من مطار صنعاء إلى مصافي جيزان: كيف تحوّل التصعيد السعودي الحوثي إلى دائرة ضربات متبادلة في 12 يوماً؟
بعد استهداف ناقلتين وسفينة سعودية وحصار بحري حوثي، ردّ التحالف بضربات على الحديدة، فرد الحوثيون بصواريخ ومسيّرات على منشآت أرامكو في جيزان وينبع، فيما يدفع النفط فوق 100 دولار وسط إدانات عربية ودولية متصاعدة
السفينة السعودية (NCC MASA) واصلت إبحارها بعد التأكد من سلامة طاقمها، إثر استهدافها في البحر الأحمر يوم 24 يوليو/تموز 2026 (مارين ترافيك عبر الجزيرة نت)
في غضون أقل من أسبوعين، تبخّرت أربع سنوات من التهدئة غير الرسمية بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي. ما بدأ في 13 يوليو/تموز الجاري باستهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية، تحوّل إلى تبادل قصف على المطارات، ثم إلى "حصار بحري" حوثي واستهداف ناقلتي نفط وسفينة ثالثة، فردّ التحالف بقيادة الرياض بضربات على مواقع حوثية في الحديدة يوم 25 يوليو، ليصعّد الحوثيون بدورهم بأعنف رد حتى الآن: صواريخ باليستية ومجنّحة وطائرات مسيّرة استهدفت منشآت تابعة لشركة أرامكو في جيزان وينبع.
النتيجة: أسعار النفط تلامس حاجز 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ مايو/أيار، وتهديد أميركي مباشر من الرئيس دونالد ترامب، وسط تحذيرات من أن مضيق باب المندب قد يتحوّل إلى نسخة ثانية من مضيق هرمز في أزمة الطاقة العالمية.
شرارة الانفجار: مطار صنعاء ومطار أبها
يعود التصعيد إلى محاولتين لشركة الطيران الإيرانية "ماهان" تسيير رحلات من طهران إلى اليمن؛ الأولى في 3 يوليو إلى مطار صنعاء، والثانية في 13 يوليو إلى مطار الحديدة بعد تعذّر الهبوط في صنعاء. في اليوم نفسه، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية أن قواتها استهدفت مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع هبوط الطائرة الإيرانية. اعتبر الحوثيون ذلك ضربة سعودية بالوكالة، ورد المتحدث العسكري باسمهم العميد يحيى سريع بإعلان استهداف مطار أبها الدولي جنوبي السعودية بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، محذراً شركات الطيران من التحليق فوق الأجواء السعودية.
تنبيه من التضليل المرئي
تداول ناشطون مقطع فيديو زعموا أنه يوثّق "لحظة سقوط صاروخ حوثي على مطار أبها" خلال هذا التصعيد. كشف تحقق لشبكة CNN بالعربية أن الفيديو حقيقي لكنه يعود إلى هجوم سابق وقع قبل نحو 7 سنوات، وليس لأحداث يوليو 2026. يُنصح دوماً بالتحقق من تاريخ ومصدر أي لقطة متداولة قبل تصديقها أو مشاركتها.
"الحصار بالحصار": من التهديد إلى استهداف الناقلات
بعد أيام من التهديدات المتبادلة، أعلن العميد سريع في 20 يوليو فرض "حظر ملاحة بحرية" على السعودية "وفق معادلة الحصار بالحصار". جاء التنفيذ الفعلي بعد ثلاثة أيام: في فجر 23 يوليو، استهدف الحوثيون ناقلتي النفط السعوديتين "إنسيليا" (Encelia) و"ليلى" (Layla) بصواريخ باليستية وكروز وطائرات مسيّرة. أكدت الهيئة العامة للنقل السعودية تعرّض "إنسيليا" لإصابة أدت إلى حريق في مقدمتها دون تسجيل إصابات، ورصدت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) الواقعة قرب الشقيق. في اليوم التالي، تعرضت سفينة سعودية ثالثة، "NCC MASA"، لإصابة طفيفة واصلت بعدها إبحارها بسلام.
الرواية الحوثية
"معادلة العين بالعين"رد على حصار سعودي مزعوم لمناطق سيطرة الجماعة منذ 12 عاماً، وعلى قصف مطار صنعاء والحديدة
الموقف السعودي والدولي
"انتهاك صارخ للقانون الدولي"تهديد لأمن الملاحة وسلامة الأرواح، مع تعهد سعودي بالرد "دون تهاون" على أي عمل عدائي جديد
25 يوليو: من ضربات الحديدة إلى استهداف أرامكو في جيزان وينبع
في مساء الجمعة 24 يوليو، نفّذ التحالف بقيادة السعودية ضربات على مواقع عسكرية حوثية في محافظة الحديدة، مشدداً على أن ميناء الحديدة نفسه لم يُستهدف وأن جميع الموانئ اليمنية ما زالت مفتوحة أمام الملاحة. رد الحوثيون صباح السبت 25 يوليو بأعنف عملية حتى الآن: أعلن العميد سريع تنفيذ هجمات بعشرات الصواريخ الباليستية والمجنّحة والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت حساسة تابعة لشركة أرامكو في مدينتي جيزان وينبع، محذراً من أن الجماعة "لن تتردد في تصعيد خطواتها" حال استمرار الضربات على اليمن. فعّلت السلطات السعودية المنصة الوطنية للإنذار المبكر بواقع إنذار واحد في جيزان وثلاثة إنذارات متتالية في ينبع، قبل أن تعلن لاحقاً زوال الخطر دون الكشف عن تفاصيل الاعتراض. تداول مستخدمون على وسائل التواصل مقاطع تُظهر أعمدة دخان فوق مصفاة في جيزان، بينما تحدثت مصادر إعلامية إيرانية عن انفجارات إضافية في مدينة ضمد لم تؤكدها مصادر مستقلة حتى وقت كتابة هذا التقرير.
تهديد أميركي مباشر
تزامن هذا التصعيد مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه لم يقرر بعد ما إذا كان سيشن ضربات كبيرة على إيران، في وقت لوّح فيه سابقاً بـ"عقاب عسكري كبير" لطهران وحلفائها الحوثيين على خلفية الحصار البحري واستهداف الناقلات.
موجة إدانات عربية ودولية غير مسبوقة
ردود الأفعال جاءت متسارعة ومن اتجاهات متعددة. الخارجية البريطانية وصفت الهجمات بأنها "أعمال متهورة تعرّض الأرواح للخطر وتنذر بكارثة بيئية"، بينما دعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الحوثيين إلى "الكف" عن مهاجمة السفن، ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الوضع في الشرق الأوسط بأنه "خارج السيطرة".
🔴 إدانات مباشرة للهجمات على السفن والمنشآت
- المملكة المتحدة: "انتهاك صارخ للقانون الدولي"
- الاتحاد الأوروبي: دعوة للتوقف الفوري عن استهداف السفن
- جامعة الدول العربية: رفض قاطع واعتباره خرقاً لأمن الممرات البحرية
- مجلس التعاون الخليجي: إدانة "بأشد العبارات" وتضامن كامل مع الرياض
- باكستان: تحذير من أن استهداف سفنها يهدد أمنها القومي
🟢 مواقف داعية لضبط النفس أو الحلول الدبلوماسية
- الصين: دعوة لاحترام سيادة السعودية والحلول الدبلوماسية
- سلطنة عمان: استمرار قنوات الوساطة بين الرياض والحوثيين
- مجلس الأمن الدولي: تمديد تفويض التقارير الشهرية عن هجمات البحر الأحمر حتى يناير 2027
- مبعوث الأمم المتحدة لليمن: تأكيدات متجددة من الطرفين بالالتزام باتفاق مايو 2026
ما يمنح هذه الإدانات ثقلاً إضافياً هو تزامنها مع اتهامات موجهة لإيران بضرب دول خليجية والأردن في سياق الحرب الإيرانية الأوسع المتواصلة منذ فبراير الماضي، ما دفع الجامعة العربية إلى تأكيد "رفضها القاطع" للاعتداءين في بيان واحد، ومجلس التعاون إلى الترحيب بتكاتف عربي في مواجهة "التهديدات التي تستهدف أمن الدول العربية وسلامة الممرات البحرية".
تغطية إعلامية للحظة إعلان المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع فرض الحصار البحري على السعودية، 20 يوليو 2026
خط زمني للتصعيد
-
13 يوليو 2026
قصف مدرج مطار صنعاء ورد الحوثيين على مطار أبها
الحكومة اليمنية تستهدف المدرج لمنع هبوط طائرة إيرانية؛ الحوثيون يردون بصواريخ ومسيّرات على مطار أبها.
-
20 يوليو 2026
إعلان "حصار بحري" على السعودية
يحيى سريع يعلن حظر الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية، ويتوعد بتصعيد شامل مقابل أي تصعيد.
-
23 يوليو 2026
استهداف ناقلتي "إنسيليا" و"ليلى"
أول تنفيذ فعلي للحصار؛ حريق على متن إنسيليا، وأسعار النفط تتجاوز 100 دولار للبرميل.
-
24 يوليو 2026
استهداف السفينة NCC MASA وضربات التحالف على الحديدة
إصابة طفيفة في بدن السفينة، تليها ضربات سعودية على مواقع حوثية عسكرية في الحديدة دون استهداف الميناء.
-
25 يوليو 2026
رد حوثي على منشآت أرامكو في جيزان وينبع
صواريخ باليستية ومجنّحة وطائرات مسيّرة تستهدف منشآت أرامكو؛ إنذارات مبكرة في جيزان وينبع، وتهديد أميركي بالرد.
النفط يدفع الفاتورة أولاً
الأسواق كانت أول من استشعر خطورة المنعطف. تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل يوم الخميس 23 يوليو للمرة الأولى منذ مايو/أيار، بعد أن كان قد سجل نحو 89 دولاراً فقط قبل إعلان الحصار بأيام قليلة. غيّرت سبع ناقلات نفط على الأقل مسارها بعيداً عن باب المندب، وتوقف بعضها في منتصف البحر الأحمر قبل استئناف رحلته لاحقاً.
| المحطة الزمنية | السعر التقريبي للبرميل | الدلالة |
|---|---|---|
| قبل إعلان الحصار (19-20 يوليو) | نحو 89 دولاراً | مستوى مستقر نسبياً |
| بعد استهداف الناقلتين (21-22 يوليو) | نحو 96 دولاراً | قفزة حادة مع تصاعد التهديد |
| بعد استهداف أرامكو (23-25 يوليو) | فوق 100 دولار | أعلى مستوى منذ مايو 2026 |
أرقام تقريبية استناداً إلى تقارير رويترز وبلومبرغ ووسائل إعلام متعددة، وليست تسعيرة إغلاق رسمية.
يحذر محللون من أن السعودية تعتمد على البحر الأحمر ومصفاة ينبع كمخرج بديل لصادراتها النفطية بعيداً عن مضيق هرمز المتوتر أصلاً بفعل الحرب الإيرانية الأوسع، ما يعني أن استهداف منشآت أرامكو في ينبع نفسها يضرب "شبكة الأمان" الأخيرة لصادرات الخليج مباشرة، بدل أن يهددها من بعيد فقط.
"استمرت المناقشات بشأن ملف اليمن من دون انقطاع منذ هذه الجولة الأخيرة من التصعيد" — محمد الباشا، شركة باشا ريبورت للاستشارات
سيناريوهات ما بعد 25 يوليو
إلى أين يتجه المشهد؟
| السيناريو | الشرط الجوهري | المآل المحتمل |
|---|---|---|
| الأقرب — تصعيد محدود ومتحكَّم فيه | استمرار قنوات الوساطة العُمانية والأممية بالتوازي مع الضربات المتبادلة | ضربات متبادلة متقطعة على منشآت عسكرية واقتصادية دون حرب شاملة |
| الأخطر — انهيار كامل للتفاهمات | استهداف منشآت نفطية حيوية يتسبب في أضرار كبيرة أو خسائر بشرية | عودة حرب مفتوحة على غرار ما قبل 2022، وإغلاق فعلي لباب المندب |
| الأقل احتمالاً — تهدئة سريعة | ضغط دولي وعربي كافٍ لوقف استهداف الناقلات والمنشآت | عودة تدريجية لخطوط الشحن مع بقاء التوتر السياسي قائماً |
يشير مراقبون إلى أن الحوثيين يربطون تصعيدهم بالحرب الإيرانية الأوسع منذ فبراير الماضي، ما يجعل مصير هذا الملف مرهوناً جزئياً بمسار التصعيد أو التهدئة بين واشنطن وطهران، لا بالملف اليمني السعودي وحده. في الوقت نفسه، فإن استمرار قنوات التواصل بين الرياض والحوثيين عبر الوساطة العُمانية يشير إلى أن التصعيد الحالي أقرب إلى "تصعيد تفاوضي" منه إلى قرار نهائي بالحرب — وإن كانت ضربات جيزان وينبع تختبر حدود هذا الوصف بشدة.
تغريدة توضح تفاصيل استهداف ناقلتي النفط السعوديتين "إنسيليا" و"ليلى" في 23 يوليو 2026
خلال 12 يوماً فقط، تحوّلت جبهة كانت هامشية نسبياً في المشهد الإقليمي إلى تهديد مباشر لأحد أهم ممرات الطاقة العالمية، ثم إلى ضربات متبادلة تطأ منشآت نفطية حيوية على الأرض. السؤال الذي لن تحسمه ساعات قليلة هو: هل يملك الطرفان، رغم لغة "الحصار بالحصار" وتوسّع دائرة الأهداف إلى جيزان وينبع، مساحة كافية للعودة إلى طاولة الوساطة العُمانية قبل أن يتحوّل باب المندب فعلياً إلى مضيق هرمز ثانٍ؟
المصادر:
- يورونيوز — الحوثيون يعلنون استهداف منشآت سعودية.. والرياض تعترض الصواريخ (25 يوليو 2026)
- سي إن إن بالعربية — التحالف يعلن شن عملية على أهداف حوثية في الحديدة (25 يوليو 2026)
- سي إن إن بالعربية — ما نعرفه عن ناقلتي نفط سعوديتين هاجمهما الحوثيون (23 يوليو 2026)
- الشرق — الجامعة العربية تؤكد رفضها القاطع لهجوم الحوثي على الناقلة السعودية (23 يوليو 2026)
- الجزيرة نت — الحوثيون يحظرون الملاحة السعودية والرياض تتعهد بحماية سفنها (20 يوليو 2026)
- سي إن إن بالعربية — فيديو "لحظة سقوط صاروخ حوثي على مطار أبها": ما قصته؟ (تحقق، يوليو 2026)
الوسوم
الحوثيون | السعودية | جيزان وينبع | حصار بحري | باب المندب

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار