الليلة التاسعة و"القنبلة النظيفة": الورقة التي تراهن طهران على أن واشنطن لن تسحبها

-- دقائق
سياسة وأمن

مع دخول الضربات الأمريكية ليلتها التاسعة على التوالي واتساع الحرب إلى الكويت والبحرين والأردن ومضيق هرمز، يتصارع محللان حول احتمال أن تحسم واشنطن المعركة بخيار نووي "منخفض الأثر"، بينما تراهن طهران على ضمانات روسية وصينية تحصر المواجهة في نطاق السلاح التقليدي

الليلة التاسعة و"القنبلة النظيفة": الورقة التي تراهن طهران على أن واشنطن لن تسحبها

منشأة نووية  إيرانية حديثة (صورة تعبيريه)

تسعة ليالٍ متتالية من القصف لم تعد تُقاس بعدد الأهداف التي أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إتمامها، بل بسؤال أثقل بدأ يتسرب إلى النقاش العلني في واشنطن: هل تملك الإدارة الأمريكية استعدادا فعليا لاستخدام سلاح نووي "منخفض الأثر" لحسم المواجهة مع طهران دفعة واحدة، بدل استنزافها ضربة بعد ضربة؟

السؤال ليس افتراضيا بقدر ما يبدو؛ فالباحث الأمريكي فرانك مسمار يرى أن الترسانة النووية الأمريكية تضم بالفعل أسلحة يمكن وصفها بـ"النظيفة" نسبيا، وأن الإدارة قد تلجأ إليها إن شعرت بأن الصبر الاستراتيجي استُهلك. في المقابل، يستبعد الباحث الإيراني حسين رويوران هذا المسار كليا، مستندا إلى ما يصفه بضمانات روسية وصينية تحول أي خيار نووي أمريكي إلى مواجهة دولية موسعة لا تخدم أحدا. بين هذين الطرحين، تستمر الحرب التقليدية في التوسع جغرافيا، من الأجواء الإيرانية إلى قواعد أمريكية في الخليج، وصولا إلى ناقلات النفط في مضيق هرمز.

9 ليالٍ متتالية من الضربات الجوية الأمريكية أعلنتها سنتكوم حتى 20 يوليو
230 سلاحا نوويا غير استراتيجي في الترسانة الأمريكية وفق خدمة أبحاث الكونغرس
281 صاروخا ومسيّرة إيرانية استهدفت الأردن وحده منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير
85 هدفا عسكريا أمريكيا في الكويت والبحرين زعم الحرس الثوري استهدافها في ضربة واحدة

من مذكرة تفاهم إلكترونية إلى ليلة القصف التاسعة

لفهم كيف وصل النقاش إلى حافة الخيار النووي، يكفي تتبع الأسابيع الستة الأخيرة. الحرب بين واشنطن وطهران لم تبدأ في يوليو، بل اندلعت مواجهاتها العسكرية المباشرة في أواخر فبراير الماضي، قبل أن تتوصل الإدارة الأمريكية وطهران إلى تهدئة موقّعة إلكترونيا في منتصف يونيو. تلك التهدئة لم تدم شهرا كاملا.

  • 28 فبراير 2026

    اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة

    بداية تبادل الضربات بين إيران والقوات الأمريكية والحلفاء الإقليميين، وانطلاق موجات القصف المتبادل التي ستمتد لأشهر.

  • 18 يونيو 2026

    مذكرة تفاهم موقعة إلكترونيا

    واشنطن وطهران تعلنان التوصل إلى تهدئة بوساطات إقليمية ودولية، توقف العمليات العسكرية وتفتح بابا لمعالجة الملفات العالقة.

  • 7-8 يوليو 2026

    انهيار التهدئة

    ترمب يخطر الكونغرس رسميا باستئناف العمليات العسكرية، فاتحا نافذة قانونية مدتها 60 يوما لاستخدام القوة دون موافقة جديدة، ثم يعلن انتهاء وقف إطلاق النار. إيران ترد بضربات مسيّرات على قواعد أمريكية في البحرين والكويت.

  • 12-14 يوليو 2026

    توسع إقليمي للنيران

    صواريخ ومسيّرات إيرانية تطال الأردن والكويت والبحرين وناقلتي نفط إماراتيتين قرب عُمان، وتوقف شبه كامل للملاحة في مضيق هرمز.

  • 19 يوليو 2026

    ضربة على منشأة دارخوين النووية

    في الليلة الثامنة من القصف، تعلن طهران تعرض محطة دارخوين للطاقة النووية -قيد الإنشاء في خوزستان وخاضعة لضمانات الوكالة الدولية- لهجوم صاروخي أمريكي، فيما تؤكد الوكالة عدم وجود مواد نووية في الموقع.

  • 20 يوليو 2026

    الموجة التاسعة

    سنتكوم تعلن إتمام الضربة التاسعة المتتالية، مستهدفة مراكز قيادة ودفاعا جويا ومواقع مراقبة ساحلية وشبكات اتصالات، مع تأكيد واشنطن انفتاحها على الدبلوماسية.

حجة "الردع النظيف": هيروشيما كنموذج تفاوضي لا كتهديد تدميري

يبني فرانك مسمار قراءته على فرضية محددة: الهدف ليس تدمير إيران أو إلحاق معاناة جماعية بشعبها، بل دفع القيادة الإيرانية إلى استشعار حتمية الهزيمة قبل أن تتحول المواجهة إلى استنزاف مفتوح. يستدعي الباحث التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية كمرجع، حيث أوقفت الضربتان النوويتان الحرب بسرعة ومهدت لاحقا لصعود اقتصادي ياباني لم يكن ممكنا في ظل استمرار القتال التقليدي سنوات إضافية.

⚠️

ماذا تعني "القنابل النظيفة" تقنيا؟

المصطلح يشير عرفا إلى الأسلحة النووية غير الاستراتيجية أو منخفضة القوة التدميرية (Low-Yield)، المصممة لإصابة أهداف عسكرية محددة بدل إحداث دمار شامل يطال المدن. تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي يرصد نحو 230 سلاحا من هذا النوع في الترسانة الأمريكية، من ضمنها قرابة 100 قنبلة من طراز B61 منتشرة أساسا مع طائرات في أوروبا، إضافة إلى رؤوس منخفضة العائد مثل نسخة W76-2.

يذهب مسمار إلى أن الضغط المتصاعد على الصبر الأمريكي -عبر استمرار الضربات الإيرانية على قواعد الخليج وناقلات النفط- لن يقود إلى تراخٍ أمريكي، بل إلى نتيجة حاسمة. ويستبعد أن تقبل واشنطن الظهور بمظهر الطرف الذي يحرس مضيق هرمز إلى الأبد دون أن يحسم المعركة، مشيرا إلى أن التأثر الأمريكي المباشر بتقلبات أسعار النفط ناتج أساسا عن "حالة عدم التوقع" في الأسواق، ولا يتجاوز نسبة تُقدَّر بواحد في المئة من محفزات القرار الأمريكي.

القراءة الإيرانية: ضمانات روسية-صينية تُبقي السقف تقليديا

على الجهة المقابلة، يرفض حسين رويوران فكرة أن يكون النووي مطروحا بشكل حقيقي على الطاولة الأمريكية، مؤكدا أن المواجهة -على قسوتها- ستبقى محصورة في إطار الأسلحة الكلاسيكية. يستند الباحث إلى قناعة متجذرة داخل مؤسسة القرار الإيرانية: أي استخدام أمريكي للسلاح النووي، حتى بنسخته "المحدودة"، لن يبقى محدودا في تأثيره الجغرافي أو السياسي، بل سيفتح الباب لتدخل مباشر من قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين، وهو ما يشكل في نظر طهران رادعا فعليا لا نظريا.

الحجة الأمريكية — فرانك مسمار

خيار نووي "نظيف" قائم فعليا في الترسانة

النموذج الياباني يظهر أن الحسم النووي يمكن أن يقصّر الحرب ويحفظ مقدرات الدولة المهزومة على المدى الطويل

مقابل

القراءة الإيرانية — حسين رويوران

ضمانات روسية-صينية تستبعد السيناريو كليا

أي استخدام نووي أمريكي محدود سيتحول تلقائيا إلى مواجهة دولية موسعة تتجاوز الإطار الثنائي بين واشنطن وطهران

وحين سُئل رويوران عما إذا كانت طهران قد حصلت على ضمانات صريحة من حليفيها الروسي والصيني بهذا الخصوص، أجاب بالإيجاب، مؤكدا أن دولا عدة حذّرت واشنطن مسبقا من تجاوز هذا الخط. أما مقارنة الحالة الإيرانية بالنموذج الياباني، فيرفضها الباحث بشكل قاطع، معتبرا أن "ثقافة الاستسلام" غائبة أصلا عن القاموس السياسي لطهران، ولا تقبل بها المنظومة الحاكمة تحت أي درجة من الضغط العسكري أو الاقتصادي.

الحرب تتوسع: من دارخوين إلى مضيق هرمز

بعيدا عن النقاش النووي، تتوسع الحرب التقليدية فعليا على أكثر من جبهة إقليمية. الضربة الأمريكية على موقع محطة دارخوين -مفاعل مدني قيد الإنشاء في خوزستان جنوب غربي إيران، تخضع أعمال بنائه لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية- أثارت احتجاجا إيرانيا-روسيا مشتركا، مع مطالبة موسكو الوكالة الدولية باتخاذ تدابير فورية لوقف استهداف المنشآت النووية الإيرانية. وفي المقابل، لوّح الرئيس الأمريكي سابقا باستهداف موقع "جبل الفأس"، القريب من مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم، معتبرا الضربات الأمريكية سببا في منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الجهة طبيعة الهجوم الإيراني الرد أو النتيجة المعلنة
الأردن 281 صاروخا ومسيّرة منذ 28 فبراير اعتراض 261 منها، وإسقاط ثمانية صواريخ إضافية في موجة يوليو
الكويت مسيّرات انقضاضية على قاعدتي الأديرع وعلي السالم اعتراض 4 صواريخ و10 مسيّرات، وأضرار في محطة كهرباء وتقطير مياه
البحرين مسيّرات على قاعدة الشيخ عيسى المستضيفة للأسطول الخامس الأمريكي اعتراض عدد من الاعتداءات الجوية، دون إعلان أمريكي رسمي بشأن الأضرار
الإمارات وعُمان استهداف ناقلتي نفط إماراتيتين وسفن قرب السواحل العمانية تصدي المنظومات الدفاعية الإماراتية، وإدانة عُمانية رسمية للهجوم

النتيجة المباشرة لهذا التمدد: توقف شبه كامل للملاحة التجارية في مضيق هرمز، الذي يعبر منه نحو خُمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز، فيما حمّل الحرس الثوري الإيراني القوات الأمريكية والبريطانية مسؤولية أي تصعيد إضافي في الممر المائي.

ثلاثة مسارات محتملة للأسابيع المقبلة

المسارالشرط الجوهريالمآل المرجّح
الأرجح — استنزاف تقليدي متصاعد استمرار الضربات المتبادلة دون تجاوز خط السلاح التقليدي مزيد من التوسع الجغرافي للنيران في الخليج، مع بقاء الخيار النووي "على الرف" كأداة ضغط نفسي لا فعلي
الأخطر — ضربة نووية منخفضة الأثر وصول واشنطن إلى قناعة بأن الاستنزاف التقليدي بلا سقف زمني واضح تدخل روسي-صيني مباشر تحذر منه طهران، وتحول المواجهة الثنائية إلى أزمة دولية شاملة
البديل — عودة إلى طاولة التفاوض ضغط اقتصادي وإقليمي كافٍ لإحياء صيغة شبيهة بمذكرة يونيو هدنة جديدة هشة، مع بقاء ملفي دارخوين ونطنز نقطتي احتكاك مؤجلتين لا محلولتين

المفارقة الجوهرية في هذا الملف ليست في وجود القنبلة "النظيفة" من عدمه، بل في أن كل طرف يقرأ صبر الآخر بوصفه ضعفا يمكن استثماره. واشنطن تراهن على أن التلويح بخيار حاسم -نووي أو غير نووي- سيدفع طهران إلى إعادة حساباتها قبل نقطة اللاعودة. وطهران تراهن على أن الضمانات الدولية والذاكرة التاريخية لثمانين عاما من "المحرمات النووية" ستمنع واشنطن من تجاوز الخط فعليا. المشكلة أن كلا الرهانين يفترض عقلانية الطرف الآخر، وهو افتراض لم تعد الحروب الحديثة تحتمل الاعتماد عليه وحده.

المصادر:

  1. الجزيرة نت — بـ"قنابل نظيفة".. هل تلجأ أمريكا للسلاح النووي لإخضاع إيران؟ (20 يوليو 2026)
  2. الجزيرة نت — الأسلحة النووية التكتيكية.. ما هي ولماذا تُستخدم؟ (14 مايو 2026)
  3. RT Arabic — سنتكوم تعلن إنهاء الموجة التاسعة من الغارات على إيران (20 يوليو 2026)
  4. مونت كارلو الدولية (RFI) — إيران تستهدف الكويت والبحرين والأردن بعد ليلة قصف أمريكية ثامنة (19 يوليو 2026)
  5. RT Arabic — طهران تعلن تعرض محطة دارخوين النووية لقصف صاروخي أمريكي (19 يوليو 2026)

الوسوم

إيران أمريكا | القنابل النووية النظيفة | مضيق هرمز | سنتكوم | دارخوين

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

اقتصاد الصين بسرعتين: صادرات قياسية تنقذ الواجهة بينما ينزلق النمو إلى 4.3% الأضعف منذ الجائحة

بكين تراكم الذهب في وجه الانهيار: أكبر إضافة شهرية منذ 2023 رغم أسوأ أداء للمعدن منذ 2008

هل يمكن لإيران ضرب الأراضي الأمريكية؟ تحليل واقعي للتهديد الصاروخي عابر القارات