسي في إسرائيل، بتواطؤ أجزاء من المؤسسة الأمنية، لتصوير نتائج العمليات العسكرية ضد إيران على أنها انتصار حاسم — في وقت كانت فيه التقييمات الاستخباراتية الداخلية تشير إلى واقع مختلف تماما.

التحقيق لا يتحدث عن مبالغة إعلامية عابرة، بل عن ضغط مباشر مورس على كبار ضباط الاستخبارات لتوقيع وثائق تؤكد رواية سياسية، ورفض هؤلاء الضباط لما اعتبروه تزييفا للحقيقة، قبل أن تجد الجهة السياسية بديلا أكثر مرونة لتمرير روايتها.

من "التدمير الكامل" إلى وثيقة محرَّفة

جوهر الفضيحة يدور حول تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (Netanyahu) والرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Trump)، اللذين تحدثا عن "تدمير كامل" للمنشآت النووية الإيرانية في فوردو (Fordow) وناتانز (Natanz) وأصفهان (Isfahan)، وزعما أن الضربات أنهت التهديد النووي الإيراني لأجيال قادمة. غير أن تقارير البنتاجون (Pentagon) والاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية الداخلية جاءت لتناقض هذه الرواية، مؤكدة أن الأضرار جسيمة فعلا لكنها لا ترقى إلى حد التدمير الشامل.

في محاولة لإثبات صحة الرواية السياسية، مارس مكتب رئيس الوزراء ضغوطا على كبار ضباط الاستخبارات للتوقيع على وثائق تؤكد تدمير البرنامج النووي بالكامل، وهو ما قوبل برفض قاطع من قيادات استخباراتية عليا اعتبرته تزييفا للحقيقة وتجاوزا لأخلاقيات المهنة. عندها لجأت الجهة السياسية إلى بديل أكثر مرونة: الضغط على هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية، التي يترأسها مدير عام لا يملك خلفية نووية تحليلية، لتوقيع وثيقة تشير إلى أن الهجمات جعلت منشآت التخصيب "غير قابلة للاستخدام" وأخّرت البرنامج النووي "لسنوات عديدة".

⚠️

ما تتجاهله الوثيقة الرسمية

المواد الانشطارية الكافية لإنتاج عشرات القنابل الذرية لم تُدمَّر، بل أخفتها إيران في ملاجئ محصّنة، ما يعني أن التأخير الحقيقي للبرنامج النووي لم يتجاوز بضعة أشهر — لا "أجيالا" كما رُوِّج له.

الفجوة بين الأرقام المُعلنة والأرقام الحقيقية

التلاعب بالحقيقة لم يتوقف عند الملف النووي، بل امتد إلى ذرائع الحرب نفسها وإلى حجم الاستهداف الذي طال الكوادر العلمية والصاروخية الإيرانية. الفارق بين الرواية الرسمية والتقييمات الاستخباراتية يتّضح في المؤشرات التالية:

٣/١ نسبة الصواريخ الإيرانية التي دُمّرت فعليا من الترسانة
٩ علماء نوويون قُتلوا فعليا، من أصل مئات المهندسين والخبراء
٤٤٠كغم يورانيوم مخصّب لم يُتلف ولم يُعثر عليه
أشهر التأخير الحقيقي للبرنامج النووي بحسب العلماء، لا "أجيال" كما أُعلن

الرواية الرسمية مقابل التقييم الاستخباراتي الداخلي

القيم توضيحية استنادا لمعطيات التحقيق الاستقصائي — المصدر: يديعوت أحرونوت

هذا التفاوت ليس تفصيلا إحصائيا هامشيا، بل هو جوهر الفضيحة: البنية التحتية الحيوية للإنتاج الصاروخي، مثل أجهزة المزج الكوكبية، نجت من الاستهداف، ما أبقى الترسانة الإيرانية قادرة على التهديد رغم إعلانات "إزالة الخطر الوجودي".

"الحروب لا تخلف فقط أضرارا آنية، بل تؤسس لمسار طويل من الانكماش والتضخم وتآكل الاستثمار، ما يبدد رهانات التعافي السريع." — تحقيق يديعوت أحرونوت، نقلا عن مصادر استخباراتية إسرائيلية

ذريعة الحرب: خطر "لم يكن قائما" وقت اتخاذ القرار

لم يقتصر التضليل على نتائج الحرب، بل امتد إلى مبرراتها. برر المستوى السياسي الإسرائيلي شن العمليات بوجود "خطر إبادة نووي شامل" وتقدّم إيراني حاسم نحو امتلاك السلاح، رغم أن التقييمات الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية في حينه كانت تؤكد عدم وجود "فريق أسلحة" نشط، وعدم صدور أي أمر من المرشد الأعلى علي خامنئي (Khamenei) بتصنيع القنبلة.

🗣️ ما قيل للرأي العام

  • "تدمير كامل" للمنشآت النووية لأجيال قادمة
  • إيران كانت تملك قنابل ذرية جاهزة فعليا
  • القضاء على "كل خبراء" البرنامج النووي
  • إزالة التهديد الوجودي الصاروخي بالكامل

📋 ما تقوله التقييمات الداخلية

  • أضرار جسيمة لكن غير شاملة، وتأخير بأشهر لا أجيال
  • لا فريق أسلحة نشط ولا أمر رسمي بالتصنيع
  • تسعة علماء فقط، أربعة من الصف الأول
  • ثلث الصواريخ ونصف منصات الإطلاق فقط دُمّرت

من الجولة الأولى إلى الجولة الثانية: تكرار النمط ذاته

في الجولة الثانية من المواجهة التي اندلعت مطلع عام 2026، تكرر النمط بصورة أكثر خطورة. أصرّ نتنياهو على إضافة "إسقاط النظام الإيراني" كأحد الأهداف الرئيسية للحرب، رغم تحذيرات قاطعة من شعبة الاستخبارات العسكرية والموساد (Mossad) وصفت الخطة بأنها غير واقعية ومحكوم عليها بالفشل. لم يواجه الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي خشية التداعيات، واكتفى بإعادة صياغة الهدف ليصبح "تهيئة الظروف" للإطاحة بالنظام.

  • يونيو 2025

    الجولة الأولى: "أسد الصاعد" و"زئير الأسد"

    ضربات إسرائيلية وأمريكية على فوردو وناتانز وأصفهان، وإعلان نتنياهو وترامب "تدميرا كاملا" للبرنامج النووي.

  • أواخر 2025

    تقييم الأضرار القتالية المخفي

    إجراء تقييم داخلي يثبت فشل التدمير الكامل، ورفض المؤسسة العسكرية الرد على الاستفسارات الصحفية حوله.

  • 28 فبراير 2026

    الجولة الثانية واستهداف "تغيير النظام"

    تصعيد عسكري متجدد، وإصرار سياسي على هدف الإطاحة بالنظام رغم تحذيرات الاستخبارات.

  • أبريل 2026

    وقف إطلاق النار ووصول مجتبى خامنئي

    فشل خطة "تهيئة الظروف" للإطاحة بالنظام، وتولي مجتبى خامنئي السلطة على رأس نظام أكثر تشددا.

  • 1 يوليو 2026

    هآرتس تكذّب نتنياهو مجددا

    مصدر إسرائيلي مطلع يصف تصريحات نتنياهو عن امتلاك إيران قنابل ذرية جاهزة بأنها "كذب محض"، وسط تناقض صريح مع تصريحاته السابقة.

حين تصبح الأجهزة المهنية أداة دعاية

في ختام هذا المشهد، نفى مكتب رئيس الوزراء والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي وهيئة الطاقة الذرية ما ورد في التحقيق، ووصفوا العمليات بأنها "تاريخية" أزالت الخطر النووي والصاروخي. لكن هيئة الطاقة الذرية نفسها، في دفاعها عن الوثيقة التي وقّعتها، تجاهلت التحفظات العلمية التي رافقت صياغتها — وهو ما يعزز لا ينفي، بحسب التحقيق، حجم الضغط السياسي الذي مورس عليها.

ثلاث محطات لتزييف الرواية

المحطةالرفض المهنيالبديل السياسي
وثيقة "التدمير الكامل"رفض قادة الاستخبارات التوقيعتمريرها عبر هيئة الطاقة الذرية
مبرر الحرب النوويلا فريق أسلحة نشط بحسب الاستخباراتالترويج لخطر "إبادة" وشيك
هدف تغيير النظامتحذير الموساد وشعبة الاستخباراتإعادة تسميته "تهيئة الظروف"

ما يكشفه هذا التحقيق ليس مجرد مبالغة سياسية عابرة، بل نمط متكرر يوظّف فيه المستوى السياسي في إسرائيل مؤسسات مهنية ومحايدة بطبيعتها — الاستخبارات، الجيش، هيئة الطاقة الذرية — لإنتاج رواية تخدم بقاءه السياسي. والسؤال الذي يطرحه التحقيق نفسه أخطر من أي رقم مبالغ فيه: ماذا يحدث حين تُبنى قرارات الحرب والسلم على معطيات مفبركة بدل الحقيقة الاستخباراتية الفعلية؟

المصادر:

  1. الجزيرة نت — هآرتس: نتنياهو "كذب" بشأن امتلاك إيران قنابل نووية — 1 يوليو 2026
  2. يديعوت أحرونوت — التحقيق الاستقصائي الأصلي حول تضليل الرأي العام بشأن نتائج الحرب مع إيران
  3. عربي21 — نتنياهو يزعم امتلاك إيران قنابل نووية.. وآيزنكوت يكذّبه

الوسوم

نتنياهو | فضيحة إسرائيل | البرنامج النووي الإيراني | يديعوت أحرونوت | تضليل الرأي العام

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

ماذا تعلّمت أنقرة من حرب إيران؟ وثيقة استخباراتية تركية تعيد رسم أولويات الأمن القومي

"جولدمان ساكس" يُحدد موعداً لارتفاع الجنيه: التضخم يتراجع والعملة تُفاجئ المتشائمين

هدنة هرمز تنهار في 72 ساعة: ضربات ترامب وصواريخ الحرس تُعيد الخليج إلى حافة الحرب