50% من صواريخ "ثاد" تبخّر خلال أشهر: كيف أوقف نقص الاعتراض زحف ترامب نحو حرب إيرانية أوسع؟
تقارير أمريكية تكشف أن البيت الأبيض أجّل خططا لتوسيع الضربات على إيران خشية استنزاف مخزون "باتريوت"، بينما يواصل ترامب علنا التلويح بتصعيد لم يُتخذ بشأنه قرار نهائي بعد
صورة تعبيرية لتدريب أمريكي-إسرائيلي مشترك على منظومة "باتريوت" في تل أبيب (جيتي عبر الجزيرة نت)
في الوقت الذي أكد فيه دونالد ترامب لموقع "أكسيوس"، قبل أيام قليلة، أنه يدرس بجدية استئناف عمليات قتالية أوسع من تلك التي شهدتها حرب الأربعين يوما، كانت صحيفة "نيويورك تايمز" تُعِدُّ تقريرا يقول عكس هذا الانطباع تماما: الرئيس الأمريكي أرجأ فعليا خطط التصعيد، ليس بسبب تغيّر في الموقف السياسي، بل خشية استنزاف ما تبقى من مخزون صواريخ "باتريوت" الاعتراضية وذخائر الدفاع الجوي الأخرى في الشرق الأوسط.
هذه الازدواجية بين الخطاب العلني والقرار الداخلي هي جوهر القصة الحقيقية لما يجري الآن في دوائر صنع القرار الأمريكي. فبعد 13 يوما متتالية من الضربات، أمر ترامب، أول أمس الجمعة، بعدم تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران، عقب اجتماع مع مستشاريه وكبار مسؤولي إدارته — قرار لا يبدو أنه سياسي بقدر ما هو محاسبة لوجستية صرفة.
من "الغضب الملحمي" إلى صمت مفروض
اندلعت الجولة الحالية من المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران في 28 فبراير 2026، عقب أشهر من التصعيد المتقطع الذي بدأ بحرب الأربعين يوما المعروفة إعلاميا بـ"عملية الغضب الملحمي". لكن الجولة الأخيرة من الضربات — 13 يوما متواصلة انتهت قبل يومين — استهلكت من مخزون الصواريخ الاعتراضية أكثر مما استهلكته أي جولة سابقة، بحسب مصادر مطلعة على التقييمات العسكرية.
وأفادت وسائل إعلام أمريكية بأن الجيش يواصل إعداد خطط تحسبا لاستئناف عمليات واسعة، "إلا أن ترامب لم يصدر حتى الآن أي أوامر بهذا الشأن" — وهي الصيغة نفسها التي تكرّرت في تصريحات مسؤولين آخرين أكدوا أنه لم يُتخذ قرار نهائي ولم تصدر أوامر جديدة للجيش.
أرقام الاستنزاف: حين تتحول الحرب إلى مسألة حسابية
يستند التريث الأمريكي إلى تقييمات دقيقة، لا إلى حذر عام. فبيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تُظهر أن البنتاجون (Pentagon) استخدم حتى آخر توقف للقتال ما لا يقل عن نصف مخزونه من صواريخ "ثاد" الاعتراضية للصواريخ الباليستية، ونحو النصف أيضا من صواريخ "باتريوت"، إضافة إلى ما يقارب ثلث صواريخ "توماهوك" الهجومية.
الأخطر من نسب الاستهلاك هو عجز خطوط الإنتاج عن ملاحقتها؛ فالبنتاجون لا يستلم سوى نحو 15 صاروخ "توماهوك" و20 صاروخ "باتريوت" شهريا فقط، فيما لا يُتوقع تسليم أي صواريخ اعتراضية جديدة من منظومة "ثاد" خلال العام الجاري بأكمله.
نسبة استهلاك المخزون الأمريكي من الذخائر — حتى آخر توقف للقتال
المصدر: مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) عبر سواليف
لتعويض هذا العجز، قفز تمويل صواريخ "إس إم" (SM) من 1.26 مليار دولار إلى 8.5 مليار دولار بين السنتين الماليتين 2026 و2027، لكن العودة إلى مستوى المخزون ما قبل 2025 قد تستغرق سنوات، لأن القيود هيكلية في سلاسل التوريد ولا يمكن حلها بمجرد زيادة الإنفاق.
الاستئناف العسكري الواسع يبقى ممكنا من الناحية العسكرية، لكن ثمنه استنزاف خطير لصواريخ الاعتراض المتبقية. — الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، في تحذير مغلق نقلته "نيويورك تايمز"
ازدواجية القرار: تصعيد علني وتريث سرّي
ما يجعل هذه اللحظة لافتة هو التناقض الظاهري بين ما يقوله ترامب علنا وما تكشفه التقارير عن مداولاته الداخلية:
✅ دلائل التريث الفعلي
- أمر مباشر بعدم تنفيذ ضربات جديدة أول أمس الجمعة
- تحذير مغلق من الجنرال دان كين بشأن الاستنزاف
- معظم المقربين من ترامب لا يعتبرون التصعيد خيارا حكيما
- مسؤول أمريكي: الضربات الواسعة قد تبقي إيران متماسكة داخليا
⚠️ دلائل استمرار الخيار مفتوحا
- تصريح ترامب لـ"أكسيوس" قبل يومين بدراسة تصعيد أوسع
- لا قرار "نهائي" مؤكد حتى الآن بحسب مسؤولين رسميين
- عدم صدور أوامر جديدة لا يعني استبعاد التصعيد لاحقا
- استمرار الصراع نحو خمسة أشهر دون نتيجة حاسمة يضغط لصالح حسم عسكري
إسرائيل تخوض معركتها الخاصة مع النقص
لم تكن واشنطن الطرف الوحيد الذي يواجه معضلة المخزون. فقد دخلت إسرائيل هذه الجولة من الصراع وهي تعاني أصلا من نقص في صواريخ "أرو 3" الاعتراضية، بعد استخدام كمية كبيرة منها خلال حرب الاثني عشر يوما مع إيران في يونيو الماضي، ما دفعها لإبلاغ واشنطن رسميا بالنقص. وأكد مسؤول أمريكي أن الولايات المتحدة "لا تواجه نقصا مماثلا" في مخزونها، رغم أنه لم يوضح ما إذا كانت ستشارك صواريخها الاعتراضية مع تل أبيب.
-
28 فبراير 2026
اندلاع المواجهة المباشرة
تبادل صواريخ باليستية بين إسرائيل وإيران يفتح جولة جديدة من الصراع المباشر.
-
يونيو 2026
حرب الاثني عشر يوما تستنزف "أرو 3"
إسرائيل تستهلك جزءا كبيرا من مخزونها الاعتراضي، وتُبلغ واشنطن بالنقص.
-
يوليو 2026
تحذير دان كين المغلق
رئيس هيئة الأركان المشتركة يحذر من كلفة استئناف العمليات على المخزون الاعتراضي.
-
24 يوليو 2026
أمر بعدم تنفيذ ضربات جديدة
ترامب يوقف سلسلة الضربات المستمرة منذ 13 يوما بعد اجتماع مع مستشاريه.
معضلة أعمق: المحيط الهادي في الحسبان
لا تقف تداعيات الاستنزاف عند حدود الشرق الأوسط. فالصواريخ التي استُهلكت في مواجهة إيران والحوثيين هي ذاتها التي ستكون الأكثر طلبا في الأسابيع الأولى من أي صراع محتمل مع الصين، بينما تشير التقديرات إلى أن صواريخ "توماهوك" غالبا ما تكون أول الذخائر التي تنفد في أي محاكاة لصراع أمريكي-صيني. هذا يعني أن كل صاروخ يُستخدم في طهران يُخصم عمليا من جاهزية واشنطن في المحيط الهادي.
| المنظومة | وتيرة الإنتاج/التسليم | أفق التعويض المتوقع |
|---|---|---|
| باتريوت (PAC-3) | نحو 20 صاروخا شهريا للبنتاجون | حتى نهاية العقد الحالي |
| ثاد (THAAD) | لا تسليمات جديدة متوقعة خلال 2026 | حتى نهاية العقد الحالي |
| توماهوك | نحو 15 صاروخا شهريا | حتى نحو عام 2030 |
| إس إم (SM-6) | 125 إلى 200 صاروخ سنويا | مرهون بتمويل 8.5 مليار دولار الجديد |
السيناريوهات المحتملة للأسابيع المقبلة
| السيناريو | الشرط | المآل |
|---|---|---|
| الأرجح — استمرار التريث | بقاء أمر عدم الضرب ساريا | رهان على الضغط الاقتصادي والدبلوماسي بدل الحسم العسكري |
| البديل — ضربات محدودة | استهداف نقطي دون توسيع رقعة القتال | احتواء الاستنزاف مع الحفاظ على هامش ضغط عسكري |
| الأخطر — تصعيد شامل | تجاوز حسابات المخزون لصالح الحسم | مخاطرة بأزمة ذخائر تكشف الخاصرة الأمريكية في المحيط الهادي |
المفارقة الحقيقية في هذه اللحظة ليست في التردد السياسي بل في أن حدود القوة العسكرية الأمريكية لم تعد تُرسم في ميدان القتال، بل في خطوط تصنيع الصواريخ. فالرئيس الذي يملك حرية التلويح بأي تصعيد يجد نفسه مقيدا بواقع لا تتحكم فيه القرارات السياسية: قدرة المصانع على إنتاج 20 صاروخا في الشهر لا تُواكب حربا تستهلك نصف المخزون في أسابيع. والسؤال الذي سيحدد مسار الأشهر المقبلة هو: هل يمكن لضغط دبلوماسي واقتصادي أن يحقق ما عجزت القوة العسكرية المحدودة عن تحقيقه حتى الآن؟
المصادر:
- بوابة الشروق — نيويورك تايمز: ترامب يؤجل تصعيد الضربات على إيران (25 يوليو 2026)
- الجزيرة نت — حرب المخازن: هل تسقط أمريكا في فخ الاستنزاف بإيران؟ (1 مارس 2026)
- سواليف — البنتاجون يحذر من تراجع مخزون الصواريخ الأمريكية (يوليو 2026) — مصدر ثانوي عن بيانات CSIS
- يورونيوز — تسريب أمريكي يكشف نفاد صواريخ الدفاع الجوي الإسرائيلية (15 مارس 2026)
- العين الإخبارية — صواريخ أمريكا الاعتراضية: قيود هيكلية تعرقل زيادة الإنتاج (21 يونيو 2026)
الوسوم
ترامب | إيران | باتريوت | استنزاف الصواريخ | البنتاجون

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار