22 مليار دولار فقط؟ الحكاية الحقيقية خلف "تراجع" استثمارات شمال أفريقيا 56% في عام واحد

-- دقائق
اقتصاد

بينما توحي العناوين بانهيار استثماري حاد، يكشف تقرير الأونكتاد أن مصر تتصدر القارة للعام الثاني على التوالي وأن المغرب يسجل أفضل أداء في تاريخه، فيما الرقم الصادم لا يعدو كونه أثراً حسابياً لصفقة عقارية واحدة

22 مليار دولار فقط؟ الحكاية الحقيقية خلف "تراجع" استثمارات شمال أفريقيا 56% في عام واحد

منظر جوي لمدينة على الساحل الشمالي الغربي لمصر، حيث تتواصل أعمال الإنشاء في الأبراج السكنية والفندقية ضمن واحدة من أكبر مشروعات التنمية العمرانية على البحر المتوسط

رقم واحد كفيل بأن يصنع عنواناً مرعباً: تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في شمال أفريقيا بنسبة 56% ليصل إلى 22 مليار دولار فقط خلال عام 2025. لكن من يقرأ تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) بتمعن، يكتشف أن هذا "الانهيار" هو في جوهره أثر إحصائي لصفقة استثنائية واحدة انتهى مفعولها، وليس علامة على تراجع جاذبية المنطقة.

فبينما يتراجع الرقم الإجمالي، تتصدر مصر قارة أفريقيا في جذب الاستثمار الأجنبي للعام الثاني على التوالي، ويسجل المغرب أعلى معدل نمو في استثماراته منذ سنوات مدفوعاً بصناعة السيارات. القصة إذن ليست عن انكماش، بل عن كيفية قراءة الأرقام في سياقها الصحيح.

56% تراجع استثمارات شمال أفريقيا في 2025 (أثر أساس مقارنة وليس ضعفاً هيكلياً)
15.4 مليار دولار استثمارات مصر - الأولى أفريقياً للعام الثاني
91%+ نمو استثمارات المغرب مدفوعاً بصناعة السيارات
1.62 تريليون دولار حجم الاستثمار الأجنبي العالمي، بنمو 6%

الرقم الذي يخدع: كيف صنعت صفقة واحدة "انهياراً" وهمياً؟

يعزو تقرير الأونكتاد التراجع الحاد بشكل رئيسي إلى أثر المقارنة بعام 2024، حين رفعت صفقة "رأس الحكمة" العقارية العملاقة بين مصر والإمارات - والتي ضخّت نحو 35 مليار دولار كاستثمار أجنبي مباشر خلال أسابيع - تدفقات المنطقة إلى مستوى قياسي غير مسبوق. حين تُقارَن أرقام 2025 العادية بهذا المستوى الاستثنائي، تظهر النسبة المئوية للتراجع كبيرة، رغم أن الأداء الفعلي للاقتصادات لم يتراجع بالقدر نفسه.

ℹ️

ما هو "أثر سنة الأساس"؟

حين ترتفع قيمة مؤشر ما بشكل استثنائي في سنة معينة بفعل صفقة كبرى غير متكررة، فإن أي مقارنة لاحقة بهذه السنة "المتضخمة" ستُظهر نسبة تراجع كبيرة، حتى لو كان الأداء الأساسي مستقراً أو في تحسّن. هذا ما حدث بالضبط مع أرقام شمال أفريقيا بين 2024 و2025.

تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر: 2024 مقابل 2025 (مليار دولار)

المصدر: تقرير الاستثمار العالمي 2026 - الأونكتاد؛ أرقام 2024 مستنتجة من نسب التغير المعلنة

الفارق بين الرقمين ليس تراجعاً في الاستثمارات الجديدة بقدر ما هو غياب صفقة استثنائية أخرى بالحجم نفسه. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تسجل كل من مصر والمغرب، عند النظر إليهما بمعزل عن أثر تلك الصفقة، أداءً لافتاً في 2025.

مصر: صدارة أفريقيا للعام الثاني رغم "الانكماش" الرقمي

استقطبت مصر 15.4 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2025، محافظة على موقعها كأكبر مستقبل للاستثمارات في القارة الأفريقية للعام الثاني على التوالي، وباستحواذ يقارب 21.4% من إجمالي تدفقات أفريقيا. صحيح أن هذا الرقم يمثل تراجعاً بنسبة 66.8% مقارنة بعام 2024، لكن هذا التراجع بالكامل تقريباً يعكس خروج أثر صفقة "رأس الحكمة" من المعادلة، وليس ضعفاً في الاقتصاد المصري.

الدليل الأوضح: عند استبعاد أثر تلك الصفقة الاستثنائية من حسابات 2024، ترتفع التدفقات الأجنبية إلى مصر بنحو الربع خلال 2025، مدعومة بإتمام صفقة "علم الروم" التي بلغت قيمتها 3.5 مليارات دولار. وهذا ما دفع الاقتصادي الأول في الأونكتاد، أشرف عبدالعال، للتأكيد أن العام الماضي كان الأفضل لمصر من حيث جذب الاستثمار الأجنبي المباشر إذا استُبعد أثر الصفقة العقارية الكبرى.

"استبعاد أثر صفقة رأس الحكمة، فإن العام الماضي يُعد الأفضل لمصر من حيث جذب الاستثمار الأجنبي المباشر" — أشرف عبدالعال، الاقتصادي الأول في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)

المغرب: حين تتحول صناعة السيارات إلى محرك استثماري حقيقي

على عكس مصر التي تأثرت أرقامها بأثر المقارنة، سجّل المغرب نمواً معلناً بالكامل، إذ استقطبت المملكة نحو 3.3 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2025، بارتفاع سنوي بلغ 91%. يعزو تقرير الأونكتاد هذه القفزة إلى استمرار تنويع الاقتصاد المغربي نحو الصناعات التحويلية، وفي مقدمتها صناعة السيارات التي باتت القطاع التصديري الأول في المملكة.

تضم المغرب حالياً ثلاثة مصانع للسيارات أنتجت خلال العام الماضي نحو مليون سيارة، ما جعلها المتصدرة أفريقياً في هذا القطاع، بصادرات تجاوزت 15 مليار دولار. ويرى التقرير أن دخول المغرب مجال تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية لم يكن نتيجة حوافز ظرفية، بل ثمرة استراتيجية صناعية امتدت لأكثر من عقدين، شملت بناء قاعدة موردين متكاملة وبنية تحتية صناعية ومؤسسات تدريب متخصصة.

ومن أبرز محطات هذا التوجه، استقطاب المملكة عام 2024 مشروع مصنع ضخم (Gigafactory) لبطاريات السيارات الكهربائية تنفذه شركة جوشن (Gotion) الأوروبية الصينية، باستثمار أولي بلغ نحو 1.3 مليار دولار، مع خطة لرفع الطاقة الإنتاجية من 20 إلى 100 غيغاواط/ساعة، باستثمارات إجمالية قد تصل إلى 6.5 مليار دولار.

مصر (بعد استبعاد أثر الصفقة)

+25%

نمو حقيقي في تدفقات الاستثمار الجديدة، مدعوم بصفقة "علم الروم" بقيمة 3.5 مليارات دولار

مقابل

المغرب (نمو معلن بالكامل)

+91%

مدفوع بصناعة السيارات وبطاريات المركبات الكهربائية دون أثر صفقات استثنائية

أفريقيا في السياق العالمي: القارة تتراجع وسط طفرة عالمية

على مستوى القارة، تراجعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أفريقيا إلى نحو 70 مليار دولار في 2025 مقارنة بـ94 مليار دولار في 2024، لكنها ظلت تمثل ثالث أعلى مستوى في تاريخ القارة منذ عام 1990، متجاوزة متوسط التدفقات طويل الأجل بنحو الثلث. واللافت أن قيمة المشروعات الاستثمارية الجديدة المعلنة (Greenfield) تراجعت بنحو الثلث، بينما ارتفع عدد هذه المشروعات، ما يعكس توجهاً نحو استثمارات أصغر حجماً لكن أوسع انتشاراً، بدلاً من الاعتماد على صفقات ضخمة منفردة.

عالمياً، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 6% لتصل إلى 1.624 تريليون دولار خلال 2025 مقابل 1.532 تريليون دولار في 2024، منهية بذلك عامين متتاليين من التراجع. وقد ارتفعت التدفقات إلى الاقتصادات المتقدمة بنسبة 11%، بينما اكتفت الاقتصادات النامية بنمو 2% لتصل إلى 901 مليار دولار، ما يعكس تعافياً غير متوازن يتركز في عدد محدود من الوجهات؛ إذ استحوذت أكبر 20 اقتصاداً مضيفاً على أكثر من 80% من إجمالي الاستثمار الأجنبي العالمي.

توزيع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي حسب المنطقة - 2025

المصدر: تقرير الاستثمار العالمي 2026 - الأونكتاد (بالمليار دولار)

المنطقة تدفقات 2025 ملاحظة
آسيا النامية644 مليار $الأكبر بين المناطق النامية
أميركا اللاتينية والكاريبي188 مليار $نمو 14%
أفريقيا70 مليار $تراجع 26%، لكنه ثالث أعلى مستوى تاريخي
الاقتصادات المتقدمة (مجتمعة)نحو 723 مليار $نمو 11%

ويشير التقرير إلى تركّز متزايد للاستثمار العالمي في قطاعات استراتيجية محددة؛ إذ باتت مشروعات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية وتقنيات الطاقة النظيفة تستحوذ على 44% من قيمة المشروعات الاستثمارية الجديدة عالمياً خلال 2025، مقارنة بـ16% فقط في 2020، بينما لم تحصل الاقتصادات المنخفضة والمتوسطة الدخل إلا على نحو 10% من هذا النوع من الاستثمار الاستراتيجي.

ماذا لو استبعدنا أثر صفقة "رأس الحكمة"؟

المؤشرالرقم المعلنالقراءة الفعلية
النمو السنوي لاستثمارات مصر-66.8%+25% تقريباً بعد استبعاد أثر الصفقة
نصيب مصر من استثمارات أفريقيا21.4%لا تزال الأولى قارياً للعام الثاني على التوالي
تراجع شمال أفريقيا ككل-56%أثر مقارنة إحصائية وليس ضعفاً هيكلياً

الرقم اللافت في تقرير الأونكتاد ليس التراجع بحد ذاته، بل ما يخفيه خلفه: مصر تربح رهان الاستثمار للعام الثاني على التوالي حتى بعد خروج صفقتها الكبرى من المعادلة، والمغرب يحوّل صناعة السيارات وبطاريات المركبات الكهربائية إلى قاطرة نمو حقيقية بلا حاجة لصفقات استثنائية. التحدي الحقيقي أمام المنطقة الآن ليس تعويض رقم 2024 القياسي، بل ألا يتحول هذا "الوهم الإحصائي" إلى ذريعة للتراخي في جذب استثمارات جديدة تُعوّض غياب الصفقات الكبرى وتُرسّخ نمواً مستداماً بعيداً عن التقلبات السنوية الحادة.

المصادر:

  1. الشرق للأعمال (اقتصاد الشرق مع بلومبرغ) - 7 يوليو 2026
  2. الأونكتاد - البيان الصحفي الرسمي عن أفريقيا في تقرير الاستثمار العالمي 2026 (بالعربية) - 7 يوليو 2026
  3. الأونكتاد - البيان الصحفي الرسمي العالمي لتقرير الاستثمار العالمي 2026 (بالعربية) - 7 يوليو 2026
  4. المصري اليوم - الأونكتاد: مصر الأولى أفريقياً للعام الثاني بتدفقات 15 مليار دولار
  5. الجزيرة نت - تفاصيل صفقة رأس الحكمة ومصدر الصورة الرئيسية 

الوسوم

تراجع الاستثمار الأجنبي | شمال أفريقيا 2025 | تقرير الأونكتاد | صفقة رأس الحكمة | نمو استثمارات المغرب

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

إسرائيل تُراقب بقلق: لماذا يُقلقها التحول التكنولوجي في الجيش المصري؟

تسعة علماء لا "كل الخبراء": كيف بنت إسرائيل رواية نصر في إيران تكذّبها استخباراتها؟

بعد رحيل شهادات الـ27%: لغز تباطؤ ادخار المصريين رغم تراجع التضخم إلى 14.6%